• الموقع : مركز العترة الطاهرة للدراسات والبحوث .
        • القسم الرئيسي : مؤلفات آية الله العاملي .
              • القسم الفرعي : مؤلفات فقهيّة .
                    • الموضوع : بحث فقهي استدلاليٌّ حول ولاية الأبكار على أنفسهنَّ .

بحث فقهي استدلاليٌّ حول ولاية الأبكار على أنفسهنَّ

 يمكنكم تحميل البحث كاملا كملف واحد بتنسيق pdf بالضغط هنا بزر الفأرة (الماوس) الأيمن ثم اختيار (حفظ الهدف باسم - Save Target As) واختيار المكان المناسب

 

بحث فقهي استدلاليٌّ حول ولاية الأبكار على أنفسهنَّ
 
وجّه إلينا أحد العلماء في النجف الأشرف السؤال التالي حول ولاية البكر على نفسها:
سؤال: ما هو رأيكم وقولكم الشريف في حكم العقد المنقطع على البنت الباكر من دون إذن وليها أي هل يجوز للبنت أن تتزوج من دون إذن وليّ أمرها مع وجوده ؟
 
بسم الله الرحمان الرحيم
 
الجواب: 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    الظاهر لنا من الأدلة الشرعية كالآيات والأخبار: أن للبنت ولاية على نفسها في مسألة الزواج من المؤمن الشيعي الإثني عشري الموالي لهم والمعادي لأعدائهم، ولا ولاية واجبة للأب عليها في حال جاءها الكفوء الشرعي، نعم له ولاية عليها في حال انتخبت غير الكفوء فيمنعها من الزواج منه، لأن الظاهر لنا من الأدلة أن ولايته عليها في حال لم يكن لديها القدرة على الانتخاب الصحيح نظير ما لو كانت قاصرةً أو كانت غير ملنزمة بتعاليم الشرع المبين وأرادت الزواج من الكافر...فلا ريب في هذين الموردين بأن للأب ولاية عليها إجماعاً ونصاً...والخلاف إنما يدور حول ما لو كانت راشدة ومتدينة وأرادت الزواج بالمؤمن الموالي فهل للأب ولاية عليها في هذا المورد أم لا ؟ الظاهر لنا كما أشرنا أعلاه هو عدم ثبوت الولاية للأب على ابنته في حال اختارت الزوج الكفو.... نعم لو أدى الزواج بالكفوء من دون إذن الأب إلى العار والغضاضة، كان زواجها محل إشكال، وهنا لا بد من تفصيل فتوانا في هذه المسألة من خلال مناقشة الأقوال فيها، وانتخاب الرأي الصحيح حولها، لذا نقول وبالله تعالى نستعين: 
  لا ريب ولا خلاف بين فقهاء الإماميّة في أن للثيب ولايةً على نفسها في أمر زواجها،وكذا البالغ الرّشيد،وإنّما الخلاف في ولاية البكر البالغة الرّشيدة في النّكاح دون المال مع وجود أبويها الأب والجد،واتّصافهما بشرائط  الولاية، ويلحق بالرشيدة الفتاة الثيّب بغير جماع كما لو تمزقت بكارتها بقفزة أو بإصبع أو بآلة من دون جماع مع الرجل، فهي في حكم البكر.
وقد اختلف فقهاء الإمامية في مسألة البكر على أقوالٍ متعددة، وقد بلغت الأقوال في هذه المسألة خمسةً هي التالي:
1. استقلال الولي دونها في أمر زواجها.
2. التشريك بينها وبين الأبّ  والجد.
3. الولاية عليها في الداّئم دون المنقطع.
4. الولاية عليها في المنقطع دون الدّائم.
5. استقلالها دونهما. 
    وقبل مناقشة هذه الأقوال، لا بدَّ لنا من بيان مقدمات مهمة تتعلق بماهية ولاية الأب على البكر،ومتى تكون مشروعةً ومتى لا تكون مشروعةً، ومتى تكون في صالح البكر ومتى لا تكون كذلك، وهي مقدمات غفل عن تفاصيلها الأعلام العظام في الطائفة، وما لها من أثرٍ عظيم في بيان مقام ولاية الأب في بعض الموارد الفرعية لا في كلِّها... لذا أحببت تقديمها لما فيها من الفائدة الفقهية في مقام الاستدلال وما لها من ثمرة عملية مهمة على الصعيدين: الفردي والنوعي في حياتنا العملية.
  والمحصّلة: إن موضوع بحثنا هو ولاية الأبكار على أنفسهن، وهو بحث شائك ومضني لكثرة تعارض الأخبار فيه، واضطراب أقوال الفقهاء في فهم دلالاتها ومراميها، فقد بلغت الأقوال في المسألة إلى خمسة كما أشرنا أعلاه، وحتى نصل إلى لب الحقيقة - بحسب الظاهر والأدلة الاجتهادية - لا بدَّ من تنخيل الآراء وتمحيصها لنصل إلى نتيجة مرجوة نركن إليها ونعتمد عليها.
  وقبل الخوض في التنقيح لا بد من القول: بأنه لا خلاف بين فقهاء الإمامية في ثبوت ولاية الأب والجد من طرف الأب (أي أبو الأب) فصاعداً دون أب أو الأب (أي والد الأم) على الأفراد التالية وهم القدر المتيقن من مورد ثبوت الولاية للأب والجد عليهم وهم:
1- الصغير والصغيرة.
2- المجنون والمجنونة.
3- السفيه والسفيهة.
  كما أن القدر المتيقن من عدم ثبوت الولاية للأب والجد أيضاً لفردين هما: البالغ الرشيد والثيب الرشيدة.
  فمورد النزاع ـ اذن ـ هو البالغة الرشيدة؛ وهل للأب والجد ولاية عليها في النكاح أو لا؟ فيه تفصيل كما سوف يأتي إن شاء الله تعالى.
  وحيث إن الولاية أمر اعتباري مجعول من قبل الشارع المقدس لا بد حينئذٍ من توضيح مطالب لها ارتباط وثيق بموضوع بحثنا هذا . 
 
