• الموقع : مركز العترة الطاهرة للدراسات والبحوث .
        • القسم الرئيسي : العقائد والتاريخ .
              • القسم الفرعي : شبهات وردود .
                    • الموضوع : المطاعن على أبي بكر، وماهية فدك وملكيتها .

المطاعن على أبي بكر، وماهية فدك وملكيتها

 

المطاعن على أبي بكر.. وماهية فدك وملكيتها
من كتاب مؤتمر علماء بغداد لآية الله الشيخ محمّد جميل حمّود:1/224ـ 314

..ومطاعن أبي بكر كثيرة نستغرض منها الآتي:
 

الطعن الأول:
تأمّره على الناس من دون أن يبيح اللَّه تعالى له ذلك ولا رسوله ومطالبة جميع الأمة بالبيعة له والانقياد إلى طاعته طوعاً وكرهاً فكان ذلك منه أول ظلم ظهر في الإسلام بعد وفاة رسول اللَّه، إذ كان هو وأولياؤه مقرين بأن اللَّه ورسوله لم يولياه ذلك ولا أوجبا طاعته ولا أمرا ببيعته.
فلما انقاد الناس له طالبهم بالخروج إليه مما كان يأخذه رسول اللَّه من الصدقات والأخماس وما شاكلها، ثم سمّى نفسه خليفة رسول اللَّه ونفذت بذلك كتبه إلى الأمصار من خليفة رسول اللَّه فكانت هذه الحالة منه جامعة للظلم والمعصية والكذب على النبيّ الأعظم‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وذلك أنه لما طالبهم بالخروج إليه مما كان يأخذه منهم رسول اللَّه من الصدقات وغيرها كان ذلك منه ظلماً ظاهراً إذ كان يعلم أن اللَّه ورسوله لم يجعلا له ولا إليه شيئاً منه ولم يجعل اللَّه ولا رسوله ولا ولاته شيئاً من ذلك كان ظالماً في مطالبته لهم به فظهرت منه المعصية للَّه ولرسوله إذ طالب بما ليس له بحق، ولدعواه أنه خليفة رسول اللَّه وقد علم وعلم معه الخاص والعام أنّ الرسول لم يستخلفه كان ظالماً كاذباً بذلك على اللَّه وعلى رسوله، وصدق عليه قول النبيّ: من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار.
الطعن الثاني:
أن النبيَّ لم يولِّ أبا بكر شيئاً من الأعمال مع أنه كان يوّليها غيره، ولمّا أنفذه لأداء سورة براءة إلى أهل مكة عزله وبعث الإمام علياً (عليه السَّلام) ليأخذها منه ويقرأها على الناس، ولما رجع أبو بكر إلى النبيّ قال‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): لا يؤدي عني إلاّ أنا أو رجل مني.
فمن لم يصلح لأداء سورة واحدة إلى أهل بلدة كيف يصلح للرئاسة العامة المتضمنة لأداء جميع الأحكام إلى عموم الرعايا في البلاد؟
الطعن الثالث:
لما انقاد لأبي بكر الناس طوعاً وكرهاً امتنعت عليه قبيلة من العرب في دفع الزكاة إليه وقالوا له: إن الرسول لم يأمرنا بالدفع إليك ولا أمرك بمطالبتنا به فعلام تطالبنا بما لا يأمرك اللَّه به ولا رسوله فسماهم أهل الرِّدّة، وبعث إليهم خالد بن الوليد في جيش فقتل مقاتلهم وسبى ذراريهم واستباح أموالهم وجعله فيئاً قسّمه بين المسلمين، فقبلوا ذلك منه مستحلين له إلا نفر كرهوا ذلك منهم عمر بن الخطّاب فإنه عزل سهمه منهم وكان عنده إلى أن ملك الأمر ثم رده عليهم فكانت خولة بنت جعفر بن قيس والدة محمد بن الحنفية منهم فبعث بها إلى أمير المؤمنين فتزوجها ولم يتملكها، واستحل الباقون فروج نسائهم، وقتل خالد بن الوليد رئيس القوم مالك‏ بن نويرة وأخذ امرأته فوطأها من ليلته تلك من غير استبراء لها، ولا وقعت عليها قسمة، فأنكر عمر ذلك من فعله عليه وقال لأبي بكر في أمره فاحتج عليه بأن خالداً تأوّل فأخطأ، فلما أكثر عليه عمر قال أبو بكر: ما كنت لأشيم سيفاً سلّه اللَّه تعالى.
لقد نصر أبو بكر خالداً ولم ينكر عليه مع أن القوم الذين كانوا مع خالد قالوا: إن جماعة مالك أذّن مؤذنهم وصلينا وصلوا وشهدنا الشهادتين وشهدوا فأي ردة لهؤلاء.
وفي لفظ ابن الأثير: قال عمر لأبي بكر إن سيف خالد فيه رهَق، وأكثر عليه في ذلك، فقال: هيه يا عمر! تأوّل فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد، فإني لا أشيم سيفاً سلّه اللَّه على الكافرين، وودى مالكاً وكتب إلى خالد أن يقدم عليه، ففعل، ودخل المسجد وعليه قباء، وقد غرز في عمامته أسهماً، فقام إليه عمر فنزعها وحطّمها وقال له: قتلت امرأً مسلماً ثم نزوت على امرأته، واللَّه لأرجمنّك بأحجارك..".
ليت شعري كيف تأوّل أبو بكر فعل خالد ولم يتأوّل لمولاتنا بضعة المصطفى السيدة الزهراء عندما طالبته بحقها من الخمس وفدك، وإنكارها عليه اغتصابه الخلافة؟!!
ونحن نسأل الأتباع: كيف يسوغ لكم أن تتبعوا رجلاً أفتى بدون علم بقتل الأبرياء وبالاعتداء على الأعراض، وصدقتموه بما فعل لمجرد كونه صحابياً ولم تتبعوا السيّدة الزهراء (عليها السَّلام) التي طهّرها اللَّه في محكم قرآنه المجيد فقال عنها: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً وقال عنها نبيه الكريم: "فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" "من أسخط فاطمة فقد أسخط اللَّه"؟!
الطعن الرابع:

التخلف عن جيش أسامة:
من بدع أبي بكر أنه لم يمتثل أمر رسول اللَّه اجتهاداً منه كما يدّعي أتباعه لكن هذا الاجتهاد محرّمٌ لكونه في مقابل النص [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ].
فالأمة مجمعة في روايتها على أن رسول اللَّه كان قد ضمه قبل وفاته إلى أسامة بن زيد مع صاحبه وجماعة من رؤساء المهاجرين والأنصار وأمرهم بالمسير معه إلى الشام وخرج أسامة في حياة الرسول فعسكر خارج المدينة واعتل الرسول علته التي توفي فيها، وكرّر لهم النبي مقالته "نفذوا أي جهزوا جيش أسامة لعن اللَّه المتخلّف عن جيش أسامة" إلى أن ارتحل النبي ولم ينفذوا جيش أسامة ثم أقبلا أي أبو بكر وعمر يخاصمان الأنصار في طلب البيعة، فبايع الناس أبا بكر، وأسامة على حال معسكره خارج المدينة يراسلهم فلا يلتفتون إليه حتى إذا استوى لهم الأمر، بعث أبو بكر إلى أسامة أن الناس نظروا في أمورهم فلم يجدوا لهم غنى عني، وقد نظرت في أمري فلم أجد عن عمر غنى فخلفه عندي وامض في الوجه الذي أمرك به الرسول بالمضي فيه، فكتب إليه أسامة مَن الذي أذن لك في نفسك بالتخلف عني حتى تطلب مني الإذن لغيرك إن كنت طائعاً للَّه ولرسوله فارجع إلى معسكرك ومركزك الذي أقامك فيه رسول اللَّه.
ولم يكتف القوم بتخلفهم عن جيش أسامة حتى طعنوا بإمارته وقدحوا برسول اللَّه مدَّعين أنه أمَّر عليهم غلاماً.
"فغضب الرسول غضباً شديداً فخرج وقد عصب على رأسه عصابة، وعليه قطيفة فصعد المنبر فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: أما بعد أيُّها الناس فما مقالة بلغني عن بعضكم في تأمير أسامة ولئن طعنتم في تأميري أسامة فقد طعنتم في تأميري أباه من قبله، وايم اللَّه إنه كان للإمارة لخليقاً وان ابنه من بعده لخليق للإمارة، وإن كان لمن أحبّ الناس إليّ فاستوصوا به خيراً فإنه من خياركم..".
ولا يخفى على الفطن: أن تثاقلهم عن السير وتخلفهم عن الجيش ليحكموا قواعد سياستهم في سقيفة بني ساعدة ترجيحاً منهم لذلك على التعبد بالنصّ النبوي، ولو ذهبوا مع أسامة لكان فاتهم ما كانوا يرومونه من الطمع بالخلافة، لذا تخلفوا حتى مات النبيّ، فهمّوا بإلغاء البعث وحلّ اللواء تارة، وبعزل أسامة أخرى.
فإذا كان حال القوم مع نبيهم حال حياته من العصيان وعدم الاحترام وقلة الإيمان، فكيف بهم بعد موته مع بضعته الطاهرة وزوجها علي أمير المؤمنين الذي يدور الحق معه حيثما دار؟! وهل يمكن أن نحسن بهؤلاء الأوباش الظن بحجة أن القوم من الصحابة، أوَليس الإمام عليّ والصدّيقة الزهراء من الصحابة؟ فترجيح أبي بكر وعمر على الإمام عليّ وزوجه فاطمة (عليها السَّلام) يعتبر ترجيحاً من دون مرجح في حال مساواتهم مع بعض في الفضائل، مع أن الإمام وزوجه لا يساويهما أحد من الناس، فتقديم غيرهم عليهما يُعْتَبرُ قبيحاً عقلاً ونقلاً لا يفعله العقلاء.
الطعن الخامس:
جهله بالأحكام الشرعية، فكيف يكون خليفة لرسول اللَّه وهو لا يدري الكثير من الحلال والحرام، لذا لما سُئل عن الكلالة قال: "أقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن اللَّه، وإن كان خطأ فمني".
ولم يعرف ميراث الجدّة، فقال لجدة سألته عن إرثها: لا أجد لك شيئاً في كتاب اللَّه وسنة نبيه، فأخبره المغيرة ومحمد بن مسلمة أنّ الرسول أعطاها السدس، وقال: اطعموا الجدات السدس.
وفي لفظ آخر:
إن جدتين أتتا أبا بكر هما أمّ الأم وأم الأب، فأعطى الميراث أم الأم دون أم الأب، فقال له عبد الرحمن‏ بن سهيل أخو بني حارثة: يا خليفة رسول اللَّه لقد أعطيت التي لو أنها لو ماتت لم يرثها، فجعله أبو بكر بينهما يعني السدس.
كما أنه حرق الفجاءة السلمي وهو إياس بن عبدفاللَّه‏ بن عبد ياليل‏ بن عميرة بن خفاف فقال لأبي بكر: إني مسلم وقد أردت جهاد من ارتدّ من الكفار فاحملني وأعنّي فحمله أبو بكر على ظهر وأعطاه سلاحاً فخرج يستعرض الناس المسلم والمرتد يأخذ أموالهم ويصيب من امتنع منهم، فأمر أبو بكر طريفة بن حاجز أن يأسره أو يقتله، فأسره طريفة ثم قدما على أبي بكر فقال له أبو بكر: يا طريفة اخرج به إلى هذا البقيع فحرّقه بالنار، فخرج به وأوقد له ناراً فقذفه فيها.
وفي رواية ابن الأثير والطبري: أوقد له ناراً في مصلّى المدينة على حطب كثير ثم رمى فيها مقموطاً أي: جُمعت يداه إلى قفاه.
ولأبي بكر سوابق في إحراقه الناس بالنار، فقد روى هشام‏ بن عروة عن أبيه قال: كان في بني سليم ردّة فبعث إليهم أبو بكر خالد بن الوليد فجمع رجالاً منهم الحظائر ثم أحرقها عليهم بالنار، فبلغ ذلك عمر فأتى أبا بكر فقال: تدع رجلاً يعذّب بعذاب اللَّه عز وجلّ، فقال أبو بكر: واللَّه لا أشيم سيفاً سلّه اللَّه على عدوه حتى يكون هو الذي يشيمه، ثم أمره فمضى من وجهه ذلك إلى مسيلمة.
وقد أحرق باب سيّدة الطهر فاطمة روحي لنعلها الفداء كما هو متواتر ومشهور بين الإمامية، فكان أبو بكر يهوى تعذيب مخالفيه بالنار لشدة غيظه وفوران حقده.
إنّ التعذيب بالنار من مختصات الخالق القدير وقد نهى عزّ وجلّ عن الإحراق على لسان رسوله بقوله‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): لا يعذِّب بالنار إلاّ ربّ النار. وقوله: لا يعذّب بالنار إلا ربّها.
وقد ورد عنه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) قال: من بدّل دينه فاقتلوه. وقال‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): لا يحلُّ دم امرى‏ء مسلم يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنّ محمداً رسول اللَّه إلا بإحدى ثلاث: زنا بعد إحصان فإنه يرجم، ورجل يخرج محارباً للَّه ورسوله فإنه يُقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض أو يقتل نفساً فيقتل بها.
هذا موافق لقوله تعالى: [إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ].
 

قد يقال:
ورد عند الإمامية أن أمير المؤمنين علياً (عليه السَّلام) قد أحرق عبدفاللَّه‏ بن سبأ وأصحابه، فلِمَ لا يصح لأبي بكر أن يفعل ذلك بمخالفيه أسوة بالإمام عليّ‏ (عليه السَّلام)؟

والجواب:
إن ما فعله أمير المؤمنين بابن سبأ وأصحابه لم يكن إحراقاً وإنما حفر لهم حُفَراً وخرق بعضها إلى بعض، ثم دخن عليهم حتى ماتوا.
هذا مضافاً إلى أن أبا بكر نفسه تندّم وهو على فراش الموت من فعلته النكراء مما يجعل المسألة في عداد المحرمات القطعية التي ارتكبها أبو بكر، والندم عليها في آخر حياته لا يستلزم صلاح خلافته لأن المورد ليس كعقد الفضولي حتى يقع صحيحاً بعد تعقُّبه بالإجازة على نحو الشرط المتأخر.
فكان على أبي بكر أن لا يحرق الفجاءة لكونه متظاهراً بالإسلام وتلقاه الخليفة المذكور بالقبول يوم أعطاه ظهراً وسلّحه، وإن كان فاسقاً بالجوارح بحسب ما دعوى أبي بكر، فالواجب عليه أنْ يتأوّل له كما تأوّل لخالد بن الوليد وتلقيبه له بسيف اللَّه المسلول.
وقد دافع القاضي عضد الإيجي عن أبي بكر في المواقف من أن أبا بكر مجتهدٌ وما إحراقه للفجاءة سوى اجتهادٍ، وكذا جرى مجراه القوشجي في شرح التجريد ص482 حيث قال: إن إحراقه فجاءة بالنار من غلطة في اجتهاده فكم مثله للمجتهدين.

أقول:
أولاً: إن هذا الاجتهاد مرفوضٌ لكونه في مقابل نص الكتاب والسنّة وإلا فإنه سيعطي المبرر للظالمين والسفاكين بإراقة الدماء تحت عنوان الاجتهاد، وعلى هذا الأساس يكون ما ارتكبه بنو أمية وبنو العبّاس اجتهاداً جائزاً بحسب هذه الدعوى، وبالتالي فكلهم إلى الجنّة لأنهم معذورون بإجتهادهم بقتل الأبرياء وانتهاك الأعراض وسرقة الأموال.
ثانياً: يُفرض على الخليفة أن يكون صبوراً متأنياً لا عجولاً متسرعاً، كما لا بدّ له أنْ يكون محتاطاً بأقواله وأفعاله حتى لا يقع فريسة الحواشي والغواشي فتنتفي الحكمة من نصبه ووجوده.
الطعن السادس:
إقدام خالد على قتل مالك بن نويرة بأمره وزنى بإمرأته من ليلته. فإن الاعتداء على الأعراض وسفك الدماء كانا من مهام الخليفة أبي بكر، فهاهم مؤرخو العامة يثبتون القصة كاملةً في كتبهم بل ويستنكر بعضهم ذاك الفعل السي‏ء الذي يتنزه عنه حتى اليهودي أو المشرك آنذاك.
مفاد القصة:
أن خالد بن الوليد دخل البطاح ولم يجد بها أحداً، ووجد مالكاً قد فرّقهم عن الاجتماع وقال: يا بني يربوع إنّا دُعينا إلى هذا الأمر فأبطأنا عنه فلم نفلح، وقد نظرت فيه فرأيت الأمر يتأتى لهم بغير سياسة، وإذا الأمر لا يسوسه الناس، فإياكم ومناوأة قوم صُنع لهم، فتفرقوا وادخلوا في هذا الأمر، ولما قدم خالد البطاح بثّ السرايا وأمرهم بداعية الإسلام وأن يأتوه بكل مَنْ لم يُجب وإن امتنع أن يقتلوه، وكان قد أوصاهم أبو بكر أن يؤذّنوا إذا نزلوا منزلاً، فإن أذّن القوم فكفّوا عنهم، وإن لم يؤذّنوا فاقتلوا وانهبوا، وإن أجابوكم إلى داعية الإسلام فسائلوهم عن الزكاة، فإن أقرّوا فاقبلوا منهم، وإن أبوا فقاتلوهم.
فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر معه من بين ثعلبة بن يربوع، فاختلفت السرية فيهم، وكان فيهم أبو قتادة، فكان فيمن شهد أنهم قد أذّنوا وأقاموا وصلّوا، فلما اختلفوا أمر بهم فحُبسوا في ليلة باردة لا يقوم لها شي‏ء، فأمر خالد منادياً فنادى: ادفئوا أسراكم، وهي في لغة كنانة القتل، فظن القوم أنه أراد القتل، ولم يُرد إلاّ الدف‏ء، فقتلوهم، فقتل ضرار بن الأزور مالكاً، وسمع خالد الواعية، فخرج وقد فرغوا منهم، فقال: إذا أراد اللَّه أمراً أصابه، وتزوّج خالد أم تميم امرأة مالك، فقال عمر لأبي بكر:
إن سيف خالد فيه رهق، وأكثر عليه في ذلك، فقال: هيه يا عمر! تأوّل فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد، فإني لا أشيم سيفاً سلّه اللَّه على الكافرين، وودى مالكاً وكتب إلى خالد أن يقدم عليه، ودخل المسجد وعليه قباء وقد غرز في عمامته أسهماً، فقام إليه عمر فنزعها وحطّمها، وقال له: قتلت امرأً مسلماً ثم نزوت على امرأته، واللَّه لأرجمنك بأحجارك! وخالد لا يكلّمه يظن أن رأي أبي بكر مثله، ودخل على أبي بكر فأخبره الخبر واعتذر إليه، فعذره وتجاوز عنه وعنّفه في التزويج الذي كانت عليه العرب من كراهة أيام الحرب، فخرج خالد وعمر جالس، فقال: هلمَّ إليّ يا ابن سَلَمة، فعرف عمر أن أبا بكر قد رضي عنه، فلم يكلّمه.
وفي لفظ الطبري وغيره:
أن أبا بكر كان من عهده إلى جيوشه أن إذا غشيتم داراً من دور الناس فسمعتم فيها أذاناً للصلاة فأمسكوا عن أهلها حتى تسائلوهم ما الذي نقموا، وإن لم تسمعوا أذاناً فشنوا الغارة فاقتلوا وحرّقوا، وكان ممن شهد لمالك بالإسلام أبو قتادة الأنصاري الحارث‏ بن ربعي أخو بني سلمة، وقد كان عاهد اللَّه أن لا يشهد مع خالد بن الوليد حرباً أبداً بعدها، وكان يحدث أنهم لمّا غشوا القوم راعوهم تحت الليل فأخذ القوم السلاح، قال: فقلنا إنّا المسلمون، فقالوا: ونحن المسلمون، قلنا فما بال السلاح معكم؟ قالوا لنا فما بال السلاح معكم؟ قلنا فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح، قال فوضعوها ثم صلينا وصلّوا وكان خالد يعتذر في قتله...".
ولم يكتفِ خالد "القائد العسكري عند أبي بكر" بما صنع بمالك وأصحابه حتى انتهك حرمة جسد المسلم بعد الموت فجعل رأس مالك ورؤوس أصحابه أثافي للقدور يطبخون عليها اللحم والمرق فرحين بمقتل مؤمنين باللَّه وبرسالة محمد وعترته الطاهرة.
وعندما تسأل بعض علماء العامة عن سبب قتل مالك يجيبونك دائماً إن مالكاً ارتد عن الإسلام.