 المطلب الأول: معنى الولاية لغةً واصطلاحاً.
   نقول: إن الولاية تارة تأتي مصدراً فتُفْتح الواو فتكون بمعنى تولّي الأمر والمحبة والنصرة، وتارة أخرى تأتي اسم مصدر فتُكسر الواو لانه إسمٌ لما توليته وقمتَ به حسبما قال سيبويه فتكون بمعنى الإمارة والنقابة لأنه إسم لما توليته وقمتَ به.
  والوَلاية والوِلاية يأتيان في بعض الأحيان بمعنى البلاد التي يتسلط عليها الوالي.
  ومن الولاية: الولي والوالي والموالي والمولى والولاء، فالولي هو الناصر والمحب والمدبّر والمتولي لأمور العالم والخلائق.
  والوالي هو مالك الأشياء جميعها المتصرف فيها، قال ابن الاثير:« وكأن الولاية تُشعر بالتدبير والقدرة والفعل ».
  والولي: القرب والدنو يقال: تباعد بعد ولْي، وكُلْ مما يليك أي مما يُقاربك.
  وجاء في أقرب الموارد: ولاه ووليَهُ يليه من باب ضَرَبَ يضرِبُ، والمصدر وَلي: أي دنا منه وقَرُب يقال: جلستُ مما يليه أي يقاربه، ويقال: الوليُ حصولُ الثاني بعد الأول من غير فصل.
  وليَ الشيء وعليه ولاية: ملك أمره وقام به، ووليَ فلاناً وعليه: نصره، ووليَ فلاناً ولايةً: أحبَّه، ووليَ البلد: تسلط عليه.
  وقال ابن فارس: الوليّ كغني: المطر يسقط بعد المطر، والجمع أولياء، والنسبة إليه: ولَويّ، وكلُّ مَنْ وليَ أمرَ أحدٍ فهو وليُّه ... والولي يؤنث بالهاء فيقال: وليّةٌ، وجمع المؤنث: وليات ووليُّ الدم: من كان إليه المطالبة بالقِوَد.
  والولي: الذي يدبر الأمر ومنه قول الكُميت الشاعر في حق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام:
              ونِعمَ وليُّ الأمر بعد وليّه    ومُنْتَجَعُ التقوى ونِعمَ المُقَرَّبُ.
  وقوله تعالى: (إنما وليكم اللهُ ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) المائدة/55 نزلت في الإمام الأعظم أسد الله الغالب مولانا عليّ بن أبي طالب عليهما السلام عند العامة والخاصة حين سأله سائل وهو راكع في صلاته، فأومأ إليه بخنصره اليمنى، فأخذ السائل الخاتم من خنصره وكان مَرجاً فلم يتكلف كثيرَ عملٍ تفسد بمثله الصلاة حسبما ذكر صاحب الكشاف قال: (انها نزلت في - الإمام - علي كرّم الله وجهه حين سأله سائل وهو راكع في صلاته، فطرح له خاتمه كأنه كان مرجاً - أي قلقاً غير ثابت - في خنصره، فلم يتكلّف لخلعه كثير عمل تفسد بمثله صلاته.