لكن يرد عليهم:
أولاً: إن مالك بن نويرة كان صحابياً قد بعثه رسول اللَّه على صدقة بني تميم وبني يربوع وكان قد أسلم هو وأخوه متمم، ولم يثبت بدليل قطعي أنه ارتدّ، ولو شككنا بإسلامه بعد اليقين فنستصحب إسلامه.
ثانياً: إن عامة المؤرخين ذكروا أن أبا بكر ودّى مالكاً في بيت المال وردّ سبيهم لأخيه متمم بن نويرة.
ثالثاً: إن عمر بن الخطاب نفسه يعترف بأن مالكاً مسلم عندما قال لأبي بكر: إن عدو اللَّه أي خالد عدا على امرى‏ء مسلمٍ فقتله ونزا على امرأته. وشهد على ذلك أيضاً أبو قتادة حيث قال: إن مالكاً وأصحابه أذّنوا وصلّوا.
رابعاً: وعلى فرض إرتداد مالك فهل يسوغ لخالد أن يزني بزوجة الرجل في ليلة مقتل زوجها، ألم يأمر اللَّه عزّ وجلّ في القرآن الكريم بعدة الوفاة مع الاستبراء بالحيض بقوله تعالى: [وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً] [وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ] وقوله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ]. فالارتداد لا يسوّغ البناء بها قبل الاستبراء بالحيض وعدة الوفاة، فكيف خفي ذلك على خالد سيف اللَّه المسلول على حدّ زعم أبي بكر الخليفة؟!!
أنّى لنا أن نعدّه سيفاً من سيوف اللَّه وقد اغتصب فروج الحرائر وسفك تلكم الدماء الزكيّة من الذين آمنوا باللَّه ورسوله واتّبعوا سبيل الحق وصدّقوا بالحسنى، وأذّنوا وأقاموا وصلّوا وقد علت عقيرتهم: بأنّا مسلمون؟!! وأنّى لنا أن نعدّه كذلك وقد تبرّأ منه نبيُّ الإسلام الأعظم غير مرّةٍ، مستقبل القبلة شاهراً يديه وأبو بكر ينظر إليه من كَثَب؟!
زهٍ زهٍ بالاجتهاد تجاه نصِّ الكتاب والسنّة، ولا مرحباً بمجتهدٍ يخالف دين اللَّه!
أيحسب الإنسان أن يترك سدى؟ أويحسب أن لن يقدر عليه أحد؟ [كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ، وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ، وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ، وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ]، [أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ].
 إذن فإن مالكاً رجل مسلم عاصر النبيَّ الأعظم، وأحسن صحبته واستعمله‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) على صدقات قومه، وقد عُدّ من أشراف الجاهلية والإسلام ومن أرداف الملوك، لقد قتله خالد بأمر من أبي بكر لثلاثة أسباب:
الأول: عدم مبايعته لأصحاب السقيفة.
الثاني: عدم دفعه الزكاة لأبي بكر.
الثالث: طمعاً بزوجته.
والسبب الثالث كان أمراً مشهوداً، فقُتل الرجل مظلوماً غيرةً ومحاماة على ناموسه، فهو شهيد لما في المتواتر: من قتل دون أهله فهو شهيد، وفي الصحيح: من قتل دون مظلمته فهو شهيد.
والعذر المفتعل من منع مالك الزكاة لا يُبرِّي خالداً من تلكم الجنايات، أيصدَّق جحد الرجل فرض الزكاة، ومكابرته عليها وهو مؤمن باللَّه وكتابه ورسوله ومصدِّقٌ بما جاء به نبيّه الأقدس، يقيم الصلاة ويأتي بالفرائض بأذانها وإقامتها، وينادي بأعلى صوته: نحن المسلمون، وقد استعمله النبيُّ الأعظم على الصدقات ردحاً من الزمن؟
لا هااللَّه. أيوجب الردَّة مجرّد امتناع الرجل المسلم الموحِّد المؤمن باللَّه وكتابه عن أداء الزكاة لهذا الإنسان بخصوصه وهو غير منكر أصل الفريضة؟ أوَيُحكم عليه بالقتل عندئذٍ؟ وقد صحّ عن المشرّع الأعظم قوله: لا يحلُّ دم رجل يشهد إن لا إله إلا اللَّه، وإني رسول اللَّه إلاَّ بإحدى ثلاثة: النفس بالنفس، والثيّب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة.
أيسلب امتناع الرجل المسلم عن أداء الزكاة حرمة الإسلام عن أهله وماله وذويه ويجعلهم أعدال اولئك الكفرة الفجرة الذين حقّ على النبي الطاهر شنُّ الغارة عليهم؟ ويحكم عليهم بالسبي والقتل الذريع وغارة ما يملكون، والنزو على تلكم الحرائر المأسورات؟.
لذا قال الجزري:
"وقد اختلف في ردته أي مالك وعمر يقول لخالد: قتلت امرأً مسلماً، وأبو قتادة يشهد أنهم أذّنوا وصلّوا، وأبو بكر يردُّ السبي ويعطي دية مالك من بيت المال، فهذا جميعه يدل على أنه مسلم.
ووصف متمم بن نويرة أخاه مالكاً فقال: كان يركب الفرس الحرون ويقود الجمل الثّفال وهو بين المزادتين النَّضوحتين في الليلة القرّة وعليه شملة فلوت، معتقلاً رمحاً خطّياً فيسري ليلته ثم يصبح وجهه ضاحكاً كأنه فلقة قمر رحمه اللَّه ورضي عنه".
لقد قُتل مالك ونُزي على زوجته وعلى الحرائر من قوم مالك بمرأى ومسمع أبي بكر ولم يبال بإلحاح عمر بن الخطاب على إقامة القصاص على خالد، أليس هذا انتهاكاً لحرمات اللَّه وتجروأً على اللَّه عزّ وجلّ؟!
لقد جنّد أبو بكر تلك الجنود لنكح النساء وفضّ ناموس الحرائر، وهو ينزّه ساحتهم بأعذار مفتعلة كالتأويل والاجتهاد، وكأنهما يبيحان قتل الأنفس وهتك الأعراض وسلب الأموال. إن اجتهاداً كهذا لا يُبقي على الإسلام شيئاً بل يعطي مبرراً للسفاكين لئن يسفكوا أكثر، فتنقلب الموازين، ويسود الظلم والعدوان بدلاً من شريعة العدل والأمن والأمان.
الطعن السابع:
تخلُّفه عن جيش أسامة، وقد لعن الرسولُ المتخلّف عنه، قال أصحابنا رضوان اللَّه عليهم: كان أبو بكر وعمر وعثمان من جيشه، وقد كرّر النبيُّ لما اشتد مرضه الأمر بتجهيز جيش أسامة ولعن المتخلّف عنه، فتأخروا عنه واشتغلوا بعقد البيعة في سقيفة بني ساعدة، وخالفوا أمره، وشملهم اللعن، ومن لعنه النبيُّ استحق الطرد من الرحمة الإلهية، ومن طُرد لا يصلح للخلافة.
واتفق عامة المؤرخين على أن النبيَّ أمر بتجهيز جيش أسامة وأن جماعة طعنوا في إمارته ولعن المتخلف عنه إلا أن العامة حرّفوا في كتابي الطبري وابن الأثير قوله‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): "لعن اللَّه من تخلّف عنه" إلى "لعن الذين يتخذون قبور أنبيائهم مساجد" وهاك أخي القارى‏ء نص هاتين العبارتين لتعلم صحة ما أقول.
قال ابن الأثير:
"ضرب النبيّ‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بعثاً إلى الشام وأميرهم أسامة بن زيد مولاه وأمره أن يوطى‏ء الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، فتكلم المنافقون في إمارته وقالوا: أمَّر غلاماً على جلّة المهاجرين والأنصار، فقال رسول اللَّه: إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبلُ، وإنه لخليق للإمارة، وكان أبوه خليقاً لها، وأُوعب مع أسامة المهاجرون الأوّلون، منهم: أبو بكر وعمر، بينما الناس على ذلك ابتدى‏ء برسول اللَّه مرضه".
ثم قال: "وأمر بإنفاذ جيش أسامة وقال: لعن اللَّه الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
وقال الطبري:
"كان النبيُّ قد ضرب بَعْث أسامة فلم يستتب لوجع رسول اللَّه ولخلع مسليمة والأسود وقد أكثر المنافقون في تأمير أسامة حتى بلغه، فخرج النبيُّ على الناس عاصباً رأسه من الصداع.... إلى أن قال: قد بلغني أن أقواماً يقولون في إمارة أسامة ولعمري لئن قالوا في إمارته لقد قالوا في إمارة أبيه من قبله وإن كان أبوه لخليقاً للإمارة وإنه لخليق لها فانفذوا بعث أسامة، لعن اللَّه الذين يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، فخرج أسامة فضرب بالجرف".
فخطاب رسول اللَّه إلى القوم المنافقين من أصحابه الذين لم يمتثلوا أمره بإحضار الدواة والكتف ليكتب لهم كتاباً بولاية أمير المؤمنين، فطعنوا بكلامه ونسبوه إلى الهجر، هو نفسه خطاب للذين تخلّفوا عن جيش أسامة.
لقد لعن رسول اللَّه بعض أصحابه المنافقين، لكنّ يد الدس حرّفت الحقيقة، فبدلاً من قوله‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): "لعن اللَّه من تخلّف عن جيش أسامة" وضعوا مكانها في أكثر مصادرهم تلك العبارة الممسوخة "لعن اللَّه الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
ووقوع العبارة الممسوخة بعد الأمر بإنفاذ جيش أسامة خلاف سياق حديث رسول اللَّه وتوبيخه لمن طعن في إمارة أسامة وأبيه زيد، فالذيل شي‏ء والصدر شي‏ء آخر، الشي‏ء الذي يستتبع الجزم بوقوع التحريف في مقاله‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، ولكنّ مشيئة اللَّه تعالى حالت دون جبروت المحرّفين فأبقت على عبارة اللعن في كتاب الملل والنحل للشهرستاني، قال عند ذكر الاختلافات الواقعة في مرض النبي، الخلاف الثاني أنه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) قال: جهّزوا جيش أسامة لعن اللَّه من تخلّف عن جيش أسامة، وقال قوم: يجب علينا امتثال أمره وأسامة قد برز من المدينة، وقال قوم: قد اشتد مرض النبيّ فلا تسع قلوبنا لمفارقته والحال هذه فنصبر حتى نبصر أي شي‏ء يكون من أمره" فعدم خروجهم مع أسامة وتخلّفهم عنه مما لا نزاع فيه أصلاً، وأما دعوى أن تخلُّفهم إنما كان لأجل محبتهم لرسول اللَّه فلم تسع قلوبهم مفارقته، هذه الدعوى مردودة لأن محبّة النبيّ تعني إطاعته فيما يأمر وينهى قال تعالى: [قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ] وهذا تماماً كعدم امتثالهم لأمره بإحضار الدواة والكتف، وهل أن عدم إحضارهم لما أمرهم به النبيُّ كان أيضاً محبة منهم له؟!!
فتخلُّفهم وعدم خروجهم يعتبر قدحاً في خلافتهم لكونهم مأمورين بالإنقياد لأُسامة، فما لم يمتثلوا لم يتم غرض الرسول في إنفاذ الجيش، فلم يكن لأبي بكر الحكم على أسامة، والخلافة رئاسة عامة تتضمن الحكم على الأمة كافة بالاتفاق فبطلت خلافة أبي بكر، وإذا بطلت خلافته ثبت بطلان خلافة عمر، لكونها بنص أبي بكر، وبطلت خلافة عثمان لابتنائها على الشورى بأمر عمر، هذا مضافاً إلى أن عدم الانقياد لأمره بعد تكريره الأمر إيذاء له‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وقد قال اللَّه عزّ وجلّ: [إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ] [وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ].
فتثاقلهم عن السير ثم تخلُّفهم عن الجيش أخيراً من أجل أن يحكموا قواعد سياستهم ويقيموا عمدها ترجيحاً منهم لذلك على التعبد بالنص حيث رأوه أولى بالمحافظة وأحق بالرعاية، إذ لا يفوت البعث بتثاقلهم عن السير ولا يتخلف من تخلّف منهم عن الجيش، فلو انصرفوا إلى الغزوة قبل وفاته‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) لانصرفت عنهم الخلافة لا محالة، لذا أراد النبي أن تخلو منهم المدينة فيصفو الأمر من بعده لأمير المؤمنين عليّ‏ بن أبي طالب على سكون وطمأنينة، فإذا رجعوا قد أبرم عهد الخلافة وأحكم للإمام عليّ‏ (عليه السَّلام) عقدها كانوا عن المنازعة والخلاف أبعد لكونهم فطنوا إلى كل ما دبّره النبي فطعنوا في تأمير أسامة وتثاقلوا عن السير معه، فلم يبرحوا من الجرف حتى لحق النبيُّ بربه، فهمّوا حينئذٍ بإلغاء البعث وحل اللواء تارة وبعزل أسامة أخرى، ثم تخلّف كثير منهم عن الجيش إيثاراً لرأيهم وترجيحاً لاجتهادهم على التعبد بنصوصه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم).
"وبقي أسامة يراسلهم خارج المدينة فلا يلتفتون إليه حتى إذا استوى لهم الأمر، فبعث أبو بكر إلى أسامة أن الناس نظروا في أمورهم فلم يجدوا غنى عني، وقد نظرت في أمري فلم أجد عن عمر غنى فخلّفه عندي وامضِ في الوجه الذي أمرك به الرسول بالمضي فيه، فكتب إليه أسامة: مَن الذي أذن لك في نفسك بالتخلّف عني حتى تطلب مني الإذن لغيرك إن كنت طائعاً للَّه ولرسوله فارجع معسكرك ومركزك الذي أقامك فيه رسول اللَّه، فلم يزالوا يدارونه ويعدونه ويمنونه إلى أن أجاب وقبل منه وتركهم".
شكّك بعض الصحابة بإمارة أسامة الفتى اليافع بحجة أنه صغير وهم مشايخ كبار، فالمشكلة ليست في صغر سنه وإنما أرادوا استلام السلطة والحكم بعد رحيل النبي، لذا لو كان ما يدّعون من صحبتهم لرسول اللَّه فلِمَ لم ينفذوا ما أمر به النبي، ولماذا لم يلتحقوا بالركب بعد وفاة النبي، من هنا ذكر المؤرخون تخلّفهم عن الالتحاق وتشكيكهم بقيادة أسامة، قال ابن الأثير:
"وقال مَنْ مع أسامة من الأنصار لعمر بن الخطاب إن أبا بكر خليفة رسول اللَّه فإن أبى إلاّ أنْ نمضي فأبلغه عنّا واطلب إليه أنْ يولّي أمرنا رجلاً أقدم سنّاً من أسامة.
فخرج عمر بأمر أسامة إلى أبي بكر فأخبره بما قالوا، وأن الأنصار تطلب رجلاً أقدم سناً من أُسامة، فوثب أبو بكر وكان جالساً، وأخذ بلحية عمر وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطّاب! استعمله رسول اللَّه وتأمرني أن أعزله؟
ثم خرج أبو بكر حتى أتاهم وأشخصهم وشيّعهم وهو ماشٍ وأسامة راكب... فلما أراد أن يرجع قال لأسامة: إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل، فأذن له".
من خلال عرض هذا المقطع نلاحظ شيئين:
الأول: إن الذي شكّك بأُسامة إنما هو عمر وأصحابه، من هنا أخذ بلحيته أبو بكر مستنكراً عليه بأن النبيّ أمّره وعمر يريد أن يعزله بحجة صغر سنه، تماماً كما فعل أبو عبيدة بن الجراح بالإمام عليّ‏ (عليه السَّلام) حينما قهروه على البيعة فقال للإمام‏ (عليه السَّلام): "يا بن عمّ إنك حديث السنّ وهؤلاء مشيخة قومك، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور..".
الثاني: طلب أبي بكر من أسامة استبقاء عمر بجانبه لحاجته إليه في السلطة، ما يقتضي الاعتقاد أن المسألة دبراها وعقدا فصولها بإحكام، وأجادا توزيع الأدوار لتحقيق ما أراداه.
لقد عصيا اللَّه ورسوله، ومن يعصِ اللَّه ورسوله له عذاب عظيم، قال تعالى:
[وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً] [النساء:14].
[وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً] [الأحزاب:36].
[وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً] [الجن:23].
[وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ] [الأحزاب:36].
ومَن يعصِ اللَّه ورسوله ويتعد حدوده ويقلب الموازين الشرعية والأخلاقية كيف يرضى به المسلمون خليفة وهم يرون بأعينهم ما فعلاه بنبيه الكريم وأهل بيته المطهرين؟!!
الطعن الثامن:
أنه لمّا حضرته الوفاة جعل ما كان اغتصبه وظلمه في الاستيلاء عليه لعمر من بعده، وطالب الناس بالبيعة والرضا به، كره بذلك من كره ورضي به من رضي، وقد أجمعوا في روايتهم أن الغالب من الناس يومئذٍ الكراهة، فلما أكثروا عليه في ذلك وخوّفوه من اللَّه، قال أباللَّه تخوفوني، إذا لقيته قلت له استخلفت فيهم خيراً، فقد تقلّد من الإثم ما جعله لعمر من بعده مثل الذي تقلده منه في حياته ولزمه وزر ما يجري في أيام عمر من تصييره ذلك إليه من غير أن ينقص عمر من ذلك شيئاً إذا ملكه ما لم يكن هو له.
قد يقال: إذا كانت خلافة أبي بكر أساساً لخلافة عمر وسبباً لدفع الإمام علي‏ (عليه السَّلام) عنها، فكيف كان عمر مع شدة حيلته ودهائه يقول على رؤوس الأشهاد "كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى اللَّه شرَّها"؟
والجواب:
إن حكاية الفلتة كانت بعد استقرار خلافة عمر، وتمكُّن رُعبه وغلظته وهيبته في القلوب، وقد دعاه إليها أنه سمع عمار بن ياسر يقول: لو قد مات عمر لبايعت عليّاً (عليه السَّلام)، وقد روى القصة عامة المؤرخين لا سيما البخاري والطبري وابن الأثير:
أن ابن عبّاس قال: كنتُ أُقرى‏ء عبد الرحمن بن عوف القرآن فحجّ عمر وحججنا معه، فقال لي عبد الرحمن: شهدتُ أمير المؤمنين اليوم بمنى، وقال له رجل: سمعت فلاناً يقول: لو مات عمر لبايعت فلاناً، فقال عمر: إني لقائم العشيّة في الناس أحذّرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغتصبوا الناس أمرهم، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين إن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم وهم الذين يغلبون على مجلسك، وأخاف أن تقول مقالةً لا يعوها ولا يحفظوها ويطيّروا بها، ولكن امهل حتى تقدم المدينة وتخلص بأصحاب رسول اللَّه فتقول ما قلتَ فيعوا مقالتك. فقال: واللَّه لأقومنّ بها أول مقام أقومه بالمدينة.
قال: فلما قدمت المدينة هجّرتُ يوم الجمعة لحديث عبد الرحمن، فلمّا جلس عمر على المنبر، حمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال بعد أن ذكر الرجم وما نسخ من القرآن فيه: إنه بلغني أن قائلاً منكم يقول: لو مات أمير المؤمنين بايعتُ فلاناً، فلا يغرّنّ امرءاً أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، فقد كانت كذلك، ولكنّ اللَّه وقى شرّها، وليس منكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، وإنه كان خيرنا حين توفي رسول اللَّه، وإن علياً والزبير ومَنْ معهما تخلّفوا عنا في بيت فاطمة، وتخلّفت عنا الأنصار واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر..".
الطعن التاسع:
أنَّه همّ بإحراق بيت سيّدة النساء فاطمة (عليها السَّلام) بإيحاء من عمر بن الخطاب، وقد كان فيه أمير المؤمنين وفاطمة مهجة المصطفى والحسنان‏ (عليهم السَّلام) وهدّدهم وآذاهم، مع أن رفعة شأنهم عند اللَّه تعالى وعند رسوله مما لا ينكره أحد إلا من أنكر ضوء الشمس ونور القمر، وسيأتي إن شاء اللَّه تفصيل ذلك في الصفحات التالية.
واعتداؤه على بيت الطهر وفيه مفاخر الإسلام عليّ وفاطمة والحسنان، مما أوجب ندم أبي بكر وهو على فراش الموت ولكن لا ينفع الندم وفي قلبه حقد على آل محمد فقال: "واللَّه ما آسى إلاّ على ثلاث فعلتهنّ، ليتني كنت تركتهنّ، وثلاث تركتهن ليتني فعلتهنّ، وثلاث ليتني سألت رسول اللَّه عنهنّ، فأما اللاتي فعلتهن وليتني لم أفعلهنّ، فليتني تركت بيت علي وإن كان أعلن عليّ الحرب، وليتني يوم سقيفة بني ساعدة كنت ضربت على يد أحد الرجلين أبي عبيدة أو عمر فكان هو الأمير وكنت أنا الوزير، وليتني حين أتيت بذي الفجاءة السلمي أسيراً أني قتلته ذبيحاً أو أطلقته نجيحاً ولم أكن أحرقته بالنار... وأما اللاتي كنت أود أني سألت رسول اللَّه عنهنّ فليتني سألته لمن هذا الأمر من بعده؟ فلا ينازعه فيه أحد، وليتني كنت سألته: هل للأنصار فيها من حق؟ وليتني كنت سألته عن ميراث بنت الأخ والعمة فإن في نفسي من ذلك شيئاً".
الطعن العاشر:
ظلمه لمولاتنا فاطمة (عليها السَّلام) واغتصابه فدكاً منها.
لقد ذكر عامة المؤرخين قصة فدك وأن أبا بكر سلبها من السيّدة المعظّمة الزهراء البتول‏ (عليها السَّلام) وجعل ذلك كله بزعمه صدقة للمسلمين.
فقد عاشت السيّدة المُطَهَّرة روحي فداها مأساة بعد مأساة مذ رحل أبوها رسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وكأنَّ القوم أرادوا أن يتشفوا من رسول اللَّه بإبنته مولاتنا فاطمة (عليها السَّلام)، والجانب المأساوي الذي عاشته روحي فداها ذو شقين:
الأول: الجانب النفسي.
الثاني: الجانب الحقوقي.
فالشق الأول: يتناول الاعتداء على جسدها الطاهر وروحها الزكية المطهّرة، سنتعرض له في البحوث القادمة فراجع.
وأما الشق الثاني: ويتناول الاعتداء على متعلقاتها وحقوقها المالية، أعني بذلك فدكاً، ومنعها حقها من الخمس، وهذا ما سنبحثه هنا لتسليط الضوء على منكرات القوم الذين افتروا على مقامات رسول اللَّه وآله الأطهار.
 

والسؤال الذي طالما يردده كثيرون مشفقون ومشكّكون : لماذا اغتصبوا من مولاتنا الزهراء فدكاً؟

والجواب:
1 استضعف الحلف الثنائي وزمرتهما أهلَ البيت، وأرادوا من عميد البيت الهاشمي الإمام عليٍّ (عليه السَّلام) البيعة لأبي بكر ولو قهراً، لما في بيعته من دعمٍ للخط القبلي المتمثل بأبي بكر وابن الخطّاب، ولكنّ الإمام‏ (عليه السَّلام) رفض البيعة، لأن مبايعته لهم تعني أنهم أصحاب الحق، وأنهم خلفاء رسول اللَّه، مما يستلزم إغراء المكلفين بالقبيح وقد نهى عنه اللَّه عزّ وجلّ، لذا حاول القوم الضغط على البيت الهاشمي الذي يتزعمه مولى الثّقلين الإمام عليّ‏ بن أبي طالب‏ (عليه السَّلام) من خلال تشديد الحصار عليهم إعلامياً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً تماماً كما فعل المشركون بالنبيّ من خلال حصارهم له وللمؤمنين بدعوته أمثال المجاهد العظيم أبي طالب‏ (عليه السَّلام)، فكانت مدة حصارهم للنبيّ في شِعَبِ أبي طالب ثلاث سنوات، وما أشبه اليوم بالأمس، وما أشبه السقيفة بيوم الحصار في أواسط البعثة النبوية الشريفة.
2 ليستعين القوم المغتصبون بمحاصيل فدك، حيث كانت تدر الأموال الطائلة، وهذا بدوره عامل قوي في دفع العجلة السياسية للحكّام آنذاك لبسط سلطتهم وهيمنتهم على بلاد المسلمين.
من هنا فإن القوم ضربوا حصاراً اقتصادياً يتمحور في الأمور التالية:
الأول: منع آل البيت من الخمس.
الثاني: اغتصاب فدك.
الثالث: منع آل البيت من سهم خيبر.
الرابع: تحجيم تحركات آل البيت مع قواعدهم الشعبية.
ولو سألنا أبا بكر الخليفة المزعوم لماذا أقدمت على هذا الإجراء التعسفي لكان جوابه: إني خليفة رسول اللَّه والحاكم الفعلي على هذه الأمة، مع دعواه أن النبيَّ لم يورّث أحداً من المسلمين.
وهنا نبحث في عدة نقاط:
النقطة الأولى: في ماهية فدك.
وفدك هذه بلدة بينها وبين المدينة يومان، وهي من القرى الثلاث التي صالحت النبيّ على أن يأخذ النصف من ثمارها وأموالها بشرط أن لا يقاتلهم، وقد أفاءها اللَّه على رسوله سنة سبع صلحاً، وذلك أنّ النبيّ لما نزل خيبر وفتح حصونها ولم يبق إلا ثلاثة، واشتد بهم الحصار، أرسلوا إلى رسول اللَّه يسألونه أن ينزلهم على الجلاء، وقد فعل، وبلغ ذلك أهل فدك، فأرسلوا إلى رسول اللَّه أن يصالحهم على النصف من ثمارهم وأموالهم فأجابهم إلى ذلك، فهي مما لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، فكانت خالصة لرسول اللَّه.
وهي على هذا الأساس ملك خاص بالرسول حباه اللَّه تعالى بها عند نزول قوله تعالى: [وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [الحشر:6].
[مَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ] [الحشر:7].
ومعنى "أفاء اللَّه" أي ردَّ ما كان للمشركين على رسوله بتمليك اللَّه إياه، ومعنى "منهم": أي من اليهود الذين أجلاهم الرسول بسيف أمير المؤمنين عليّ‏ (عليه السَّلام)، "فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب" أي ما استوليتم على تلك الأموال بخيولكم وإبلكم لأجل الاستيلاء عليها.
"ولكنّ اللَّه يسلّط رسله على من يشاء" أي يمكّن اللَّه رسله من عدوهم من غير قتال، بأن يقذف الرعب في قلوبهم، فجعل اللَّه أموال بني النضير وقريظة لرسوله خالصة يفعل بها ما يشاء، وليست من قبيل الغنائم التي توزع على المقاتلين.
ومعنى قوله تعالى في الآية الثانية: "وما أفاء اللَّه على رسوله من أهل القرى": أي من أموال كفار أهل القرى كيهود خيبر وغيرها، "فلله وللرسول" أي أنه عزّ وجلّ جعل تلك الأموال ملكاً لرسوله، "ولذي القربى" أي قرابة النبيّ وليس هناك أقرب من إبنته السيّدة فاطمة (عليها السَّلام)، "واليتامى والمساكين وابن السبيل" وهذه القرى حسبما ورد عن ابن عباس وعامة المفسّرين هي: فدك وخيبر وعرينة وينبع، جعلها اللَّه لرسوله يحكم فيها بما أراد، وأخبر أنها كلّها له، فقال أناس: فهلاّ قسّمها؟ فنزلت الآية [ما أفاء اللَّه على رسوله من أهل القرى...].
إذن هي خالصة لرسول اللَّه لا يشاركه فيها أحد، لكنه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أهداها لمولاتنا الزهراء (عليها السَّلام)، وهذا ما لا يريد مفسرو العامة أن يفهموه بل هم على استعداد أن يكذّبوا السيّدة الزهراء المطهّرة بنص الكتاب والتي قال عنها النبيُّ: "فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني ومن أسخطها فقد أسخطني" ويصدّقوا أبا بكر الذي لم يكن أهلاً لكي يبلّغ سورة براءة، بل هم مستعدون دائماً لكي يكذّبوا النبيَّ الذي قال بحق الإمام عليّ‏ (عليه السَّلام): "عليٌّ مع الحق والحق مع عليّ يدور معه حيثما دار" فهم دائماً على استعداد لتكذيب الإمام عليّ وتصديق عدوه، اللّهم احكم بيننا وبين قومنا وأنت خير الحاكمين، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
ويشهد لما قال الإمامية من أن فدكاً هي نحلة من رسول اللَّه لابنته السيّدة الزهراء (عليها السَّلام)، مضافاً لما قالته مولاتنا المعظَّمة التي يدور الحق معها حيثما دارت والتي هي سيّدة نساء أهل الجنة كما في الحديث المشهور بين الفريقين، ما ورد في تفسير قوله تعالى: [وآتِ ذي القربى حقه] من أن النبيَّ أعطى الصدّيقة فاطمة فدكاً، والروايات في مصادر الإمامية فوق التواتر منها:
ما رواه العيّاشي عن ابان بن تغلب قال: قلت لأبي عبدفاللَّه‏ (عليه السَّلام): كان رسول اللَّه أعطى فاطمة فدكاً؟
قال: كان وقفها، فأنزل اللَّه: [وآتِ ذا القربى حقه] فأعطاها رسول اللَّه حقّها، قلت: رسول اللَّه أعطاها؟
قال: بل اللَّه أعطاها.
وعن عبد الرحمن عن أبي عبد اللَّه‏ (عليه السَّلام) قال: لمّا أنزل اللَّه فآتِ ذا القربى حقه والمسكين قال رسول اللَّه: يا جبرائيل قد عرفت المسكين، فمن ذوي القربى؟ قال: هم أقاربك، فدعى حسناً وحسيناً وفاطمة، فقال: إن ربي أمرني أن أعطيكم مما أفاء عليَّ، قال: أعطيتكم فدك.
وعن جميل بن درّاج عن أبي عبد اللَّه‏ (عليه السَّلام) قال: أتت فاطمة أبا بكر تريد فدكاً، قال: هاتي أسود أو أحمر يشهد بذلك، قال: فأتت بأم أيمن، فقال لها: بم تشهدين؟ قالت: أشهد أن جبرائيل أتى محمّداً فقال: إن اللَّه يقول: فآتِ ذا القربى حقه فلم يدر محمّد من هم؟ فقال: يا جبرائيل سل ربك من هم؟ فقال: فاطمة ذو القربى فأعطاها فدكاً، فزعموا أن عمر محى الصحيفة وقد كان كتبها أبو بكر.
وقد صرّح ثلة من علماء العامة بذلك منهم:
1_ ما أورده الحسكاني من عدة طرق إلى عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزل قوله تعالى: وآتِ ذا القربى حقّه أعطى رسول اللَّه فاطمة (عليها السَّلام) فدكاً.
ومن طريق آخر بإسناده إلى أبي سعيد الخدري قال:
لمّا نزلت هذه الآية [وآت ذا القربى حقه] دعا النبي‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) فاطمة (عليها السَّلام) وأعطاها فدكاً.
ومن طريق آخر أيضاً بإسناده إلى أبي سعيد الخدري قال:
لمّا نزلت على رسول اللَّه [وآت ذا القربى حقه] دعا فاطمة (عليها السَّلام) فأعطاها فدكاً والعوالي، وقال: هذا قسم قسمه اللَّه لك ولعقبك.
2_ ما أورده الخوارزمي بإسناده إلى شيرويه الديلمي يرفعه إلى عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال:
لمّا نزلت آية [وآت ذا القربى حقّه] دعا رسول اللَّه فاطمة (عليها السَّلام) فأعطاها فدكاً.
3_ ما أورده صاحب كنز العمال، بإسناده إلى أبي سعيد الخدري، قال:
لما نزلت [وآت ذا القربى حقه] قال النبي‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): يا فاطمة لك فدك. ثم قال صاحب الكنز: وأخرجه الحاكم في تاريخه وابن النّجار. وكذا أخرج مثله في منتخب كنز العمال المطبوع بهامش مسند أحمد بن حنبل ج1/228.
4_ وأخرج السيوطي عن البزّار، وأبي يعلى، وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري، قال:
لمّا نزلت هذه الآية [وآتِ ذا القربى حقّه] دعا رسول اللَّه فاطمة (عليها السَّلام) فأعطاها فدكاً.
وأخرج عن ابن مردويه، عن ابن عبّاس، قال: لما نزلت [وآت ذا القربى حقّه] أقطع رسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) فاطمة فدكاً.
وأهل القربى هم أولى الناس برسول اللَّه، وهل هناك أولى من السيّدة الزهراء بأبيها رسول اللَّه محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)؟
لذا أخرج السيوطي عن ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس في قوله تعالى [وآت ذا القربى حقّه] قال: هو أن تصل ذا القرابة، وتطعم المسكين، وتحسن إلى ابن السبيل.
وأخرج أيضاً عن ابن جرير عن الإمام علي بن الحسين‏ (عليه السَّلام) أنه قال لرجل من أهل الشام: أقرأت القرآن؟
قال: نعم، قال: أفما قرأت في بني إسرائيل [وآتِ ذا القربى حقه] قال: وإنكم للقرابة الذي(*) أمر اللَّه أن يؤتى حقه؟ قال: نعم.
وأخرج بسند آخر عن السدي في الآية، قال:
كان ناس من بني عبد المطلب يأتون النبيَّ فيسألونه، فإذا صادفوا عنده شيئاً أعطاهم، وإن لم يصادفوا عنده شيئاً سكت لم يقل لهم نعم ولا: لا، والقربى قربى بني عبد المطلب.
5_ وأخرج الآلوسي عن البزّار وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري وذكر عين ما تقدم عن الدر المنثور.
6_ وقال الحافظ أبو الفداء الدمشقي: قال الحافظ أبو بكر البزار يرفعه إلى أبي سعيد أنه قال:
لمّا نزلت الآية وذكر عين ما ذكره السيوطي في الدر المنثور. ثم قال بعد إيراده للحديث ما لفظه:
وهذا الحديث مشكل لو صح إسناده، لأن الآية مكية وفدك إنما فتحت مع خيبر سنة سبع من الهجرة فكيف يلتئم هذا مع هذا؟ فهو إذاً حديث منكر، والأشبه أنه من وضع الرافضة واللَّه أعلم.
 

يرِدُ عليه:
1_ الآية تأمر الرسول‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بوجوب إعطاء ذي القربى حقّه، وهو عليه الصلاة والسلام لم يكن يملك ما يمكن إعطاؤه لذي القربى في مكة سوى بعض المال من الصدقات بحيث لم يألوا جهداً في إنفاقه على الفقراء والمساكين آنذاك، فالآية ليست بصدد الانفاق المستحب وإنما الواجب هو إعطاء الحقوق المتوجبة عليه لبعض ذوي القربى، وهذا لا ينطبق إلاّ على بعض الحقوق كفدك التي كانت بمثابة عوضٍ عن مهر الصدّيقة الطاهرة خديجة الكبرى‏ (عليها السَّلام) كما أشارت بذلك بعض النصوص.
ففدك مما أفاءها اللَّه عزّ وجلّ على رسوله لقوله تعالى: [مَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ].
2_ أنّ السورة مكيّة لكن بعض آياتها ومنه آية القربى مدنية وهذا حاصل في كثير من السور المكية والمدنية حيث يتضمنهما بعض الآيات المعاكسة لهم بحسب مورد النزول، ومما يؤكد استثناءها ما جاء في مجمع البيان للشيخ الطبرسي عليه الرحمة قال: سورة بني إسرائيل (الإسراء) مكيّة كلها إلا خمس آيات.. وعدّ منها [وآتِ ذا القربى حقّه]، رواه عن الحسن، وزاد ابن عباس ثلاث أُخر وقيل مكية إلاّ ثمان آيات... عن قتادة والمعدّل عن ابن عباس.
ومما يؤكد كون الآية مدنية ما جاء في تفسير روح المعاني للآلوسي قال: سورة الإسراء مكية على قول الجمهور، وقيل إلاّ خمس آيات وعدّ منها الآية وآتِ ذا القربى حقّه.
ولكنه في موضع آخر من كتابه رفض كون فدك من المستثنيات بناء على أن السورة كلها مكية، وفدك لم تكن إذ ذاك تحت تصرف النبيّ، بل إن مطالبة الصدّيقة الزهراء بفدك بعنوان أنها إرث لا نحلة. وعلى كلٍ فإنه وافق على كون أرض فدك هي من ميراث رسول اللَّه لإبنته الصدّيقة الطاهرة.
وكذا صرّح الزمخشري في الكشاف فقال: سورة الإسراء مكية إلاّ الآيات 26 و32 و33 و57 ومن آية 73 إلى غاية آية 80 فمدنية.
6_ بالإسناد عن أبي سعيد قال: لما نزلت آية [وآتِ ذا القربى] دعا رسول اللَّه فاطمة فأعطاها فدكاً. ثم قال: ورواه الطبراني.
7_ ما أورده الرازي في تفسير قوله تعالى: [وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ].
قال: ومعنى الآية، أن الصحابة طلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يقسّم الفي‏ء بينهم كما قسّم الغنيمة بينهم، فذكر اللَّه الفرق بين الأمرين، وهو أن الغنيمة ما أتعبتم أنفسكم في تحصيلها وأوجفتم عليها الخيل والركاب، بخلاف الفي‏ء فإنكم ما تحملتم في تحصيله تعباً، فكان الأمر فيه مفوضاً إلى الرسول يضعه حيث يشاء.
إن أهل فدك انجلوا عنه فصارت تلك القرى والأموال في يد الرسول من غير حرب، فكان عليه الصلاة والسلام يأخذ من غلة فدك نفقته ونفقة من يعوله، ويجعل الباقي في السلاح والكراع، فلما مات ادعت فاطمة (عليها السَّلام) أنه كان ينحلها فدكاً، فقال أبو بكر: أنت أعز الناس عليّ فقراً، وأحبهم إليّ غنى، لكني لا أعرف صحة قولك ولا يجوز أن أحكم بذلك، فشهد لها أم أيمن ومولى للرسول، فطلب منها أبو بكر الشاهد الذي يجوز قبول شهادته في الشرع فلم يكن، فأجرى أبو بكر ذلك ما كان يجريه الرسول..
تنبيه:
انظر أخي القارى‏ء كيف يحطّون من درجة الصّديقة الطاهرة فينعتونها بالكذب حيث وبنظر المشكّك الكبير الرازي أن السيّدة المطهَّرة (عليها السَّلام) ادعت أن فدكاً نحلة من أبيها، لذا لم يقبل دعواها سيده أبو بكر حيث أسموه بالصدّيق وقد ارتكب الجرائر بحق المؤمنين لا سيّما أمير المؤمنين وزوجه الزهراء وشيعتهما الميامين، ونسي الرازي ما ذكره أصحابه من المفسرين والمؤرخين لا سيّما البخاري في الصحيح في كتاب بدء الخلق، في باب مناقب قرابة رسول اللَّه باب 11 منقبة فاطمة بنت النبيّ وباب 30 مناقب فاطمة رضي اللَّه عنها.
روى بسنده عن المسور بن مخرمة أن رسول اللَّه قال: فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني. وذكره المتقي في كنز العمال ج6ر220 وقال: أخرجه ابن أبي شيبة.
وذكره المناوي أيضاً في فيض القدير ج4ر421 وقال:
استدل به السهيلي على أن من سبَّها كفر لأنه يغضبه وإنها أفضل من الشيخين. ورواه النسائي أيضاً في خصائصه ص35.
ملاحظة:
ونؤكد كلام السهيلي بأنه إذا كان سبُّ الزهراء سبباً للكفر فإن تكذيبها سبب أيضاً للكفر، بل إنّ التكذيب من أبرز مصاديق الكفر والمروق من الدين.
وورد عن النبيّ‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أنه قال: إنما هي فاطمة بضعة مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها.
ورواه مسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة (عليها السَّلام) وصحيح الترمذي ج2ر319، ومستدرك الصحيحين ج3ر158 وكنز العمال ج6ر219 وج8ر315 وخصائص النسائي ص36 والصواعق المحرقة لابن حجر ص107 والإمامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري، فصل بيعة عليّ‏ بن أبي طالب.
كما روى المؤرخون الحديث المتواتر عنه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) قال: إن اللَّه يغضب لغضبك ويرضى لرضاك.
من العجيب أن نرى الرازي وأمثاله يعتقدون بهذه الأحاديث ويروونها في كتبهم، ثم في نفس الوقت يقدّمون أقوال أبي بكر عليها، بل يكذبونها من أجل عيون الخليفة المزعوم، كل ذلك من أجل صحبته لرسول اللَّه، وكأن الإمام علياً وزوجه الزهراء لم يكن لهما علاقة برسول اللَّه!!
وقد روى العامة بفضل الإمام عليّ مئات الأحاديث الدالة على علو شأنه، منها ما ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال:
1 عن معاذ مرفوعاً إلى النبيّ محمد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) قال:
"يا عليّ، أنا أخصمك بالنبوة، ولا نبوة بعدي، وأنت تخصم الناس بسبع: أنت أوّلهم إيماناً، وأوفاهم بعهد، وأقومهم بأمر اللَّه، وأقسمهم بالسوية، وأعدلهم، وأبصرهم بالقضاء، وأعظمهم عند اللَّه مزية يوم القيامة".
ملاحظة:

لم يقل النبيُّ عن أبي بكر أنه أبصر الصحابة بالقضاء، بل حصر هذا بأمير المؤمنين عليّ‏ بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام، فإذا ثبت القضاء لأمير المؤمنين فأي حجة للرازي وأمثاله حينما أثبتوا الحق لأبي بكر دون السيّدة المعظَّمة فاطمة (عليها السَّلام)، وهل قال النبيّ لأبي بكر أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وأنا من عليّ، وعليٌّ مني، وأنت بضعة مني ويسخطني ما يسخطك، ويؤذيني ما يؤذيك؟؟!
2 وعن حكيم بن جبير، عن جُميع بن عمير، عن ابن عمر: أن رسول اللَّه قال لعليّ: أنت أخي في الدنيا والآخرة.
3 عن الشعبي مرفوعاً إلى النبي قال: يا عليّ أنت وشيعتك في الجنّة. ثم عقّب الذهبي فقال: ذكره ابن الجوزي في الموضوعات.
أقول: إذا كان الحديث من الموضوعات بنظر الناصبي ابن الجوزي لكنّ الحديث له شواهد صحيحة بطرق متعددة رواها أجلّة القوم كالسيوطي في الدر المنثور في ذيل تفسير قوله تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ] في سورة البيّنة، قال: وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبدفاللَّه قال: كنا عند النبيّ‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) فأقبل على عليّ‏ (عليه السَّلام) فقال: والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة. ونزلت الآية المتقدمة، فكان أصحاب النبيّ إذا أقبل عليٌّ قالوا: جاء خير البرية.
 وأخرج ابن عدي عن ابن عبّاس قال: لمّا نزلت [إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية] قال رسول اللَّه لعليّ:
"هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين".
 وأخرج ابن مردويه عن الإمام عليّ‏ (عليه السَّلام) قال:
قال لي رسول اللَّه: ألم تسمع قول اللَّه: )إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية( أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جئت الأمم للحساب تدعون غرّاً محجلين.
 وروى الهيثمي بإسناده إلى عبد اللَّه بن أبي قال:
إن الإمام عليّاً (عليه السَّلام) أتي يوم البصرة بذهب وفضة فقال: ابيضي واصفري غري غيري، غري أهل الشام غداً إذا ظهروا عليك، فشق قوله ذلك على الناس فذكر ذلك له فأذّن في الناس فدخلوا عليه فقال: إن خليلي‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) قال:
يا عليّ إنك ستقدم على اللَّه وشيعتك راضين مرضيين ويقدم عليه عدوك غضاباً مقمحين، ثم جمع يده إلى عنقه يريهم الإقماح، قال أي الهيثمي رواه الطبراني في الأوسط.
وأخرج الديلمي عن النبيّ‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) قال:
يا عليّ إنَّ اللَّه قد غفر لك ولذريتك وولدك ولأهلك ولشيعتك ولمحبي شيعتك، فأبشر فإنك الأنزع البطين.
4 عن ابن عباس مرفوعاً إلى النبيّ‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) قال: عليٌّ عيبةُ علمي.
5 وعن أنس أن النبيّ‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) قال لعليّ: أنت تبيّن لأمتي ما اختلفوا فيه من بعدي.
6 عن جابر مرفوعاً إلى النبيّ قال:
يا عليّ، لو أن أمتي أبغضوك لأكبَّهم اللَّه على مناخرهم في النار.
7 وبالسند المتقدِّم عن النبيّ قال:
يا عليّ، ادْنُ مني، خمسك في خمس، يا عليّ خلقت أنا وأنت من شجرة، أنا أصلها وأنت فرعها، والحسن والحسين أغصانها، من تعلّق بغصنٍ منها أدخله اللَّه الجنّة.
عود على بدء:
فخلاصة الأمر فإنّ فدكاً كانت خالصة لرسول اللَّه لكونها مما لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، وعلى هذا اتفاق عامة المؤرخين والمفسرين واللغويين، ثم أعطاها النبيُّ لبضعته الزهراء (عليها السَّلام) عوضاً عن مهر أمها خديجة كما أشارت بعض النصوص.
والمهر في التشريع الإسلامي يكون في ذمة الرجل في حالة عدم دفعه بعد وفاة الزوجة، ولا بدّ من إعطائه للورثة الذين هم أبناء الزوجة، لذا كانت مولاتنا فاطمة الوريث الوحيد لأمها الطاهرة خديجة في مهرها، فأعطاها فدكاً مقابل ذلك، من هنا جاء في رواية أبي مريم قال: سمعت الإمام جعفر (عليه السَّلام) يقول: لما نزلت الآية [وآتِ ذا القربى حقّه] أعطى رسول اللَّه فاطمة فدكاً، فقال ابان‏ بن تغلب: رسول اللَّه أعطاها؟ فغضب الإمام جعفر ثم قال: اللَّه أعطاها.
وفي صحيحة ابان قال: قلت لأبي عبدفاللَّه‏ (عليه السَّلام): أكان رسول اللَّه أعطى فاطمة فدكاً؟
قال‏ (عليه السَّلام): كان لها من اللَّه.
فاللَّه تعالى أمر النبيَّ أن يعطي فدكاً للسيّدة الزهراء (عليها السَّلام) فهي حق واجب عوضاً عن مهر أمها، ولم تكن من الصدقات المستحبة حتى يتصدق بها النبيُّ على ابنته فاطمة، ولو كانت من الصدقات لثبت ما ادعاه أبو بكر عليها بحديث اختلقه على النبيّ "إنا معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة"، وحاشاها أن تدّعي ما ليس لها، فما تقوله السيدة الزهراء هو الحق وما دونها هو الباطل.
النقطة الثانية: الأدلة على أن فدكاً للسيّدة الصدّيقة الزهراء (عليها السَّلام).
يُستدل على ذلك بوجوه ثلاثة:
الوجه الأول:
أن يد السيّدة المطهّرة فاطمة (عليها السَّلام) كانت عليها، أي كانت متصرفة في فدك ولها عليها وكلاء في حياة رسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وما رويناه من النصوص المتقدمة قرينة أخرى على صحة هذا الوجه.
وعلى هذا الأساس فلا يجوز انتزاع فدك من يدها إلاّ بدليل وبيّنة كما هو الحال في كل قضية تنازع عليها طرفان، كل هذا إذا كان المدّعي إنساناً عادياً، أما لو كان المدّعي فوق المستوى العادي كالسيّدة الزهراء صلوات اللَّه عليها فكيف يطلب الخليفة المزعوم منها البيّنة مع تصديق الكتاب العزيز لها، فإذا كانت شهادة حذيفة بمثابة شاهدين تقبل دعواه في كل الشؤون والقضايا والمنازعات التي يشترط فيها شاهدان، فأولى للزهراء أنْ تقبل شهادتها لكونها المطهّرة بنص آية التطهير ولأنها بضعة أبيها، وأن اللَّه يسخط لسخطها ويرضى لرضاها.
ومع هذا فإن من كانت يده على شي‏ء لا يُطلب منه البيّنة، لكنّ أبا بكر طلبها من الصدّيقة الزهراء (عليها السَّلام) مع أنها ذات يد، فيكون قد ردَّ كلام النبيّ "البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر".
وليس على السيّدة المطهّرة أن تقيم البيّنة لأنها ذات يد، لأن اليد إمارة الملكية.
الوجه الثاني:
أنَّها عليها السلام كانت تملك فدكاً بالنحلة والعطية والهبة من أبيها رسول اللَّه، والنصوص على ذلك كثيرة جداً تفوق حد التواتر.
الوجه الثالث:
أنها عليها السلام كانت تملك فدكاً بالإرث من أبيها، ولكنَّ الحلف الثنائي خالف هذه الوجوه، فقد طالبوها بالبيّنة، ثم بالشهود على النحلة، ثم أنكروا وراثتها من أبيها.
ويحق لمولاتنا فاطمة (عليها السَّلام) أن تطالب بحقها بكلّ وجه من هذه الوجوه الثلاثة، ولهذا طالبت بفدك عن طريق النحلة أولاً، ثم عن طريق الإرث ثانياً، وقد صرّح بذلك أعلام القوم أمثال:
1 الحلبي في سيرته قال:
إنّ فاطمة أتت أبا بكر بعد وفاة رسول اللَّه وقالت: إنّ فدكاً نحلة أبي، أعطانيها حال حياته، وأنكر عليها أبو بكر وقال: أريد بذلك شهوداً فشهد لها الإمام عليّ، فطلب شاهداً آخر فشهدت لها أم أيمن، فقال لها: أبرجل وامرأة تستحقينها؟.
2 وروى البخاري عن عروة بن الزُّبير قال: إن عائشة أخبرته: أنّ فاطمة (عليها السَّلام) ابنة رسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) سألت أبا بكر بعد وفاة رسول اللَّه أن يُقسّم لها ميراثها، مما ترك رسول اللَّه مما أفاء اللَّه عليه. فقال لها أبو بكر: إن رسول اللَّه قال: لا نورّث ما تركناه صدقة، فغضبت فاطمة بنت رسول اللَّه فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفّيت، وعاشت بعد رسول اللَّه ستة أشهر.
قالت: وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول اللَّه من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك، وقال: لست تاركاً شيئاً كان رسول اللَّه يعملُ به إلا عملتُ به.. فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى عليّ وعبّاس، فأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر وقال: هما صدقة رسول اللَّه كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه، وأمرهما إلى ولي الأمر، قال: فهما على ذلك إلى اليوم.
ملاحظة:

أما قول عمر "وأمرهما إلى ولي الأمر" فيه دلالة واضحة إلى أن اغتصابهما لقرى خيبر وفدك إنما كان لتدعيم سلطانهما ولم يكن من أجل توزيع ريعها على فقراء المسلمين مع أن التوزيع لو صح فهو حرام لكونه تصرفاً بأموال الغير من دون استئذان.
وعن عروة بن الزبير أيضاً عن عائشة قالت:
إنّ فاطمة (عليه السَّلام) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبيّ فيما أفاء اللَّه على رسوله تطلب صدقة النبيّ التي بالمدينة وفدك، وما بقي من خُمس خيبر.
فقال أبو بكر: إن رسول اللَّه قال: لا نورّث ما تركناه فهو صدقة، إنما يأكل آل محمّد من هذا المال يعني مال اللَّه ليس لهم أن يزيدوا على المأكل.
أقول: لم يُعهد من سيرة النبيّ أنه ترك مالاً حتى يكون صدقة لفقراء المسلمين بل لم يعهد منه أنه كان يكنز الأموال لغده، فكيف تنسب هذه الأحاديث إليه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) جمع الأموال وتكديسها فقام أبو بكر ليوزّعها على فقراء المسلمين أو يدخرها لولي الأمر حسبما قال عمر بالحديث المتقدم؟!!
وعن عائشة أيضاً:
إن فاطمة (عليها السَّلام) والعبّاس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما أرضَهُ من فدك وسهمه من خيبر فقال أبو بكر: سمعت النبيّ يقول: لا نورّثُ ما تركناه صدقةٌ إنما يأكل آل محمّد في هذا المال.
3 روى ابن أبي الحديد عن أبي صالح عن أمّ هانى‏ء: أن فاطمة قالت لأبي بكر: من يرثك إذا متّ؟
قال: ولدي وأهلي، قالت: فما لك ترث رسول اللَّه دوننا؟
قال: يا ابنة رسول اللَّه، ما ورّث أبوك داراً ولا مالاً ولا ذهباً ولا فضة، قالت: بلى سهم اللَّه الذي جعله لنا، وصار فيئنا الذي بيدك.
أقول: كيف يدّعي أن النبيّ لم يورّث مالاً ولا داراً، وقد ورث هو عن النبيّ خيبر وفدك، وورثت عائشة ابنته سهم غيرها من حجرات النبيّ؟!!
فالاضطراب حاصل في كلام أبي بكر، فمرةً يقول: إن النبيّ قال لا نورّث ما تركناه صدقة، ومرةً يقول إن النبيّ لم يترك شيئاً ليورّثه، فإذا لم يورّث فكيف ورثت عائشة منه وسمحت له بأن يُدفن بجانب رسول اللَّه؟!
وروي أيضاً عن أبي الطفيل قال: أرسلت فاطمة إلى أبي بكر: أنت ورثتَ رسول اللَّه أم أهله؟ قال: بل أهلُه، قالت: فما بال سهم رسول اللَّه؟ قال: إني سمعت رسول اللَّه يقول: إن اللَّه أطعم نبيه طعمة، ثم قبضه، وجعله للذي يقوم بعده، فوليت أنا بعده على أن أردّه على المسلمين، قالت: أنت وما سمعتَ من رسول اللَّه أعلم.
أقول: إن في الحديث إشارة إلى افتراء أبي بكر على رسول اللَّه بحديثه المطعون فيه "لا نورّث" حيث اعترف هنا بأن النبيّ موروث يرثه أهلُه، وهو خلاف قوله "لا نورث".
4 ما رواه أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي سلمة:
إن فاطمة (عليها السَّلام) قالت لأبي بكر: من يرثك إذا متّ؟
قال: ولدي وأهلي، قالت: فما لنا لا نرث النبيّ؟.
5 ما رواه الطبري بإسناده عن عروة، عن عائشة: إنّ فاطمة (عليها السَّلام) والعبّاس أتيا أبا بكر يطلبان ميراثهما من رسول اللَّه وهما حينئذٍ يطلبان أرضه في فدك، وسهمه من خيبر، فقال لهما أبو بكر: سمعت النبيَّ يقول: لا نورّث ما تركناه فهو صدقة، إنما يأكل آل محمّد من هذا المال... قال: فهجرته فاطمة، فلم تكلّمه في ذلك حتى ماتت، فدفنها عليّ‏ (عليه السَّلام) ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر.
أما أعلام الإمامية فقد رووا أحاديث كثيرة بلغت التواتر، مفادها مطالبة السيّدة الزهراء (عليها السَّلام) للخليفة المزعوم أبي بكر بفدك وغيرها عن طريق الإرث، نذكر بعضاً منها:
1 ما رواه الشيخ الجليل أبو العباس عبد اللَّه بن جعفر الحميري عن حنّان‏ بن سدير قال: سأل صدقة بن مسلم أبا عبدفاللَّه‏ (عليه السَّلام) وأنا عنده، فقال: من الشاهد على فاطمة بأنّها لا ترث أباها؟
فقال: شهدت عليها عائشة وحفصة ورجل من العرب يقال له "أوس‏ بن الحدثان" من بني النضير، شهدوا عند أبي بكر بأنّ رسول اللَّه قال: لا أُورث فمنعوا فاطمة ميراثها من أبيها.
2 ما رواه الشيخ المفيد، عن عبد اللَّه بن سنان، عن أبي عبدفاللَّه‏ (عليه السَّلام) قال: لمّا قبض رسول اللَّه وجلس أبو بكر مجلسه، بعث إلى وكيل فاطمة صلوات اللَّه عليها فأخرجه من فدك.
فأتته فاطمة (عليها السَّلام) فقالت: يا أبا بكر! ادعيت أنك خليفة أبي، وجلست مجلسه، وأنت بعثت وكيلي فأخرجته من فدك، وقد تعلم أن رسول اللَّه صدّق بها عليّ، وأن لي بذلك شهوداً.
فقال: إن النبيَّ لا يورِّث!!
فرجعت إلى الإمام عليّ‏ (عليه السَّلام) فأخبرته، فقال: ارجعي إليه وقولي له: زعمت أن النبيَّ لا يورّث [وورث سليمانُ داود][ وورث يحيى زكريا]، وكيف لا أرث أنا أبي؟!
فقال عمر: أنت معلّمة! قالت: وإن كنت معلّمة، فإنما علّمني ابن عمي وبعلي.
قال أبو بكر: فإن عائشة تشهد وعمر أنّهما سمعا رسول اللَّه وهو يقول: إن النبيّ لا يورّث.
فقالت: هذه أول شهادة زور شهدا بها، وإنّ لي بذلك شهوداً بها في الإسلام، ثم قالت: فإنّ فدكاً إنما هي صدّق بها عليّ رسول اللَّه ولي بذلك بيّنة فقال لها: هلمي ببيّنتك قال: فجاءت بأم أيمن والإمام عليّ‏ (عليه السَّلام)، فقال أبو بكر: يا أم أيمن سمعت من رسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) يقول في فاطمة؟
فقالت: سمعت رسول اللَّه يقول: إن فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة. ثم قالت: أم أيمن: فمن كانت سيّدة نساء أهل الجنة تدّعي ما ليس لها؟! وأنا امرأة من أهل الجنة ما كنتُ لأشهد إلاّ بما سمعت من رسول اللَّه. فقال عمر: دعينا يا أم أيمن من هذه القصص، بأي شي‏ء تشهدان؟
فقالت: كنت جالسة في بيت فاطمة (عليها السَّلام) ورسول اللَّه جالس حتى نزل عليه جبرائيل فقال: يا محمّد قم فإن اللَّه تبارك وتعالى أمرني أن أخطَّ لك فدكاً بجناحي، فقام رسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) مع جبرائل‏ (عليه السَّلام) فما لبث أن رجع، فقالت فاطمة (عليها السَّلام): يا أبة! أين ذهبت؟ فقال: خطّ جبرائيل‏ (عليه السَّلام) لي فدكاً بجناحه، وحدّ لي حدودها.
فقالت: يا أبة! إني أخاف العيلة والحاجة من بعدك، فصدّق بها عليّ. فقال: هي صدقة عليك، فقبضتها، قالت: نعم.
فقال رسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم):
يا أم أيمن! اشهدي، ويا عليّ اشهد.
فقال عمر: أنتِ امرأة ولا نجيز شهادة امرأة وحدها، وأمّا عليّ فيجرّ إلى نفسه.
قال: فقامت مغضبة، وقالت: اللهم إنهما ظلما ابنة [محمّد] نبيّك حقها فاشدد وطأتك عليهما. ثم خرجت وحملها عليٌّ على أتان عليه كساء له خمل، فدار بها أربعين صباحاً في بيوت المهاجرين والأنصار والحسن والحسين‏ (عليه السَّلام) معها وهي تقول: يا معشر المهاجرين والأنصار! انصروا اللَّه فإني إبنة نبيكم، وقد بايعتم رسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) يوم بايعتموه أن تمنعوه وذرّيته ممّا تمنعون منه أنفسكم وذراريكم، فَفُوا لرسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ببيعتكم.
قال: فما أعانها أحد، ولا أجابها، ولا نصرها.
قال: فانتهت إلى معاذ بن جبل، فقالت: يا معاذ بن جبل! إنّي قد جئتك مستنصرة، وقد بايعت رسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) على أن تنصره وذرّيته وتمنع مما تمنع منه نفسك وذرّيّتك، وإنّ أبا بكر قد غصبني على فدك وأخرج وكيلي منها.
قال: فمعي غيري؟ قالت: لا، ما أجابني أحد.
قال: فأين أبلغ أنا من نصرتك؟
قال: فخرجت من عنده ودخل ابنه، فقال: ما جاء بإبنة محمّد إليك؟ قال: جاءت تطلب نصرتي على أبي بكر، فإنّه أخذ منها فدكاً.
قال: فما أجبتها به؟ قال: قلت: وما يبلغ من نصرتي أنا وحدي. قال: فأبيت أن تنصرها؟ قال: نعم.
قال: فأي شي‏ء قالت لك؟ قال: قالت لي: واللَّه لأُنازعنّك الفصيح من رأسي حتى أرد على رسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، قال: فقال: أنا واللَّه لأُنازعنّك الفصيح من رأسي حتى أردّ على رسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) إذ لم تجب ابنة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم).
قال: وخرجت فاطمة (عليها السَّلام) من عنده وهي تقول:
واللَّه لا أكلمك كلمة حتى أجتمع أنا وأنت عند رسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، ثم انصرفت. فقال عليّ‏ (عليه السَّلام) لها: إئتي أبا بكر وحده فإنّه أرقّ من الآخر، وقولي له:
ادّعيتَ مجلس أبي وأنك خليفته وجلست مجلسه، ولو كانت فدك لك ثمّ استوهبتها منك لوجب ردّها عليّ. فلما أتته وقالت له ذلك قال: صدقتِ.
قال فدعا بكتاب، فكتبه لها بردّ فدك، فقال: فخرجت والكتاب معها، فلقيها عمر، فقال: يا بنت محمّد! ما هذا الكتاب الذي معك؟ فقالت: كتاب كتب لي أبو بكر بردّ فدك.
فقال: هلميه إليّ، فأبت أن تدفعه إليه، فرفسها برجله وكانت حاملة بابن اسمه: المحسن فأسقطت المحسن من بطنها، ثم لطمها، فكأني أنظر إلى قرط في أذنها حين نُقِفَ.
ثم أخذ الكتاب فخرقه.
فمضت ومكثت خمسة وسبعين يوماً مريضة ممّا ضربها عمر، ثم قُبضت، فلما حضرتها الوفاة دعت عليّاً صلوات اللَّه عليه، فقالت:
إمّا تضمن وإلاّ أوصيت إلى ابن الزبير. فقال علي‏ (عليه السَّلام): أنا أضمن وصيّتك يا بنت محمد. قالت: سألتك بحقّ رسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) إذا أنا متّ ألاّ يشهداني، ولا يصلّيا عليّ، قال: فلك ذلك.
فلما قُبضت‏ (عليها السَّلام)، دفنها ليلاً في بيتها، وأصبح أهل المدينة يريدون حضور جنازتها، وأبو بكر وعمر كذلك، فخرج إليهما عليّ‏ (عليه السَّلام) فقالا له: ما فعلت بابنة محمّد؟! أخذت في جهازها يا أبا الحسن؟ فقال عليّ‏ (عليه السَّلام):
قد واللَّه دفنتها. قالا: فما حملك على أن دفنتها ولم تعلمنا بموتها؟ قال: هي أمرتني. فقال عمر:
واللَّه لقد هممت بنبشها والصلاة عليها فقال عليّ‏ (عليه السَّلام):
أما واللَّه ما دام قلبي بين جوانحي وذو الفقار في يدي، إنك لا تصل إلى نبشها، فأنت أعلم. فقال أبو بكر: اذهب فإنّه أحقُّ بها منّا، وانصرف الناس.
3 روى الطبرسي عن حمّاد بن عثمان عن أبي عبدفاللَّه‏ (عليه السَّلام) قال: لمّا بويع أبو بكر، واستقام له الأمر على المهاجرين والأنصار، بعث إلى فدك من أخرج وكيل "السيّدة" فاطمة (عليها السَّلام) بنت رسول اللَّه منها، فجاءت فاطمة الزهراء (عليها السَّلام) إلى أبي بكر، ثم قالت: لِمَ تمنعني ميراثي من أبي رسول اللَّه وأخرجت وكيلي من فدك، وقد جعلها لي رسول اللَّه بأمر من اللَّه؟
فقال: هاتي على ذلك بشهود! فجاءت بأُم أيمن، فقالت له أم أيمن: لا أشهد يا أبا بكر حتى أحتجّ عليك بما قال رسول اللَّه، أنشدك باللَّه ألست تعلم أن رسول اللَّه قال:
أم أيمن امرأة من أهل الجنّة؟ فقال: بلى، قالت: فاشهد أن اللَّه عزّ وجلّ أوحى إلى رسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) )وآتِ ذا القربى حقّه( فجعل فدكاً لها طعمة بأمر اللَّه.
فجاء الإمام علي‏ (عليه السَّلام) فشهد بمثل ذلك، فكتب لها كتاباً ودفعه إليها، فدخل عمر، فقال: ما هذا الكتاب؟ فقال: إن فاطمة (عليها السَّلام) ادّعت في فدك وشهدت لها أم أيمن وعليّ‏ (عليه السَّلام)، فكتبته لها.
فأخذ عمر الكتاب من فاطمة، فتفل فيه ومزّقه!!
فخرجت فاطمة (عليها السَّلام) تبكي، فلمّا كان بعد ذلك جاء عليّ‏ (عليه السَّلام) إلى أبي بكر وهو في المسجد، وحوله المهاجرون والأنصار فقال:
يا أبا بكر لِمَ منعت فاطمة ميراثها من رسول اللَّه وقد ملكته في حياة رسول اللَّه؟!
فقال أبو بكر: هذا في‏ء للمسلمين، فإن أقامت شهوداً أن رسول اللَّه جعلها لها وإلاّ فلا حق لها فيه.
فقال أمير المؤمنين‏ (عليه السَّلام):
يا أبا بكر تحكم فينا بخلاف حكم اللَّه في المسلمين؟ قال: لا.
قال: فإن كان في يد المسلمين شي‏ء يملكونه، ثم ادّعيت أنا فيه من تسأل البيّنة؟ قال: إياك أسأل البيّنة.
قال: فما بال فاطمة سألتها البيّنة على ما في يديها، وقد ملكته في حياة رسول اللَّه وبعده، ولم تسأل المسلمين بيّنة على ما ادّعوه شهوداً، كما سألتني على ما ادّعيت عليهم؟!
فسكت أبو بكر، فقال عمر: يا عليّ دعنا من كلامك، فإنّا لا نقوى على حجتك، فإن أتيت بشهود عدول، وإلاّ فهو في‏ء للمسلمين لا حق لك ولا لفاطمة فيه.
فقال أمير المؤمنين‏ (عليه السَّلام): يا أبا بكر تقرأ كتاب اللَّه؟ قال: نعم، قال: أخبرني عن قول اللَّه عزّ وجل: )إنما يريد اللَّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً( فيمن نزلت؟ فينا أم في غيرنا؟ قال: بل فيكم، قال: فلو أن شهوداً شهدوا على فاطمة بنت رسول اللَّه بفاحشة ما كنت صانعاً بها؟
قال: كنت أقيم عليها الحدّ، كما أُقيمه على نساء المسلمين.
قال: إذن كنت عند اللَّه من الكافرين، قال: ولِمَ؟ قال: لأنك رددت شهادة اللَّه لها بالطهارة، وقبلت شهادة الناس عليها،كما رددت حكم اللَّه وحكم رسوله، إذ جعل لها فدكاً قد قبضته في حياته، ثم قبلت شهادة أعرابي بائل على عقبيه عليها، وأخذت منها فدكاً، وزعمت أنه في‏ء للمسلمين، وقد قال رسول اللَّه "البيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه" فرددت قول رسول اللَّه "البيّنة على من ادعى، واليمين على من ادعى عليه".
قال: فدمدم الناس وأنكروا، ونظر بعضهم إلى بعض، وقالوا: صدق واللَّه عليّ‏ بن أبي طالب‏ (عليه السَّلام) ورجع إلى منزله.
قال: ثم دخلت فاطمة المسجد، وطافت بقبر أبيها، وهي تقول:

 

        فقد كان بعدك أنباء وهنبثة                   لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
       فإنّا فقدناك فَقْــــدَ الأرض وابلهــــا          واختلّ قومك فاشهدهم ولا تغب
            فقد كان جبريل بالآيــــات يــؤنسنـا         فغاب عنّا فكل الخير محتجـــــــــب
          فوكنت بــــدراً ونــــــوراًيستضاء به       عليك ينزل من ذي العزّة الكتــــب
           فتجهمتنا رجال واستخــــفّ بنـــــا           إذ غبت عنّا فنحن اليوم نغتصـــب
          ففسوف نبكيك ما عشنا وما بقيت            منّا العيون بتهمال لهــــــا سكــــب


قال: فرجع أبو بكر وعمر إلى منزلها، وبعث أبو بكر إلى عمر فدعاه، ثم قال له: أما رأيت مجلس عليّ منّا في هذا اليوم؟ واللَّه لئن قعد مقعداً آخر مثله ليفسدنّ علينا أمرنا، فما الرأي؟ فقال عمر: الرأي أن تأمر بقتله، قال: فمن يقتله، قال: خالد بن الوليد.
فبعثوا إلى خالد، فأتاهما، فقالا: نريد أن نحملك على أمر عظيم، قال: احملاني على ما شئتما، ولو على قتل عليّ‏ بن أبي طالب!!
قالا: فهو ذلك، قال خالد: متى أقتله؟
قال أبو بكر: احضر المسجد، وقم بجنبه في الصلاة، فإذا سلّمت فقم إليه واضرب عنقه!! قال: نعم.
فسمعت أسماء بنت عميس، وكانت تحت أبي بكر، فقالت لجاريتها: اذهبي إلى منزل عليّ وفاطمة (عليه السَّلام) واقرأيهما السلام وقولي لعليّ: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين، فجاءت، فقال أمير المؤمنين‏ (عليه السَّلام): إنَّ اللَّه يحول بينهم وبين ما يريدون. ثم قام وتهيأ للصلاة، وحضر المسجد، وصلّى خلف أبي بكر، وخالد بن الوليد يصلّي بجنبه ومعه سيفه.
فلما جلس أبو بكر في التشهّد، ندم على ما قال، وخاف الفتنة، وعرف شدة عليّ وبأسه، فلم يزل متفكّراً لا يجسر أن يسلّم حتى ظنّ الناس أنه قد سها، ثم التفت إلى خالد، فقال: يا خالد لا تفعلنّ ما أمرتك!! والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته!!
فقال أمير المؤمنين‏ (عليه السَّلام): يا خالد ما الذي أمرك به؟ فقال: أمرني بضرب عنقك.
قال: أوكنت فاعلاً؟ قال: أي واللَّه، لولا أنّه قال لي لا تقتله قبل التسليم، لقتلتك!!
قال: فأخذه عليّ‏ (عليه السَّلام) فجلد به الأرض، فاجتمع الناس عليه، فقال عمر: يقتله وربّ الكعبة. فقال الناس: يا أبا الحسن! اللَّه اللَّه، بحق صاحب القبر.
فخلّى عنه، ثم التفت إلى عمر، فأخذ بتلابيبه وقال: يا بن صهّاك! واللَّه لولا عهد من رسول اللَّه، وكتاب من اللَّه سبق، لعلمت أينا أضعف ناصراً وأقلّ عدداً. ودخل منزله.
وفي رواية أخرى عن المفضّل بن عمر قال:
قال مولاي الإمام جعفر الصادق‏ (عليه السَّلام): لما ولي أبو بكر ابن أبي قحافة، قال له عمر: إنّ الناس عبيد هذه الدنيا لا يريدون غيرها، فامنع عن عليّ وأهل بيته الخمس والفي‏ء وفدكاً، فإن شيعته إذا علموا ذلك تركوا عليّاً وأقبلوا إليك رغبة في الدنيا وإيثاراً ومحاماة عليها، ففعل أبو بكر ذلك وصرف عنهم جميع ذلك، فلمّا قام أبو بكر بن أبي قحافة نادى مناديه:
من كان له عند رسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) دينٌ أو عدّة فليأتني حتى أقضيه، وأنجز لجابر بن عبدفاللَّه ولجرير بن عبدفاللَّه البجلي.
قال الإمام عليّ‏ (عليه السَّلام) للصديقة الطاهرة فاطمة (عليها السَّلام) صيري إلى أبي بكر وذكريه فدكاً، فصارت السيّدة فاطمة (عليها السَّلام) إليه وذكرت له فدكاً مع الخمس والفي‏ء، فقال: هاتي بيّنة يا بنت رسول اللَّه، فقالت: أما فدك فإن اللَّه عزّ وجل أنزل على نبيه قرآناً يأمر فيه أن يؤتيني وولدي حقي، قال اللَّه تعالى:[فآتِ ذا القربى حقّه]  فكنت أنا وولدي أقرب الخلائق إلى رسول اللَّه فنحلني وولدي فدكاً، فلما تلا عليه جبرائيل‏ (عليه السَّلام) المسكين وابن السبيل، قال رسول اللَّه: ما حق المسكين وابن السبيل؟ فأنزل اللَّه تعالى:
[وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ].
فقسّم الخمس على خمسة أقسام فقال عزّ وجلّ:[مَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء] فما للَّه فهو لرسوله، وما لرسول اللَّه فهو لذي القربى، ونحن ذو القربى، قال اللَّه تعالى: [قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى].
فنظر أبو بكر إلى عمر بن الخطّاب، وقال: ما تقول؟
قال عمر: ومن اليتامى والمساكين وأبناء السبيل؟
فقالت السيّدة فاطمة (عليها السَّلام): اليتامى الذين يأتمون باللَّه وبرسوله، وبذي القربى والمساكين الذين أُسكنوا معهم في الدنيا والآخرة، وابن السبيل الذي يسلك مسلكهم، قال عمر: فإذاً الخمس والفي‏ء كله لكم ولمواليكم وأشياعكم؟
فقالت الصدّيقة المطهّرة عليها السلام:
أما فدك فأوجبها اللَّه لي ولولدي دون موالينا وشيعتنا، وأمّا الخمس فقسّمه اللَّه لنا ولموالينا وأشياعنا كما يقرأ في كتاب اللَّه، قال عمر: فما لسائر المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان؟
قالت مولاتنا فاطمة (عليها السَّلام):
إن كانوا موالينا ومن أشياعنا فلهم الصدقات التي قسّمها اللَّه وأوجبها في كتابه، فقال عزّ وجلّ: [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ...].
قال عمر: فدك لك خاصة، والفي‏ء لكم ولأوليائكم، ما أحسب أصحاب محمّد يرضون بهذا!
قالت‏ (عليها السَّلام): فإن اللَّه عزّ وجلّ رضي بذلك ورسوله رضي به، وقسّم على الموالاة والمتابعة لا على المعاداة والمخالفة، ومن عادانا فقد عادى اللَّه، ومن خالفنا فقد خالف اللَّه، ومن خالف اللَّه فقد استوجب من اللَّه العذاب الأليم والعقاب الشديد في الدنيا والآخرة، فقال عمر: هاتي بيّنة يا بنت محمّد على ما تدّعين؟ فقالت السيّدة المطهَّرة (عليها السَّلام): قد صدّقتم جابر بن عبدفاللَّه وجرير بن عبدفاللَّه ولم تسألوهما البيّنة، وبيّنتي في كتاب اللَّه، فقال عمر: إن جابراً وجريراً ذكرا أمراً هيناً، وأنت تدّعين أمراً عظيماً يقع به الرّدة من المهاجرين والأنصار.
فقالت‏ (عليها السَّلام): إن المهاجرين برسول اللَّه هاجروا إلى دينه، والأنصار بالإيمان باللَّه وبرسوله وبذي القربى أحسنوا فلا هجرة إلاّ إلينا، ولا نصرة إلاّ لنا، ولا اتّباع بإحسان إلاّ بنا، ومن ارتدّ عنا فإلى الجاهلية.
فقال لها عمر: دعينا من أباطيلك، واحضرينا من شهد لك بما تقولين، فبعثت إلى الإمام عليّ والحسن والحسين وأم أيمن وأسماء بنت عميس وكانت تحت أبي بكر ابن أبي قحافة، فأقبلوا إلى أبي بكر وشهدوا لها بجميع ما قالت وادّعته، فقال عمر: أمّا عليّ فزوجها، وأما الحسن والحسين فإبناها، وأما أم أيمن فمولاتها، وأما أسماء بنت عميس فقد كانت تحت جعفر بن أبي طالب فهي تشهد لبني هاشم، وقد كانت تخدم فاطمة (عليها السَّلام)، وكل هؤلاء يجرّون إلى أنفسهم.
فقال الإمام عليّ‏ (عليه السَّلام): وأما فاطمة (عليها السَّلام) فبضعة من رسول اللَّه، ومن آذاها فقد آذى رسول اللَّه، ومن كذّبها فقد كذّب رسول اللَّه، وأما الحسن والحسين فإبنا رسول اللَّه وسيدا شباب أهل الجنَّة من كذّبهما فقد كذّب رسول اللَّه إذ كان أهل الجنّة صادقين.
وأما أنا فقد قال رسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): أنت مني وأنا منك، وأنت أخي في الدنيا والآخرة والرادُّ عليك هو الرادُّ عليّ من أطاعك فقد أطاعني، ومن عصاك فقد عصاني.
وأما أم أيمن فقد شهد لها رسول اللَّه بالجنّة، ودعا لأسماء بنت عميس وذريتها، فقال عمر: أنتم كما وصفتم به أنفسكم، ولكنّ شهادة الجار إلى نفسه لا تُقبل.
فقال الإمام عليّ‏ (عليه السَّلام): إذا كُنّا نحن كما تعرفون ولا تنكرون، وشهادتنا لأنفسنا لا تقبل، وشهادة رسول اللَّه لا تقبل، فإنّا للَّه وإنا إليه راجعون، إذا ادّعينا لأنفسنا تسألنا البيّنة، فما من معين يعين، وقد وثبتم على سلطان اللَّه وسلطان رسوله فأخرجتموه من بيته إلى بيت غيره من غير بيّنة ولا حجّة [وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ] ثم قال للسيّدة فاطمة (عليها السَّلام): انصرفي حتى يحكم اللَّه بيننا وهو خير الحاكمين.
قال المفضل: قال مولاي جعفر (عليه السَّلام):
كل ظلامة حدثت في الإسلام أو تحدث، وكل دم مسفوك حرام ومنكر مشهور وأمر غير محمود فوزره في أعناقهما وأعناق من شايعهما أو تابعهما ورضي بولايتهما إلى يوم القيامة.
ولمّا رأت سيّدة النساء فاطمة (عليها السَّلام) أن القوم أبطلوا شهودها الذين شهدوا لها بالنحلة ولم تنجح مساعيها، جاءت تطالب بحقها عن طريق الإرث، واتخذت التدابير اللازمة لتقوم بأكبر حملة دعائية واسعة النطاق، وهي تعلم أن أهل السلطة يومذاك لا يخضعون للدليل الواضح والبرهان القاطع، وصدق الشاعر حين قال:
وآية السيف تمحو آية القلم.
وعلى كل حال، فإنّ احتجاج السيّدة الزهراء (عليها السَّلام) لا من أجل استلام قطعة أرض، كيف؟ وهي الزاهدة بحطام الدنيا، وهي التي كانت توزّع ما يأتيها من خراج فدك على فقراء المسلمين وأيتامهم، وهي التي آثرتْ اليتيم والمسكين والفقير على نفسها وهي صائمة حتى نزل فيها قرآنٌ يتلوه المسلمون آناء ليلهم وأطراف نهارهم، وإنّما كان همها وهدفها من المطالبة الاعتراف بحقوق آل البيت لأن أبا بكر لو اعترف للزهراء (عليها السَّلام) بفدك، فإنه سيجر إلى الاعتراف بأنه غاصب للخلافة.
فلو أعطاها اليوم فدكاً بمجرد دعواها لجاءت إليه غداً وطالبته بالخلافة، وزحزحته عن مقامه، ولم يكن يمكنه الاعتذار والموافقة بشي‏ء، لأنه يكون قد سجّل على نفسه أنها صادقة فيما تدّعي كائناً ما كان من غير حاجة إلى بيّنة ولا شهود.
هذا مضافاً إلى أنّ منعهما السيّدة الزّهراء (عليها السَّلام) من فدك ليس [إلاّ أنْ لا يتقوّى الإمام عليّ‏ (عليه السَّلام) بحاصلها وغلّتها على المنازعة في الخلافة، ولهذا اتبعا ذلك بمنع سيدة النساء (عليها السَّلام) وزوجها أمير المؤمنين وسائر بني هاشم وبني المطلب حقّهم في الخمس، "فإن الفقير الذي لا مال له تضعف همته ويتصاغر عند نفسه، ويكون مشغولاً بالاحتراس والاكتساب عن طلب الملك والرياسة، فانظر إلى ما قد وقر في صدور هؤلاء، وهو داء لا دواء له، وما أكثر ما تزول الأخلاق والشِّيم، فأما العقائد الراسخة فلا سبيل إلى زوالها].
هذا مضافاً إلى أنّ سيّدة النساء أرادت أنْ تسجّل اعتراضاً على الظالمين حتى لا يكون السكون سبةً إلى يوم القيامة، مع تسجيل مظلوميتها في سجل التاريخ وكشف الغطاء عن نوايا القوم وأفعالهم، من هذا المنطلق ذهبت سيدة النساء وبضعة أبيها إلى المسجد النبوي لتأكد الحجة، فخطبت تلك الخطبة القاصعة التي قصمت ظهور القوم إلى يوم القيامة.
وها نتشرف بعرضها على القارى‏ء الكريم ليرى بلاغة مولاتنا الزهراء روحي فداها ومدى مظلوميتها لدى بعض الصحابة الذين اتخذوا من الصحبة غطاءاً يمررون مشاريعهم من خلاله.
وهذه الخطبة العصماء التي ارتجلتها العالمة غير المعلّمة في حشد من المهاجرين والأنصار بعد أن ضرب بينها وبينهم ملاءة، فكان وقعها أشدّ من الحسام المهند على نفوس السامعين إلاّ نفر ضئيل لا يفقه شيئاً قد غلّف الرين قلبه، فغدا حجراً صلداً بل أشد، وسأوردها بأسانيدها المعتبرة.
فقد روى ابن أبي الحديد نقلاً عن كتاب "السقيفة وفدك" لأبي بكر الجوهري بأربعة طرق:
أ_ قال أبو بكر: حدثني محمّد بن زكريا، قال: حدثني جعفر بن محمّد بن عُمارة الكندي قال؛ حدثني أبي، عن الحسين‏ بن صالح‏ بن حيّ، قال: حدثني رجلان من بني هاشم، عن زينب بنت عليّ‏ بن أبي طالب‏ (عليه السَّلام).
ب_ قال: وقال؛ حدّثني جعفر بن محمّد بن عليّ‏ بن الحسين عن أبيه.
ج_ قال أبو بكر: وحدثني عثمان بن عمران العجيفي، عن نائل‏ بن نجيح‏ بن عمير بن شمر، عن جابر الجُعفي، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ‏ (عليه السَّلام)ف.
د_ قال أبو بكر: وحدّثني أحمد بن محمّد بن يزيد عن عبدفاللَّه‏ بن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن عبدفاللَّه‏ بن حسن‏ بن الحسن، قالوا جميعاً:
لمّا بلغ فاطمة (عليها السَّلام) إجماع أبي بكر على منعها فدك، لاثت خمارها، وأقبلت في لُمّةٍ من حفدتها ونساء قومها..
وروى الخطبة السيّد المرتضى علم الهدى (رحمه اللَّه) في كتاب الشافي بأسانيد متعددة:
أ_ عن أبي عبد اللَّه محمّد بن عمران المرزباني، عن محمد بن أحمد الكاتب، عن أحمد بن عبيدفاللَّه النحوي، عن الزيادي، عن الشرقي‏ بن القطامي، عن محمّد بن إسحاق، عن صالح‏ بن كيسان، عن عروة، عن عائشة.
ب_ عن المرزباني قال: وحدّثني أحمد بن محمّد المكي، قال: حدثنا أبو العيناء محمّد بن القاسم السيمامي، قال: حدثنا ابن عائشة قال: لما قُبض رسول اللَّه أقبلت السيّدة فاطمة (عليها السَّلام) في لمّة من حفدتها إلى أبي بكر.
ج_ وعن المرزباني أيضاً، قال: حدّثني عليّ بن هارون، قال: أخبرني عبدفاللَّه‏ بن أحمد بن أبي طاهر عن أبيه قال: ذكرت لأبي الحسين زيد بن عليّ‏ بن الحسين‏ بن عليّ‏ بن أبي طالب‏ (عليه السَّلام) كلام الصدّيقة فاطمة (عليها السَّلام) عند منع أبي بكر إياها فدك، وقلت له: إن هؤلاء يزعمون أنه مصنوع وأنه كلام أبي العيناء، لأن الكلام منسوق البلاغة، فقال لي: رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم، ويعلّمونه أولادهم، وقد حدّثني به أبي عن جدّي يبلغ به فاطمة (عليها السَّلام) على هذه الحكاية، ورواه مشايخ الشيعة وتدارسوه بينهم قبل أن يولد جدّ أبي العيناء، وقد حدّث الحسين‏ بن علوان، عن عطية العوفي، أنه سمع عبدفاللَّه‏ بن الحسن‏ بن الحسن يذكر عن أبيه هذا الكلام.
ورواها أي الخطبة أيضاً الشيخ الصدوق في العلل بأسانيد متعددة عن:
أ_ ابن المتوكل عن السعدآبادي، عن البرقي، عن إسماعيل‏ بن مهران، عن أحمد بن محمّد بن جابر عن زينب بنت عليّ‏ (عليه السَّلام).
ب_ عن علي بن حاتم، عن محمّد بن أسلم، عن عبد الجليل الباقطاني، عن الحسن‏ بن موسى الخشّاب، عن عبدفاللَّه‏ بن محمّد العلوي، عن رجال من أهل بيته، عن زينب بنت عليّ‏ (عليه السَّلام) عن الصدّيقة فاطمة (عليها السَّلام).
ج_ عن علي بن حاتم، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن عمارة، عن محمد بن إبراهيم المصري، عن هارون‏ بن يحيى، عن عبيد اللَّه‏ بن موسى العبسي، عن حفص الأحمر، عن زيد بن علي، عن عمته زينب بنت عليّ عن السيّدة فاطمة (عليها السَّلام).
وكذا رواها بنفس السند المتقدم الشيخ المفيد في الأمالي، وكذا السيّد ابن طاووس في كتاب الطرائف بسند آخر.
كما رواها الشيخ أحمد بن عليّ بن أبي طالب الطبرسي في الاحتجاج وأرسلها إرسال المسلمات كما هي عادته في الكتاب، ونحن هنا نوردها بتمام ألفاظها.
عن عبد اللَّه بن الحسن المثنى بن الإمام الحسن‏ بن عليّ‏ بن أبي طالب‏ (عليه السَّلام): أنه لمّا أجمع أبو بكر وعمر على منع فاطمة (عليها السَّلام) فدكاً وبلغها ذلك، لاثت خمارها على رأسها، واشتملت بجلبابها، وأقبلت في لمّة من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم، فنيطت دونها ملاءة، فجلست ثم أنّتْ أنّةً أجهش القوم لها بالبكاء، فارتجّ المجلس، ثم أمهلت هنيئة حتى إذا سكن نشيج القوم، وهدأت فورتهم، افتتحت الكلام بحمد اللَّه والثناء عليه، والصلاة على رسول اللَّه، فعاد القوم في بكائهم، فلمّا أمسكوا عادت في كلامها فقالت:
الحمد للَّه على ما أنعم، وله الشكر على ما ألهم، والثناء بما قدّم، من عموم نِعَم ابتداها، وسبوغ آلاءٍ أسداها، وتمام مننٍ والاها، جمّ عن الإحصاء عددها، ونأى عن الجزاء أمدها، وتفاوت عن الإدراك أبدها، وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتّصالها، واستحمد إلى الخلائق بإجزالها، وثنى بالندب إلى أمثالها.
وأشهد أن لا إله إلاّ اللَّه وحده لا شريك له، كلمة جعل الإخلاص تأويلها، وضمن القلوب موصولها، وأنار في الفكر معقولها، الممتنع من الأبصار رؤيته، ومن الألسن صفته، ومن الأوهام كيفيّته، ابتدع الأشياء لا من شي‏ء كان قبلها، وأنشأها بلا احتذاء أمثلةٍ امتثلها، كوّنها بقدرته، وذرأها بمشيئته، من غير حاجةٍ منه إلى تكوينها، ولا فائدة له في تصويرها، إلاّ تثبيتاً لحكمته، وتنبيهاً على طاعته، وإظهاراً لقدرته، وتعبّداً لبريّته، وإعزازاً لدعوته، ثم جعل الثواب على طاعته، ووضع العقاب على معصيته، زيادة لعباده عن نقمته، وحياشة لهم إلى جنّته.
وأشهد أن أبي محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) عبده ورسوله، اختاره وانتجبه قبل أن أرسله، وسمّاه قبل أن اجتباه، واصطفاه قبل أن ابتعثه، إذ الخلائق بالغيب مكنونة، وبستر الأهاويل مصونة، وبنهاية العدم مقرونة، علماً من اللَّه تعالى بمآيل الأمور، وإحاطة بحوادث الدهور، ومعرفة بمواقع المقدور، ابتعثه اللَّه تعالى إتماماً لأمره، وعزيمةً على إمضاء حكمه، وإنفاذاً لمقادير حتمه، فرأى الأمم فرقاً في أديانها، عكّفاً على نيرانها، عابدة لأوثانها، منكرة للَّه مع عرفانها، فأنار اللَّه بمحمد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ظلمها، وكشف عن القلوب بهمها، وجلى عن الأبصار غممها، وقام في الناس بالهداية، وأنقذهم من الغواية، وبصّرهم من العماية، وهداهم إلى الدين القويم، ودعاهم إلى الطريق المستقيم، ثم قبضه اللَّه إليه قبض رأفة واختيار ورغبة وإيثار، فبمحمد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) عن تعب هذه الدار في راحة، قد حفّ بالملائكة الأبرار، ورضوان الربّ الغفّار، ومجاورة الملك الجبّار، صلّى اللَّه على أبي نبيّه وأمينه على الوحي، وصفيّه وخيرته من الخلق، ورضيّه، والسلام عليه ورحمة اللَّه وبركاته. ثم التفتت إلى أهل المجلس وقالت:
أنتم عباد اللَّه نصب أمره ونهيه، وحملة دينه ووحيه، وأمناء اللَّه على أنفسكم وبلغاؤه إلى الأمم، زعيم حق له فيكم وعهد قدّمه إليكم، وبقية استخلفها عليكم: كتاب اللَّه الناطق، والقرآن الصادق، والنور الساطع، والضياء اللامع، بيّنة بصائره، منكشفة سرائره، منجلية ظواهره، مغتبط به أشياعه، قائداً إلى الرضوان اتباعه، مؤدّ إلى النجاة استماعه، به تنال حجج اللَّه المنوّرة، وعزائمه المفسّرة، ومحارمه المحذّرة، وبيّناته الجالية، وبراهينه الكافية، وفضائله المندوبة، ورخصه الموهوبة، وشرائعه المكتوبة.
فجعل اللَّه الإيمان تطهيرا لكم من الشرك، والصلاة تنزيها لكم عن الكبر، والزكاة تزكية للنفس ونماءا في الرزق، والصيام تثبيتا للإخلاص، والحج تشييدا للدين، والعدل تنسيقا للقلوب، وطاعتنا نظاما للملة، وإمامتنا أمانا من الفرقة، والجهاد عزّا للإسلام، والصبر معونة على استيجاب الأجر، والأمر بالمعروف مصلحة للعامة، وبرّ الوالدين وقاية من السخط، وصلة الأرحام [منساة في العمر و..] منماة للعدد، والقصاص حقنا للدماء، والوفاء بالنذر تعريضا للمغفرة، وتوفية المكاييل والموازين تغييرا للبخس، والنهي عن شرب الخمر تنزيها عن الرجس، واجتناب القذف حجابا عن اللعنة، وترك السرقة إيجابا للعفّة، وحرّم اللَّه الشرك إخلاصا له بالربوبية. [اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُسْلِمُونَ] وأطيعوا اللَّه فيما أمركم به ونهاكم عنه، فإنه [إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء].
ثم قالت: أيها الناس اعلموا أني فاطمة وأبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أقول عوداً وبدءاً ولا أقول ما أقول غلطاً ولا أفعل ما أفعل شططاً [لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ].
فإن تعزوه وتعرفوه تجدوه أبي دون نسائكم وأخا ابن عمي دون رجالكم، ولنعم المعزّى إليه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فبلّغ الرسالة، صادعاً بالنذارة، مائلاً عن مدرجة المشركين، ضارباً ثبجهم، آخذاً بأكظامهم، داعياً إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، يكسّر الأصنام، وينكث الهام، حتى انهزم الجمع وولّوا الدبر، حتى تفرّى الليل عن صبحه، وأسفر الحقُّ عن محضه، ونطق زعيم الدين، وخرست شقاشق الشياطين، وطاح وشيظ النفاق، وانحلت عقد الكفر والشقاق، وفهتم بكلمة الإخلاص في نفر من البيض الخماص، وكنتم على شفا حفرة من النار، مذقة الشارب ونهزة الطامع، وقبسة العجلان، وموطى‏ء الأقدام، تشربون الطرق وتقتاتون القدّ، أذلَّة خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بعد اللتيا والّتي، وبعد أن مني ببهم الرجال، وذؤبان العرب، ومردة أهل الكتاب [كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً للْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ]، أو نَجَمَ قرن للشيطان وفغرت فاغرة من المشركين، قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفى‏ء حتى يطأ صماخها بأخمصه، ويخمد لهبها بسيفه، مكدود في ذات اللَّه، مجتهداً في أمر اللَّه، قريباً من رسول اللَّه، سيّد أولياء اللَّه، مشمّراً ناصحاً، مجدّاً كادحاً، وأنتم في رفاهية من العيش، وادعون فاكهون آمنون، تتربصون بنا الدوائر، وتتوكفون الأخبار، وتنكصون عند النزال، وتفرّون عند القتال.
فلما اختار اللَّه لنبيّه دار أنبيائه، ومأوى أصفيائه، ظهر فيكم حسيكة النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الأقلين، وهدر فينق المبطلين، فخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفا بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللغرّة فيه ملاحظين، ثم استنهضكم فوجدكم خفافا، وأحمشكم فألفاكم غضابا، فوسمتم غير إبلكم، وأوردتم غير شربكم، هذا والعهد قريب، والكلم رحيب، والجرح لمّا يندمل، والرسول لمّا يقبر، ابتدارا زعمتم خوف الفتنة [أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ].
فهيهات منكم! وكيف بكم؟! وأنى تؤفكون، وكتاب اللَّه بين أظهركم؟ أموره ظاهرة، وأحكامه زاهرة، وأعلامه باهرة، وزواجره لائحة، وأوامره واضحة، وقد خلفتموه وراء ظهوركم، أرغبة عنه تريدون؟ أم بغيره تحكمون؟! [بئس للظالمين بدلاً] [ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ].
ثم لم تلبثوا إلاّ ريث أن تسكن نفرتها ويسلس قيادها، ثم أخذتم تورون وقدتها، وتهيجون جمرتها، وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي، وإطفاء أنوار الدين الجلي، وإهمال سنن النبيّ الصفي، تسرّون حسواً في ارتغاء، وتمشون لأهله وولده في الخمر والضراء، ونصبر منكم على مثل حزّ المدى، ووخز السنان في الحشا وأنتم تزعمون الآن أن لا إرث لنا [أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لقَوْمٍ يُوقِنُونَ]، بلى تجلّى لكم كالشمس الضاحية أني ابنته، أيها المسلمون أأُغْلَبُ على إرثي؟!
يا ابن أبي قحافة! أفي كتاب اللَّه أن ترث أباك ولا أرث أبي؟! لقد جئت شيئا فريّاً، أفعلى عمد تركتم كتاب اللَّه ونبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول: [وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ] وقال فيما اقتصّ من خبر يحيى بن زكريا (عليه السَّلام) [فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً].
وقال: [وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ].
وقال: [يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ].
وقال: [إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ].
وزعمتم أن لا حظوة لي! ولا إرث من أبي! ولا رحم بيننا! أفخصكم اللَّه بآية أخرج منها أبي‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)؟! أم هل تقولون: إن أهل ملتين لا يتوارثان، أولست أنا وأبي من أهل ملّة واحدة، أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟!
فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم اللَّه، والزعيم محمّد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون، ولا ينفعكم إذ تندمون، [لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ] [فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ]. ثم رمت بطرفها نحو الأنصار، فقالت:
يا معشر النقيبة، وأعضاد الملّة، وحضنة الإسلام! ما هذه الغميزة في حقي، والسِنة عن ظلامتي؟! أما كان رسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أبي يقول: "المرء يحفظ في ولده"، سرعان ما أحدثتم، وعجلان ذا إهالة، ولكم طاقة بما أحاول، وقوة على ما أطلب وأزاول، أتقولون مات محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)؟ فخطب جليل استوسع وهنه، واستنهر فتقه وانفتق رتقه، وأظلمت الأرض لغيبته، وكسفت النجوم لمصيبته، وأكدت الآمال، وخشعت الجبال، وأُضيع الحريم، وأزيلت الرحمة عند مماته، فتلك واللَّه النازلة الكبرى، والمصيبة العظمى، لا مثلها نازلة، ولا بائقة عاجلة، أعلن بها كتاب اللَّه جل ثناؤه في أفنيتكم وفي ممساكم ومصبحكم، هتافا وصراخا وتلاوة وألحانا، ولقبله ما حلّ بأنبياء اللَّه ورسله، حكم فصل، وقضاء حتم.
[وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ].
إيهاً بني قيلة أأُهضم تراث أبي وأنتم بمرأى مني ومسمع، ومنتدىً ومجمع، تلبسكم الدعوة، وتشملكم الخبرة، وأنتم ذوو العدد والعدّة، والأداة والقوة، وعندكم السلاح والجُنّة توافيكم الدعوة فلا تجيبون، وتأتيكم الصرخة فلا تغيثون، وأنتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير والصّلاح، والنجبة التي انتجبت، والخيرة التي اختيرت، قاتلتم العرب، وتحملتم الكدّ والتعب، وناطحتم الأمم، وكافحتم البهم، فلا نبرح أو تبرحون، نأمركم فتأتمرون، حتى إذا دارت بنا رحى الإسلام، ودرّ حلب الأيام وخضعت ثغرة الشرك، وسكنت فورة الإفك، وخمدت نيران الكفر، وهدأت دعوة الهرج، واستوسق نظام الدين، فأنّى جرتم بعد البيان، وأسررتم بعد الإعلان، ونكصتم بعد الإقدام، وأشركتم بعد الإيمان، [أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُؤُمِنِينَ]. ألا قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض، وأبعدتم من هو أحقُّ بالبسط والقبض، وخلوتم بالدعة، ونجوتم من الضيق بالسعة، فمججتم ما وعيتم، ودسعتم الذي تسوّغتم.
[إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ]، ألا وقد قلت ما قلت على معرفة منّي بالخذلة التي خامرتكم، والغدرة التي استشعرتها قلوبكم، ولكنها فيضة النفس، ونفثة الغيظ، وخور القنا، وبثة الصدر، وتقدمة الحجّة، فدونكموها، فاحتقبوها دبرة الظهر، نقبة الخفّ، باقية العار، موسومة بغضب اللَّه وشنار الأبد، موصولة بنار اللَّه [الْمُوقَدَةُ، الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ]، فبعين اللَّه ما تفعلون [وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ].
وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد )فاعملوا فإنا عاملون انتظروا فإنا منتظرون.
فأجابها أبو بكر عبد اللَّه بن عثمان فقال:
يا ابنة رسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)! لقد كان أبوك بالمؤمنين عطوفا كريما رؤوفا رحيما وعلى الكافرين عذابا أليما وعقابا عظيما، فإن عزوناه وجدناه أباك دون النساء، وأخاً لبعلك دون الأخلاّء، آثره على كل حميم، وساعده في كل أمر جسيم، لا يحبّكم إلا كلّ سعيد، ولا يبغضكم إلا كلّ شقي، فأنتم عترة رسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) الطيّبون، والخيرة المنتجبون، على الخير أدلّتنا، وإلى الجنّة مسالكنا، وأنتِ يا خيرة النساء وابنة خير الأنبياء، صادقة في قولك، سابقة في وفور عقلك، غير مردودة عن حقّك، ولا مصدودة عن صدقك، واللَّه ما عدوت رأي رسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، ولا عملت إلاّ بإذنه، وإنّ الرائد لا يكذب أهله، وإني أُشهد اللَّه وكفى به شهيداً إني سمعت رسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) يقول: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضّة ولا دارا ولا عقارا وإنّما نورث الكتاب والحكمة والعلم والنبوة، وما كان لنا من طعمة فلولي الأمر بعدنا أنْ يحكم فيه بحكمه، وقد جعلنا ما حاولته في الكراع والسلاح يقاتل به المسلمون ويجاهدون الكفار، ويجالدون المردة الفجّار وذلك بإجماع من المسلمين لم أتفرّد به وحدي، ولم أستبدّ بما كان الرأي فيه عندي، وهذه حالي ومالي هي لك وبين يديك لا نزوى عنك ولا ندّخر دونك، وأنت سيدة أُمة أبيك، والشجرة الطيبة لبنيك، لا ندفع ما لك من فضلك، ولا نوضع من فرعك وأصلك، حكمك نافذ فيما ملكت يداي فهل ترين أن أخالف في ذلك أباك؟.
فقالت‏ (عليها السَّلام): سبحان اللَّه ما كان رسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) عن كتاب اللَّه صادفاً ولا لأحكامه مخالفا، بل كان يتّبع أثره، ويقفو سوره، أفتجمعون إلى الغدر اعتلالاً عليه بالزور؟ وهذا بعد وفاته شبيه بما بغي له من الغوائل في حياته، هذا كتاب الله حكما عدلاً، وناطقا فصلاً، يقول: [يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ]، [وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ] فبيّن عزّ وجلّ فيما وزّع عليه من الأقساط، وشرّع من الفرائض والميراث، وأباح من حظ الذكران والإناث ما أزاح علّة المبطلين، وأزال التظنّي والشبهات في الغابرين.
[قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ].
فقال أبو بكر: صدق اللَّه وصدق رسول اللَّه وصدقت ابنته، أنتِ معدن الحكمة وموطن الهدى والرحمة، وركن الدين، وعين الحجّة، لا أبعد صوابك، ولا أنكر خطابك، هؤلاء المسلمون بيني وبينك قلّدوني ما قلّدت، وباتفاق منهم أخذت ما أخذت، غير مكابر ولا مستبدّ، ولا مستأثر، وهم بذلك شهود. فالتفتت فاطمة (عليها السَّلام) إلى الناس وقالت:
معاشر الناس المسرعة إلى قيل الباطل، المغضية على الفعل القبيح الخاسر [أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا] كلا بل ران على قلوبكم ما أسأتم من أعمالكم، فأخذ بسمعكم وأبصاركم، ولبئس ما تأولتم، وساء ما به أشرتم، وشرّ ما منه اغتصبتم، لتجدنّ والله محمله ثقيلاً، وغبّه وبيلاً، إذا كشف لكم الغطاء، وبان وراءه الضرّاء، وبدا لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون، وخسر هنالك المبطلون. ثم عطفت على قبر النبي‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وقالت:


قـــــد كـــــان بعـــدك أنباء وهنبثة                     لو كنت شاهدها لم تكثر الخطـــــبُ
إنّا فقدناك فقـــــد الأرض وابلها                      واختلّ قومك فاشهدهم وقد نكبوا
وكل أهل لــــــــه قربـــى ومنزلتي                   عند الإله على الأدنين مقتــــــــــربُ
أبدت رجال لنا نجوى صدورهم                       لما مضيت وحالت دونك التــــــربُ
تجهّمتنا رجـــــــــال واستخفّ بنا                     لما فقدت وكل الأرض مغتصـــــــبُ
وكنت بدرا ونــــورا يستضاء بــه                    عليك تنزل من ذي العزة الكتـــــــبُ
وكان جبريل بالآيات يؤنسنــــــا                      فقد فقدت فكلّ الخير محتجــــــــــبُ
فليت قبلك كان الموت صادفنــا                       لما مضيت وحالت دونك الكثــــــبُ
إنّا رزينا بما لم يرزَ ذو شجــــــن                    من البريّة لا عجم ولا عـــــــــــربُ


ثم انكفأت‏ (عليها السَّلام) وأمير المؤمنين‏ (عليه السَّلام) يتوقع رجوعها إليه، ويتطلّع طلوعها عليه، فلما استقرّت بها الدار، نُسبَ إليها أنها قالت لأمير المؤمنين‏ (عليه السَّلام):
[يا ابن أبي طالب! اشتملت شملة الجنين وقعدت حجرة الضنين نقضت قادمة الأجدل، فخانك ريش الأعزل، هذا ابن أبي قحافة يبتزّني نحلة أبي، وبلغة (بليغة) ابني، لقد أجهر في خصامي، وألفيته ألدّ في كلامي، حتى حبستني قيلة نصرها، والمهاجر وصلها، وغضت الجماعة دوني طرفها، فلا دافع ولا مانع، خرجت كاظمة، وعدت راغمة، أضرعت خدّك يوم أضعت حدّك، افترست الذئاب، وافترشت التراب، ما كففت قائلاً، ولا أغنيت باطلاً، ولا خيار لي، ليتني متّ قبل هينتي (هنيئتي)، ودون زلّتي، عذيري اللَّه منك عاديا، ومنك حاميا.
ويلاي في كل شارق، مات العمد، ووهن العضد، شكواي إلى أبي، وعدواي إلى ربّي، اللَّهمّ أنت أشدّ قوة وحولاً، وأحدّ بأسا وتنكيلاً.
فقال أمير المؤمنين‏ (عليه السَّلام): لا ويل عليك، بل الويل لشانئيك، نهنهي عن وجدك يا ابنة الصفوة، وبقيّة النبوة، فما ونيت عن ديني، ولا أخطأت مقدوري، فإن كنت تريدين البلغة فرزقك مضمون، وكفيلك مأمون، وما أُعدّ لكِ أفضل ممّا قطع عنك، فاحتسبي اللَّه، فقالت: حسبي اللَّه، وأمسكت].
 

أقول:
إن هذه الخطبة الجليلة من ذخائر بيت الوحي، حافظ عليها رجالات الشيعة عامة، والعلويون منهم خاصة، يحرصون على روايتها لما فيها من حجج دامغة تثبت ظلامة الصدّيقة الشهيدة الزهراء وأمير المؤمنين عليّ‏ بن أبي طالب‏ (عليه السَّلام) عند مناوئيهم، بحيث لم تترك مجالاً لأولئك الظلمة الذين بلغوا الذروة في باطلهم وتهالكهم على جمع الحطام، واضطهادهم ذرية نبيهم وتماديهم على الضلالة، وقد طفحت الكتب من الفريقين بذكرها واشتبكت الأسانيد على نقلها. "ومن استشف حقائقها، وألمّ بها إلمامة صحيحة لا يشك في أنها تنهدات الصدّيقة الحوراء وأنها نفثة مصدور وغضبة حليمة لا تجد مندوحة من الأصحار بالحقيقة حيث بلغ السكين المذبح فصبتها في بوتقة البيان لتبقى حجة بالغة مدى الأحقاب تعريفاً للملأ الديني في الحاضر والغابر محل القوم من الفظاظة والحيف المفضيين إلى عدم جدارتهم لمنصب الخلافة وبعدهم عن مستوى الإمامة ومباينتهم للحق.
على أن جملها شاهدة فذّة على إثبات نسبتها إلى ابنة الرسالة لما فيها من إلماعة ضوء النبوة ونشرة من عبق الإمامة ونفحة من نفس الهاشميين مداره الكلام وأمراء البلاغة".
وأمّا ما ورد في الفقرة الأخيرة فإنّا نشك بصحة صدورها عن الصدّيقة الطاهرة وذلك للملاحظات التالية:
أولاً: شدة التوبيخ الصادر إلى أمير المؤمنين‏ (عليه السَّلام) مع علمها بعصمته وكونه مأموراً من اللَّه تعالى على لسان رسوله الكريم بعدم حمل السلاح لدفع القوم إلاّ بعد إتمام العدّة وهي أربعون رجلاً، مما يستلزم صدور العبث والجهل منها حاشاها روحي فداها وقد دفعه المولى عزّ اسمه عنها. مضافاً إلى أن صدور ذلك منها يعدُّ اعتراضاً على أمير المؤمنين الذي يدور الحق معه حيثما دار، وهي على علم بذلك كلّه.
ثانياً: الدعاء على نفسها بالويل والثبور، ولا نتصوّر أن مؤمناً يدعو على نفسه بالويل الذي لا يعرف مداه إلاّ اللَّه تعالى، فإذا لم يعقل هذا بحق المؤمن فكيف بمن هي سيّدة المؤمنين والتي طهّرها اللَّه في محكم التنزيل؟!
ثالثاً: إتهام أمير المؤمنين لزوجه الصدّيقة بأنها أرادت البلغة من فدك لتحصيل الرزق ووعظه لها بأن رزقها مضمون وما اُعدّ لها خير وأفضل مما قُطع عنها، وكل ذلك مخالف لمسلكها في الزهد والتقى، وخلافاً لسيرتها الطاهرة في إيثار الفقراء على نفسها حتى نزلت فيها آيات، مضافاً إلى مخالفة ما ذكر لمبدأ العصمة الذي حباها المولى عزّ اسمه به، من خلال هذه القرائن نطمئن إلى عدم صحة صدورها من الصدّيقة الطاهرة (عليها السَّلام) لمخالفتها لصريح الكتاب الكريم القائل بطهارتها وقداستها، ونحن مأمورون من قِبل أئمتنا (عليهم السَّلام) بعرض أخبارهم على كتاب اللَّه فإن كان موافقاً له نأخذ به وإلاّ فلا حسبما تقتضيه قواعد الترجيح في أصول الفقه وعلم الكلام. نعم يمكن أن نأخذ بهذه الفقرة إذا أمكن تأويلها بما يتناسب وأصول عقيدتنا، بحيث لا تخالف ما ذكرنا آنفاً، وعليه فيمكننا القول إن الفقرة المذكورة خطاب من الصدّيقة الطاهرة لأمير المؤمنين‏ (عليه السَّلام) والمقصود غيره من تلك الأمة النائمة والخانعة التي حنثت بعهدها إلى أمير المؤمنين عليّ في غدير خم وأمثالها من المواقع التي أخذ النبيّ‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) فيها الميثاق على هذه الأمة بنصرة وليّ اللَّه الأعظم وزوجه الصدّيقة فاطمة صاحبة الدلالات والآيات الباهرات والحجة على من في الأرض والسماء.
وبعبارة أخرى: لقد أرادت مولاتنا الصدّيقة الشهيدة من خلال تلك العبارات اللاذعة إستنهاض تلك الثلة التي اشتملت شملة الجنين فسمعت الحقّ وتغافلت عن نصرته، كما أرادت فديتها بنفسي أنْ تُشعل فيهم ثورة الغضب على الباطل، وتأجّج فيهم شعلة الإيمان واليقين بالعترة الطاهرة، فكان خطابها كخطاب القرآن الكريم لرسول اللَّه من باب (إياك أعني واسمعي يا جارة).
وبالجملة فإن الخطبة الشريفة قصمت ظهور القوم وبدّدت أحلامهم، فكان من أبي بكر أنْ تجرأ على الصدّيقة الطاهرة بكلام ينمُّ عن عدم اعتقاد بما نزل بحقها من قرآن، ولا بما كان يكنُّه النبيّ لها من احترام.
فكان ردّه عليها لاذعاً قال حسبما ذكر ابن أبي الحديد في شرحه :
أيها الناس ما هذه الرعة إلى كل قالة! أين كانت هذه الأماني في عهد رسول اللَّه؟ ألا من سمع فليقل، ومن شهد فليتكلم، إنما هو ثعالة شهيدة ذنبه، مُربّ لكل فتنة، هو الذي يقول: كروّها جذعة بعدما هرمت، يستعينون بالضعفة، ويستنصرون بالنساء، كأُم طحال أحبّ أهلها إليها البغي!! ألا إني لو أشاء أن أقول لقلتُ، ولو قلتُ لبحت، إني ساكت ما تركت.
ثم التفت إلى الأنصار، فقال: قد بلغني يا معشر الأنصار مقالة سفهائكم، وأحقّ من لزم عهد رسول اللَّه أنتم، فقد جاءكم فآويتم ونصرتم، ألا إني لست باسطاً يداً ولا لساناً على من لم يستحق ذلك منا. ثم نزل، فانصرفت "الصدّيقة" فاطمة (عليها السَّلام) إلى منزلها.
ثم قال ابن أبي الحديد: قلت للنقيب أبي يحيى‏ بن أبي زيد البصري: بمن يُعرّض؟
فقال: بل يصرّح، قلت: لو صرّح لم أسألك.
فضحك، وقال: بعليّ بن أبي طالب‏ (عليه السَّلام).
قلت: هذا الكلام كلّه لعليّ يقوله؟
قال: نعم، إنه الملك يا بنيّ! قلت: فما مقالة الأنصار؟
قال: هتفوا بذكر عليّ فخاف من اضطراب الأمر عليه فنهاهم.
فسألته عن غريبه، فقال:
أما الرعة بالتخفيف اي الاستماع والإصغاء.
والقالة: القول.
وثعالة: اسم الثعلب، علم غير مصروف، ومثل ذؤالة للذئب، وشهيدة ذنبه: أي لا شاهد له على ما يدّعي إلا بعضه وجزء منه وأصله مثل، وقالوا: إن الثعلب أراد أن يغري الأسد بالذئب، فقال: إنه قد أكل الشاة التي كنت قد أعددتها لنفسك وكنت حاضراً، قال: فمن يشهد لك بذلك؟ فرفع ذنبه وعليه دم، وكان الأسد قد افتقد الشاة، فقبل شهادته، وقتل الذئب.
ومُربّ: ملازم، اربَّ بالمكان.
وكروّها جذعة: أعيدوها إلى الحال الأولى، يعني الفتنة والهرج.
وأم طحال: امرأة في الجاهلية، يضرب بها المثل، فيقال: أزنى من أم طحال.
روى الشيخ جمال الدين في الدر النظيم: أنّ أم سلمة زوجة النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) حين سمعت ما جرى للسيّدة الصدّيقة فاطمة (عليها السَّلام) ردت على أبي بكر فقالت:
ألمِثْلِ فاطمة بنت رسول اللَّه يقال هذا القول؟!
هي واللَّه الحوراء بين الإنس، والنفس للنفس، ربّيت في حجور الأتقياء، وتناولتها أيدي الملائكة، ونمت في حجور الطاهرات، ونشأت خير نشأة، وربيت خير مربى، أتزعمون أن رسول اللَّه حرّم عليها ميراثها ولم يُعلمها، وقد قال اللَّه تعالى:
[وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ].
أفأنذرها وخالفت مطلبه؟ وهي خيرة النسوان وأُمّ سادة الشبان، وعديلة مريم، تمتّ بأبيها رسالات ربه، فواللَّه لقد كان يشفق عليها من الحرّ والقرّ، ويوسدها يمينه ويلحفها بشماله، رويداً ورسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بمرآى منكم، وعلى اللَّه تردون، واهاً لكم، فسوف تعلمون.
ولا يمكنني إلاّ أن أتجاهر بالحق وأصدع به: إن التجاسر على سيدة نساء العالمين وبضعة رسول رب العالمين سببه كفر هؤلاء وعدم اعتقادهم برسول اللَّه، وإلا لو كانوا مؤمنين باللَّه وبرسوله لكان عليهم مراعاة من قال عنه نبيُّ الرحمة "عليٌّ مع الحق والحق مع عليّ يدور معه حيثما دار" و"فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها"، ولا عجب أن يصدر من أبي بكر كلام كهذا وقد صدر منهما ما هو أعظم حينما اعتديا عليها باقتحام دارها وكسر ضلعها ورفسها على بطنها!!
ونصيحتي للأتباع أن يفتحوا قلوبهم على الحقيقة، فلا ميزة للصحابي عن غيره من المسلمين إلاّ بمقدار ما يتقي اللَّه في حلاله وحرامه، فليست الصحبة معياراً للإيمان ودخول الجنان، كما ليست من اللوازم الذاتية لثبوت الإسلام، بل الاعتقاد والعمل الصالح هما الميزان قال تعالى:[وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ].
قال: فحُرمت عطاؤها تلك السنة.
 

والنتيجة:
لقد كفر أبو بكر بسبب ستة أمور هي القدر المتيقن:
1 إدّعى الخلافة لنفسه.
2 اعتداؤه على سيّدة النساء فاطمة (عليها السَّلام) وضربها وكسر ضلعها وإسقاط جنينها واسمه محسن‏ (عليه السَّلام).
3 تغييره لأحكام الإسلام.
4 تكذيبه للسيّدة الصدّيقة الزهراء (عليها السَّلام) ولأمير المؤمنين عليّ‏ بن أبي طالب‏ (عليه السَّلام) وردّ شهادته وولديه الإمامين الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنّة كما في الحديث المتواتر بين الفريقين، وقد طهّرهم اللَّه تعالى في محكم قرآنه.
5 نفى العصمة عنها، ومن نفى العصمة عمّن طهّره اللَّه فقد كفر بما نزل على رسول اللَّه محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم).
6 إدّعى كذباً على رسول اللَّه أن الأنبياء لا يورّثون، ويعتبر هذا رداً لحكمه تعالى، وإبطالاً له، ومن أبطل حكم اللَّه عزّ وجلّ فقد كفر [وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ].
وقد حكّمت الصدّيقة الزهراء (عليها السَّلام) بينها وبين أبي بكر القرآن الكريم فلم يرض، وقد قال اللَّه بحق من لم يرض بحكمه:
[وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ].
[أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُعْرِضُونَ].
[وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ].
[وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ].
لقد دعته الصدّيقة الزهراء (عليها السَّلام) إلى اللَّه ورسوله فأبى:
[إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا].
[فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً].
[وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً].
لقد استهزأ أبو بكر بكلام السيدة فاطمة وأمير المؤمنين وولديهما وشيعتهما أمثال أسماء بنت عميس وأم أيمن وأم سلمى وغيرهما وقد قال اللَّه عن المستهزئين:
[وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً].
من هذا المنطلق هجرته الصديقة الزهراء ولم تكلِّمه بل أوصت أن تدفن سراً حتى لا يشاركا المؤمنين بالصلاة عليها استنكاراً عليهما.
وقد أبطلت مولاتنا الصدّيقة الطاهرة كلام أبي بكر وفنّدته من أساسه، ومما قالت:
يا ابن أبي قحافة! أفي كتاب اللَّه أن ترث أباك ولا أرث أبي؟! لقد جئت شيئا فريّاً، أفعلى عمد تركتم كتاب اللَّه ونبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول: [وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ] وقال فيما اقتصّ من خبر يحيى بن زكريا (عليه السَّلام) إذ قال ربّ [فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ].
وقال: [وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ].
وقال: [يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ].
وقال: [إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ].
ثم قالت: وزعمتم أن لا حظوة لي! ولا إرث من أبي! أفخصكم اللَّه بآية أخرج أبي منها؟! أم هل تقولون أهل ملتين لا يتوارثان؟ أولست أنا وأبي من أهل ملّة واحدة، أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟!
وهكذا مضت مولاتنا الصدّيقة الزهراء (عليها السَّلام) تفنّد له مقالته بنداً بنداً وهو ساكت لا يمكنه الجواب على سليلة الطهر والكرامة.
لقد أبطلت‏ (عليها السَّلام) دعواه التي هي عكس قانون الوراثة والتوارث بين الأنبياء، أما كان سليمان وابنه داود من الأنبياء؟!.
لقد أشارت سيّدة الطهر (عليها السَّلام) على أبي بكر أن معنى قوله تعالى )وورث سليمان داود( هو إرث المال، وهكذا فهم أبو بكر وجميع المسلمين آنذاك وهم يستمعون إلى خطبة الصدّيقة الشريفة فاطمة (عليها السَّلام)، ومعنى ذلك أن سليمان ورث أموال أبيه داود، ولم يفهموا غير هذا، وهذا الكلام له دلالالته في اللغة العربية، إذ إن كلمة "إرث" عندما تُطلق يتبادر منها معناها الحقيقي، إلاّ إذا جاءت قرينة صارفة عن معناها الحقيقي إلى آخر مجازي.
فحينما طلب زكريا من اللَّه عزّ وجلّ أن يرزقه غلاماً يرثه بالمال حرصاً من أنْ يرثه الفسّاق من أقاربه، وليس المراد من الإرث وراثة العلم لأن اللَّه قادر أن يهب العلم ليحيى من دون استعانة بزكريا أو بآل يعقوب [يرثني ويرث من آل يعقوب] فزكريا لم يطلب من اللَّه أن يرزقه ولداً يرث العلم من آل يعقوب بل أراد إرث المال.
قد يقال: إن زكريا أراد إرث النبوة بمعنى أن يرثه بالنبوة.
قلنا: إن النبوة لا تورّث، فمن كان قادراً على إيهاب النبوة على زكريا قادر على إيهابها من دون تعلّم أو تعليم.
ودعوى أن سليمان ورث داود بالعلم لا بالمال، وكذا يحيى ورث زكريا بالعلم لا المال مردودة بما يلي:
أولاً: إن لفظ الإرث والميراث يستعمل شرعاً وعرفاً ولغةً في المال، فإذا قلنا: إن زيداً ورث عمرواً، فالظاهر منه أنه ورثه بالمال، لا أنه وارثه في العلم أو المعرفة، إلاّ إذا كانت هناك قرينة كما قلنا آنفاً تدل على إرث العلم والمعرفة كقوله تعالى:
[وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ].
فالكتاب قرينة على أن الإرث هو المعرفة هنا لا المال، وكذا قوله تعالى:
[ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا].
وكذا قوله تعالى:
[وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا].
[وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ].
ثانياً: إنّ الوراثة لسليمان‏ (عليه السَّلام) ويحيى من داود وزكريا هي إرث المال لا العلم لأن سليمان كان نبياً في حياة أبيه داود حسبما قصّ علينا القرآن الكريم في قصة الزرع الذي نفشت فيه غنم القوم [فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً].
وورد في تفسير قوله تعالى: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ إن النبيَّ سليمان ورث من أبيه داود ألف فرس حينما أصابها النبيُّ داود من العمالقة، وهي الجياد استعرضها سليمان مسروراً بها.
فسليمان ورث أباه داود تلك الخيول والأفراس وغيرها من الأموال التي تركها داود، فثبت بهذا أن سليمان ورث أباه بالمال لا بالعلم.
ودعوى الآلوسي في تفسيره "بأن الأنبياء لا يورّثون لحديث رواه أبو بكر محتجاً به في مسألة فدك والعوالي بمحضر الصحابة وهم الذين لا تأخذهم في اللَّه لومة لائم" مردودة عليه وذلك:
1 لأن الخبر الذي رواه أبو بكر هو خبر واحد ولا حجية في أخبار الآحاد لا سيّما الصادر منه لكونه غير مأمون على الدين والدنيا.
2 أن الخبر مشكوك الصدور يصادم العمومات القرآنية القطعية الصدور، فيكف يقدَّم المشكوك على المقطوع؟!
3 أن الآلوسي يكذّب الإمام عليّاً والسيّدة الزهراء (عليه السَّلام) وجلة الصحابة أمثال سلمان وجابر وأم سلمى وأسماء بنت عميس وغيرهم ممن وقفوا مع أمير المؤمنين، أوَليس هؤلاء من الصحابة الذين لا تأخذهم في اللَّه لومة لائم؟!!
إذن وراثة سليمان لداود مالية، وأما وراثة يحيى لزكريا فكانت مالية أيضاً لا علمية لأن علوم الأنبياء لدنية إفاضية لا اكتسابية تحصيلية كما تشير إلى ذلك النصوص القرآنية كقوله تعالى:
[وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ].
[وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ].
[فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ].
[وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً].
[وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا].
[وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ].
[فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً].
[يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً].
[وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً].
هذا مضافاً إلى أنه لا معنى لدعاء زكريا لكي يهبه ولداً يرثه بالعلم، وقد أفاض اللَّه عزّ وجلّ على يحيى الحكم صبياً، بمعنى أن زكريا لم يطلب ولداً ليورّثه العلم والنبوة لأنهما مما لا يورثان بل يفاضان من اللَّه تعالى على صاحبهما، فلا يمكن حينئذٍ لزكريا أن يهب النبوة أو العلم لابنه يحيى، مع التأكيد على أن قول زكريا [قال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً، وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً] [مريم:4_6].
فقد طلب زكريا وارثاً لأجل خوفه من أن يرثه الموالي الفسقة من بين إسرائيل، ولا يليق خوفه منهم إلا بالمال دون النبوة والعلم، لأنه‏ (عليه السَّلام) كان أعلم باللَّه عزّ وجلّ من أن يخاف أن يبعث اللَّه نبياً من ليس أهلاً للنبوة، وأن يورّث علمه وحكمته من ليس لهما بأهل، لأنه إنما بُعث لإذاعة العلم ونشره في الناس، فكيف يخاف من الأمر الذي هو الغرض في بعثته؟!!
 

إشكال وحل:

كيف تقولون إن زكريا طلب ولداً ليرثه بالمال، أليس في هذا إضافة البخل إليه؟
 

قلنا:

معاذ اللَّه أن يطرق إلى ساحته بخلٌ، وإنما طلب الولد ليرثه حرصاً منه أنْ يظفر الفسّاق وأهل الفساد بماله فيصرفوه فيما لا ينبغي، وطلبه هذا في غاية الحكمة، فإن تقوية الفسّاق وإعانتهم على أفعالهم المذمومة محظورة في الدين.
توّضَح بما تقدَّم أنّ قانون الوراثة عام يشمل الأنبياء وغيرهم، ولم يرد بدليل معتبر تخصيصه، فيبقى العام سارٍ بعمومه من دون تقييد أو تخصيص.
هذا بالإضافة على أن آيات الإرث عامة، ولو كان هناك ما يوجب التخصيص بالرسول، لكان على الرسول أنْ يعلمه ويخبر ابنته بذلك، مع أن الرسول‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) لم يخبرها ولا غيرها من الناس بهذا الحكم الخاص، وهل من المعقول أن يخفي رسول اللَّه هذا الحكم عن ابنته الزهراء (عليها السَّلام) مع شدة اتصالها به وكثرة تعلُّقها به وتعلّقه بها، وشدة الحاجة إلى بيان الحكم لها لئلا تطالب بالإرث بعد وفاة أبيها؟
وكيف يُطلع أبو بكر ابنته عائشة على ذاك الحديث الذي سمعه من النبيِّ، أو أنها سمعت النبيَّ يقول لأبيها "نحن معاشر الأنبياء لا نورّث"، ولم يُطلع النبيُّ ابنته الصدّيقة الزهراء (عليها السَّلام) هذا الحديث مع علمه بما سيجري عليها من الاضطهاد والتكذيب وغير ذلك؟!!
وزبدة المخض:
يرد على أبي بكر ما يلي:
أولاً: إنّ العمومات القرآنية كقوله تعالى:[وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ].
[يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ] [يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ].
[وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ] وغيرها من الآيات تكذّب الحديث المزعوم الذي اختلقه أبو بكر بلفظين، الأول قوله: إنّا معشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة.
والثاني قوله: إنّا معشر الأنبياء لا نورّث ذهباً ولا فضة ولا أرضاً ولا عقاراً ولا داراً لكنّما نورّث الإيمان والحكمة والعلم والسنة. ثم ادّعى أنه سمع من رسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) يقول: إنما هي طُعمة اطعمناها اللَّه، فإذا متُّ كانت بين المسلمين.
وفي خبر آخر عنه: أن اللَّه أطعم نبيّه طعمة ثم قبضه، وجعله للذي يقوم بعده، فوليت أنا بعده، على أن أرده على المسلمين.
فهذه العمومات يدخل فيها رسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) كغيره من المسلمين الذين يورّثون أبناءهم، لا سيّما وأنه قدوة لغيره في توريث أولادهم، وقد ورّث رسول اللَّه نساءه الحجرات اللاتي كن يسكنّ فيها، وقد تبرعت عائشة بسهمها وسهم غيرها من دون إذنهن لكي يدفن فيه أبو بكر وعمر بن الخطّاب، فمن عجائب الدهر أن تدفع مولاتنا الصدّيقة فاطمة (عليها السَّلام) من دعواها وتمنع من فدك بقولها وقيام البيّنة على ذلك وتترك حجر أزواج النبيّ في أيديهن من غير بيّنة ولا شهادة.
ودعوى "أن الأنبياء فقراء لا يملكون شيئاً" مردودة: لما ثُبت من سيرة بعضهم كداود وسليمان وزكريا، هذا مضافاً إلى أن الوراثة تكون حتى بالأشياء الحقيرة الثمن كالعمامة والثوب والعصا والخاتم وما شابههم، فلا مجال للقول إن هذه الأشياء يرثها من الآباء الأنبياء الأجانب عنهم دون الأولاد.
ثانياً: لقد اعترف بعض علماء العامة أن أبا بكر اغتصب من الصدّيقة الطاهرة أرض فدك، ومنعها من حقها من الخمس وسهمها من خيبر، مع وجود إجماعٍ على أن فدكاً لم يوجف عليها بخيل أو ركاب، فهي ملك خاص لرسول اللَّه، وقد نص على ذلك علماؤهم لا سيّما الطبري منهم، فإذا كانت ملكاً خاصاً لرسول اللَّه وقد كانت كذلك فكيف جاز لأبي بكر شرعاً وعقلاً وعرفاً أن يجعلها من صدقات النبيّ؟!
ثالثاً: إنّ الخبر المزعوم "إنّا معاشر الأنبياء لا نورِّث" خبر واحد، لم يُعرف أحدٌ من الصحابة موافقة أبي بكر على نقله، وقد تفرّد أبو بكر بنقله، وشهادة الجار إلى نفسه لا تقبل حسبما جاء عن عمر بن الخطاب ردّاً على الصدّيقة الزهراء (عليها السَّلام) عندما جاءتهما بالشهود فكيف يعارض أي هذا الخبر الكتاب الكريم المقطوع الصدور؟! فالحديث غريب، لأن المشهور أنه لم يروه إلا أبو بكر وحده، بل قام الإجماع على عدم صحته، والخارج عن الإجماع شاذ لا يعبأ به.
وبعبارة أوضح:
لو دار الأمر بين محتمل الصدور عدا عن كونه مقطوع عدم الصدور وبين مقطوع الصدور، يقدّم الثاني بلا تردد، وما فعله العامة هو أنهم قدّموا الاحتمال على القطع، حفظاً لماء وجه أبي بكر وتلميعاً لصورته.
وزبدة المقال:

إن آية الإرث والرواية المزعومة متعاكستان، وكل ما عارض الكتاب فهو زخرف، وساقط عن الاعتبار وغير حجة، ولو سلّمنا صدور الحديث المزعوم من النبيّ فلِمَ بيّنه لغير ورثته وأخفاه عمّن يرثه؟ ولو كان الحديث صحيحاً عند عترة النبيّ التي يدور الحق معها حيثما دارت لم يمسك أمير المؤمنين عليّ‏ (عليه السَّلام) سيف رسول اللَّه وبغلته وعمامته، وقد احتج‏ (عليه السَّلام) بهذه الأمور على القوم مشيراً عليهم أنه أحق بابن عمه من غيره.
فلو كان الحديث معروفاً عند هؤلاء الأعاظم لم يجز لهم كتمانه.
وعلى فرض صحة الحديث فلِمَ لم يصادر أبو بكر الأشياء الخاصة برسول اللَّه كعمامته ودابته وحذائه وسيفه تطبيقاً للحديث المزعوم "لا نورّث ما تركناه فهو صدقة" فهذه الأشياء مما تركها رسول اللَّه فكان على الخليفة أن يصادرها لتوزع على الفقراء والمساكين، هذا بالإضافة إلى حجرات النبيّ، كان الواجب على أبي بكر أن يصادرها ويوزّعها على الفقراء ويحرم أن يطلب الإذن من عائشة لتسمح له بأن يدفن في حجرتها!!
 

قد يقال: إن رسول اللَّه دفع دابته وحذاءه ولوازمه الخاصة إلى الإمام عليّ‏ (عليه السَّلام) بعُرْضة أن ترث زوجته الزهراء من أبيها، فأهدتهم السيّدة الزهراء للإمام‏ (عليه السَّلام) لكون هذه الأشياء من مختصات الرجال.

قلنا:

هذا صحيح ثبوتاً لولا النصوص الدالة على أن الإمام علياً ورث النبيَّ بهذه الأشياء لكونه الخليفة الحق بعد رحيل النبيّ حسبما جاء في النصوص الكثيرة من أن الإمام يرث الرسول في متعلقاته الخاصة والصحائف السماوية، فقد ورد في صحيحة أبي بصير، عن أبي عبدفاللَّه‏ (عليه السَّلام) قال:
ترك رسول اللَّه في المتاع سيفاً ودرعاً وعنزة ورحلاً وبغلته الشهباء فَوَرثَ ذلك كله عليّ‏ بن أبي طالب‏ (عليه السَّلام).
رابعاً: إن خلفاء بني أمية وبني العبّاس فهموا من فدك أنها مُلْك للصديقة الزهراء روحي فداها، لذا كان السابق يُرجعها إلى ورثة الصدّيقة فاطمة (عليها السَّلام) من أولادها، ثم إذا جاء اللاحق استردها منهم.
روى أبو بكر الجوهري عن محمّد بن زكريا عن ابن عائشة قال: "... لمّا ولّي الأمر معاوية بن أبي سفيان أقطع مروان‏ بن الحكم ثلثها، وأقطع عمرو بن عثمان‏ بن عفّان ثلثها، وأقطع يزيد بن معاوية ثلثها، وذلك بعد موت الحسن‏ بن عليّ‏ (عليه السَّلام) فلم يزالوا يتداولونها حتى خلصت كلها لمروان‏ بن الحكم أيام خلافته، فوهبها لعبد العزيز ابنه، فوهبها عبد العزيز لابنه عمر بن عبد العزيز، فلمّا وليَّ عمر بن عبد العزيز الخلافة، كانت أول ظلامة ردّها، دعا الحسن‏ بن الحسن‏ بن عليّ‏ بن أبي طالب‏ (عليه السَّلام) وقيل: بل دعا الإمام عليّ‏ بن الحسين‏ (عليه السَّلام) فردّها عليه، وكانت بيد أولاد فاطمة (عليها السَّلام) مدة ولاية عمر بن عبد العزيز، فلمّا وليَّ يزيد بن عاتكة قبضها منهم، فصارت في أيدي بني مروان كما كانت يتداولونها، حتى انتقلت الخلافة منهم، فلمّا ولّي أبو العبّاس السّفاح ردّها على عبدفاللَّه‏ بن الحسن‏ بن الحسن، ثم قبضها أبو جعفر لمّا حدث من بني الحسن ما حدث، ثم ردّها المهدي ابنه على ولد فاطمة (عليها السَّلام)، ثم قبضها موسى‏ بن المهدي وهارون أخوه، فلم تزل في أيديهم حتى وليَّ المأمون، فردّها على الفاطميين.
قال أبو بكر الجوهري: حدّثني محمّد بن زكريا قال: حدّثني مهدي‏ بن سابق، قال: جلس المأمون للمظالم، فأول رقعة وقعت في يده نظر فيها وبكى، وقال للذي على رأسه: نادِ أين وكيل فاطمة؟ فقام شيخ عليه دُرّاعة وعمامة وخفّ ثغري، فتقدم فجعل يناظره في فدك والمأمون يحتج عليه وهو يحتج على المأمون، ثم أمر أن يسجّل لهم بها، فكتب السجلَّ وقُرى‏ء عليه فأنفذه، فقام دعبل إلى المأمون فأنشده الأبيات التي أولها:
أصبح وجهُ الزمان قد ضحكا            بردِّ مأمونِ هاشمٍ فدكا
فلم تزل في أيديهم حتى كان في أيام المتوكل، فأقطعها عبد اللَّه‏ بن عمر البازيار، وكان فيها إحدى عشرة نخلة غرسها رسول اللَّه بيده، فكان بنو فاطمة يأخذون ثمرها، فإذا قدم الحُجّاج أهدوا لهم من ذلك التمر فيصلونهم، فيصير إليهم من ذلك مال جزيل جليل...".
خامساً: إن أبا بكر طلب من الصدّيقة الزهراء البيّنة فجاءته بها وقد ردّها، مع أن البيّنة إنما تراد ليغلب في الظن صدق المدعي، ألا ترى إنّ العدالة معتبرة في الشهادات لكونها مؤثرة في غلبة الظن، ولهذا جاز أن يحكم الحاكم بعلمه من غير شهادة، لأن علمه أقوى من الشهادة، ولهذا كان الإقرار أقوى من البيّنة من حيث كان أبلغ في تأثير غلبة الظن، وإذا قدَّم الإقرار على الشهادة لقوة الظن عنده فأولى أن يقدّم العلم على الجميع، وإذا لم يحتج مع الإقرار إلى شهادة لسقوط حكم الضعيف مع القوي، فلا يحتاج أيضاً مع العلم إلى ما يؤثر الظن من البيّنات والشهادات.
ويدل على صحة ذلك ما شهده خزيمة بن ثابت على بيع جرى بين رسول اللَّه وأعرابي، مع أن خزيمة لم يكن حاضراً حال البيع، ولكنه شهد على صدق النبيّ من حيث كونه نبياً مرسلاً ومعصوماً مسدداً، فجعل النبيُّ شهادته بمثابة شهادتين، فسمي خزيمة بذي الشهادتين، وهذه قصة مشهورة مشابهة لقضية مولاتنا الزهراء (عليها السَّلام)، فإذا كانت شهادة خزيمة بمثابة شهادتين من حيث علمه أن النبيَّ لا يقول إلاّ حقاً لمكان عصمته وطهارته ولم يدفعه عن الشهادة من حيث لم يحضر ابتياعه، كذا شهادة مولاتنا الزهراء بطريق أولى، حيث كان يجب على مَنْ علم أن السيّدة فاطمة لا تقول إلاّ حقاً، ألاّ يستظهر عليها بطلب شهادة أو بيّنة.
سادساً: كيف يجوز أن يكون الخبر المزعوم صحيحاً وأزواج النبيِّ لا يعلمن ذلك، حتى وكّلوا عثمان‏ بن عفان في المطالبة بحقوقهنّ، ولا يعرف العبّاس حسبما جاء في بعض النصوص حتى تنازع مع أمير المؤمنين‏ (عليه السَّلام) في الميراث، وكل ذلك يدل على بطلان الخبر.
ومن كان له شيطان يعتريه كما صرّح هو بذلك ورواه عامة المؤرّخين فإن استقام أعانوه وإن زاغ قوّموه، كيف يؤمن عليه من تلفيق الأحاديث على رسول اللَّه القائل بما معناه: كثر عليّ الكذَّابون، ألا فمن كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار.
وفي الختام أقول:

 إن مولاتنا الصدّيقة الطاهرة فاطمة بنت رسول اللَّه‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) لم تسلم من بعض صحابة أبيها، فلاقت منهم الظلم والاستبداد، وما يؤسفنا أن اتباع السلف نمّقوا لهؤلاء الصحابة أفعالهم، بحجة أنّ الصحابة لا يخطئون، وكأن الصحبة ملازمة للعصمة، فسبحان الذي وهب العقول، ولكنّ أصحابها لا يعقلون!!
فعلى الأتباع سلوك طريق الحق المتمثّل بأمير المؤمنين عليّ‏ بن أبي طالب‏ (عليه السَّلام) الذي قال عنه النبي‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): "أنت مني وأنا منك"، ولا يكون كمن يجمع بين الأضداد، فيصدق عليهم قول الشاعر:
 

أهوى علياً أميــرَ المؤمنين ولا           أرضى بشتم أبي بكر ولا عُمرا
ولا أقولُ وإن لم يُعطيا فدكاً                بنت النبي ولا ميراثها: كفــــرا
اللَّه يعلم مــاذا يحضُران بـــه              يومَ القيامة من عذر إذا اعتذرا

 

النقطة الثالثة:
ونتطرق فيها إلى بعض الشبهات الراجعة إلى اغتصاب فدك من الصدّيقة الزهراء (عليها السَّلام).
الشبهة الأولى:
مفادها: إنّ الإمامية إتهموا أبا بكر بوقوفه بجانب ابنته عائشة حيث لم يطلب منها البيّنة على سكناها في الحجرة، وكذا حجر أزواج النبي، في حين طلبها من الصدّيقة الزهراء (عليها السَّلام)، والسبب يرجع في ذلك أن الحُجر كانت لهنّ، لأن اللَّه تعالى نسبها إليهنّ بقوله تعالى [وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ].

 

والجواب:
لا ملازمة بين القرن بالبيوت وبين ملكيتها، فالقرن بالبيوت أعم من الملك، وذلك إن هذه الإضافة لا تقتضي الملك، بل العادة جارية فيها بأنها تستعمل من جهة السكن، ولهذا يقال: هذا بيت فلان ومسكنه، ولا يراد بذلك: الملك، وقد قال اللَّه تعالى [لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ] ولا شبهة في أنه تعالى أراد منازل الأزواج التي يُسكنون فيها زوجاتهم، ولم يرد به: إضافة الملك.
 

قد يقال: قد روي إن النبيَّ قسّم الحجر بين نسائه وبناته، والتقسيم دلالة الملكية.
 

قلنا:

من أين العلم أن القسمة تستلزم التمليك دون الإسكان والإنزال؟ ولو كان قد ملّكهنّ ذلك لوجب أن يكون ظاهراً مشهوداً، ودعوى "أن أمير المؤمنين‏ (عليه السَّلام)ترك أزواج النبيّ في حجرهن ولم يطالبهنّ بالميراث" مدفوعة بأن تركه الحجرات في يد الأزواج لمثل ما ترك المطالبة بفدك حرصاً على أن لايعقب ما هو أعظم منه.
الشهبة الثانية:
إذا كان أبو بكر قد حكم بخطأ في دفع الصدّيقة الطاهرة (عليها السَّلام) عن الميراث، واحتج بخبر لا حجة فيه، فما بال الأمة أقرته على هذا الحكم، ولم تنكر عليه، وفي رضاهم وإمساكهم دليل على صوابه.
والجواب:
1 إن ترك النكير لا يكون دليل الرضا إلا في الموضع الذي لا يكون له وجه سوى الرضا.
وبعبارة أخرى: لا ملازمة بين ترك النكير والرضا، فقد يكون عدم النكير لتقية أو خوف أو مصلحة أهم.
2 كان النكير واقعاً من السيّدة فاطمة (عليها السَّلام)، ويشهد لهذا خطبتها القاصعة، وهجرانها لأبي بكر إلى أن ماتت، ووصايتها بأن لا يصليا عليها ودفنها ليلاً.
3 وكما قال الجاحظ في كتابه "العبّاسية": [لئن كان ترك النكير دليلاً على صدقهما، أنّ تركهم أي الصحابة النكير على المتظلمين منهما والمحتجين عليهما والمطالبين لهما دليل على صدق دعواهم، أو استحسان مقالتهم، ولا سيّما وقد طالت المناجاة وكثرت المراجعة والملاحاة وظهرت الحسيكة واشتدت الموجدة، وبلغ ذلك من فاطمة (عليها السَّلام) أنها أوصت ألاّ يصلّي عليها أبو بكر، ولقد كانت قالت له حين أتته طالبة بحقها ومحتجة لرهطها: من يرثك إذا متّ يا أبا بكر؟ قال: أهلي وولدي، قالت: فما بالنا لا نرث النبيّ‏ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)؟ فلما منعها ميراثها وبخسها حقها، واعتل عليها، وجنح في أمرها، وعاينت الهضم وأيست من النزوع ووجدت مس الضعف وقلة الناصر، قالت: واللَّه لأدعونّ اللَّه عليك.
فإن يكن ترك النكير منهم على أبي بكر دليلاً على صواب منعها، إنّ في ترك النكير على سيّدة النساء فاطمة (عليها السَّلام) دليلاً على صواب طلبها، وأدنى ما كان يجب عليهم في ذلك تعريفها ما جلهت، وتذكيرها ما نسيت، وصرفها عن الخطأ حاشاها من كل ذلك ورفع قدرها عن البذاء وأن تقول هجراً أو تجور عادلاً وتقطع واصلاً، فإذا لم تجدهم أنكروا على الخصمين جميعاً، فقد تكافأت الأمور واستوت الأسباب، والرجوع إلى أصل حكم اللَّه في المواريث أولى بنا وبكم وأوجب علينا وعليكم].
الشهبة الثالثة:
كيف يُظن بأبي بكر أنه ظلم السيّدة فاطمة (عليها السَّلام) وتعدى عليها، في حين كلما ازدادت‏ (عليها السَّلام) عليه غلظة ازداد لها ليناً ورقة، حيث تقول: "واللَّه لا أكلمك أبداً" فيقول: "واللَّه لا أهجرك أبداً"، ثم تقول: "واللَّه لأدعوّن اللَّه عليك" فيقول: واللَّه لأدعوّن اللَّه لك" ثم يتحمل منها هذا القول الغليظ والكلام الشديد في دار الخلافة، وبحضرة قريش والصحابة، ما حاجة الخلافة إلى البهاء والتنزيه وما يجب لها من الرفعة والهيبة، ثم لم يمنعه ذلك من أن يعتذر إليها متحنناً عليها بقوله: ما أحد أعزّ عليّ منك فقراً ولا أحب إليّ منك غنىً.

والجواب:
1 إن الشيّخين أجادا استعمال لعبة شد الحبل، فواحد يشد ويقسو وآخر يلين ويتراخى، وهذه لعبة الساسة الذين يمررون مشاريعهم تحت عناوين لا تمت إلى الواقع بصلة، فيكذبون ويماكرون في سبيل تحقيق مشتهياتهم الرخيصة.
2 إن أسلوب اللين والرقة لو صحتْ نسبة ذلك إلى أبي بكر ليس دليلاً على براءته من الظلم وسلامته من الجور، وقد يبلغ من مكر الظالم ودهاء الماكر إذا كان أريباً وللخصومة معتاداً أنْ يقلب الحقائق على المظلوم أمام الناس، فيظنون أن الظالم بري‏ءٌ، والمظلوم أو المنتصف ظالماً، وهذا نوع مكرٍ ودهاء لا رقة وحنان!.
3 لينه ورقته بحسب ما أفادت هذه الدعوى يتعارض مع خشونته لها بالقول بعد إيرادها الخطبة حسبما ذكره النقيب أبو يحيى‏ بن أبي زيد البصري وقد تقدمت مقالته آنفاً، مضافاً لخشونته عليها بسياطه التي هوت على جسدها الطاهر من قِبل عمر وخالد وبعض جلاوزته، وفي هذه الحال لا يبقى مجال لدعوى اللين والرِّقة بالقياس إلى شناعة ما صدر منه إتجاهها فديتها بنفسي.
الشبهة الرابعة:
لو كانا أي أبو بكر وعمر ظلماها فلِمَ أمسك الصحابة عن خلعهما والخروج عليهما وهم الذين وثبوا على عثمان في أيسر من جحد التنزيل وردّ النصوص ولو كانا كما يقولون وما يصفون ما كان سبيل الأمة فيهما إلا كسبيلها فيه، وحيث لم يثبوا عليهما دل ذلك على صلاحهما؟
والجواب:
إن إمساك الصحابة عن خلعهما مع ما ارتكبا من جحد التأويل ورد النصوص ليس مفاده صحة أفعالهما، بل لأنّ بعضهم لم يعرف حقائق الحجج، بل أكثرهم ارتدَّ عن الإسلام بسبب تركهم لمولى الأنام عليّ‏ بن أبي طالب‏ (عليه السَّلام)، من هنا لم يحاربهم‏ (عليه السَّلام) خوفاً من تعنتهم وشدة تصلّبهم، فيتقوى المشركون على بلاد الإسلام وهو مما لا تحمد عقباه. وبعض الصحابة الموالين لأمير المؤمنين عليّ‏ (عليه السَّلام) قد استنكروا على خلفاء الجور آنذاك، ولكنّ هذا الإنكار لم يصل إلى المستوى المطلوب في عملية التغيير، لا لضعف عند هؤلاء بل لعدم توفُّر السُّبُل الأخرى التي هي شرط في عملية التغيير، منها وجود النخبة الصالحة من القواعد الشعبية الموالية، فقلة الأنصار سبب في سكون هؤلاء وعدم خروجهم على اولئك الذين يمكلون كل عناصر الإرهاب الفكري والعسكري، مع وفرة المؤيدين لهم والمناصرين لخطهم، وهذه طريقة السفهاء في كل عصر ومكان.
الشبهة الخامسة:
إنّ خطأ أبي بكر تماماً كخطأ أبوينا آدم وحواء (عليه السَّلام) حيث أزلهما الشيطان عن الجنّة فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فوسوس لهما الشيطان فأخرجهما مما كانا فيه، فلِمَ عذرتم أيُّها الشيعة فعل آدم ولم تعذروا فعل أبي بكر.
والجواب:
لا يقاس خطأ أبي بكر بما صدر من أبينا النبيّ آدم‏ (عليه السَّلام)، فقياس الأول على الثاني قياس مع وجود فارق، إذ إنّ خطأ أبي بكر عبارة عن شيطنة مع إطاعة، فأبو بكر أخبر عن نفسه بطاعة الشيطان عند الغضب، وأن عادته بذلك جارية، وليس هذا بمنزلة من يوسوس إليه الشيطان ولا يطيعه ويزيّن له القبيح فلا يأتيه، وليس وسوسة الشيطان بعيب على الموسوس له إذا لم يستزله ذلك عن الصواب، بل هو زيادة في التكليف، ووجه يتضاعف معه الثواب.
وأما قوله تعالى [فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا] فإن معناه: أن أبوينا آدم وحواء (عليه السَّلام) كانا مندوبين إلى اجتناب الشجرة وترك التناول منها، ولم يكن ذلك عليهما واجباً لازماً، لأن الأنبياء (عليهم السَّلام) لا يُخلُّون بالواجب، فوسوس لهما الشيطان حتى تركا المندوب إليه من الامتناع من تناول الشجرة، وحرما أنفسهما بذلك الثواب، فسماه اللَّه إزلالاً، لأنه حطٌ لهما عن درجة الثواب، وفعل الأفضل، وأما قوله تعالى [وعصى آدم ربه فغوى] فلا ينافي هذا التأويل، لأن المعصية قد يسمى بها من أخلّ بالواجب والندب معاً، وقوله "فغوى" أي خاب من حيث لم يستحق الثواب على ما ندب إليه. وعليه فإن معصية آدم مجازية لا يستحق عليها ذماً ولا عقاباً، فأين هذا من قول أبي بكر مخبراً عن نفسه "بأن الشيطان يعتريه حتى يؤثر في الأشعار والأبشار" فكيف يسوّى بينه وبين ما لا يستحق عليه عقاب ولا يثبت عليه ذم، وهو يجري مجرى المباح من حيث إنه لا يؤثر في حال فاعله.
 

قد يقال: إنما قال أبو بكر ذاك القول على نحو الخشية والإشفاق لا الحقيقة والحال.

قلنا:

إن مفهوم خطابه يقتضي خلاف ذلك، ألا ترى أنه قال: "إن لي شيطاناً يعتريني" وهذا قول من تلبّس فيه الشيطان فهو ملازم له في ليله ونهاره، ولو كان على سبيل الإشفاق والخوف لكان قال "إني لا آمن من كذا وإني لمشفق منه".
هذه أهم النقاط في الطعن العاشر الوارد في أبي بكر بن أبي قحافة أثرتها إبتغاء إجلاء الحقيقة وكشف القناع عن ماهية الخليفة المزعوم، وهناك طعون أخرى أعرضنا عن ذكرها خوف ملل القارى‏ء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (*)  هكذا ورد في المصدر.


  • المصدر : http://www.aletra.org/subject.php?id=10
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2010 / 03 / 01
  • تاريخ الطباعة : 2014 / 08 / 20