 فإن قلت: كيف صح أن يكون لعليّ رضي الله وهو واحدٌ - أي كيف جاءت الصيغة على صورة الجمع - فأجاب: ليرغب الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه، ولينبه على أن سجية المؤمنين  يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على السير والإحسان وتفقد الفقراء، حتى إنْ لزمهم أمرٌ لا يقبل التأخير وهم في الصلاة لم يؤخروا إلى الفراغ منها). انتهى كلامه خفض الله مقامه.
  وثمة كلام للطبرسي في تفسيره للآية فقال: [قد اشتهر في اللغة العبارة عن الواحد بلفظ الجمع للتعظيم، فلا يحتاج إلى الإستدلال عليه، فهذه الآية من أوضح الدلائل على صحة إمامة علي عليه السلام بعد النبي بلا فصل، ونُقل أنه اجتمع جماعة من أصحاب النبيذ صلّى الله عليه وآله في مسجد المدينة، فقال بعضهم لبعض: إن كفرنا بهذه الآية، كفرنا بسائرها، وإن آمنا صارت فيما يقول، ولكنّا نتولى ولا نُطيع علياً فيما أمر، فنزل قوله تعالى (يعرفون نعمة الله ثم يُنكرونها ].
  والمولى قد تكرر ذكره في الحديث، وهو اسم يقع على جماعة كثيرة كالرب والمالك والسيِّد والمنعم والمُعْتِق والناصر والمحب والتابع والجار وابن العم والحليف والصهر والعبد والمعتق والمنعَم عليه... إلخ.
  وأكثر هذه المعاني جاء ذكرها في الاحاديث الشريفة، فيضاف كلُّ واحدٍ إلى ما يقتضيه الحديث الوارد فيه.
  يتخلص مما سبق: إن من معاني الولي التي جاءت في أسمائه تعالى: الناصر، والمتولي لأمور العالم القائم بها، ومالك الأشياء والمتصرف فيها، من هنا قال ابن الأثير:« وكأن الولاية تشعر بالتدبير والقدرة والفعل، وما لم يجتمع فيها ذلك، لم يطلق عليها اسم الوالي ».
  والولاء والتوالي: أن يحصل شيئان فصاعداً حصولاً ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من المكان ومن حيث النسبة ومن حيث الدين ومن حيث الصداقة والنصرة والإعتقاد.
  وللولاية والولي والمولى معانٍ متعددة - حسبما تقدم - قد بلغت بحسب استقراء صاحب تاج العروس واحداً وعشرين معنىً، تحوم حولَ معنىً واحدٍ هو أصل معنى الولاية وجذره، وقد نُقلت المعاني الأخرى مستعارةً من ذلك المعنى، أو أن أصل معنى الولاية في هذه المواضع جميعها محفوظ، وغاية الأمر أنهم لاحظوا - لسبب من الأسباب - المعنى الأصلي بانضمام خصوصية أخذوها بنظر الإعتبار في الاستعمال.
  وأصل ذلك المعنى هو الولاء والتَّوالي الذي أفاد عدم الحجاب والمانع وعدم الفصل والإفتراق وعدم الغيرية والبينونة، وهو ما أشار إليه الراغب في المفردات في مادة وليّ، قال: [ الولاء والتوالي أن يحصل شيئان فصاعداً حصولاً ليس بينهما ما ليس منهما أي لا حجاب ولا مانع ولا فصل ولا افتراق ولا غيرية ولا بينونة بحيث لو فرضنا وجود شيء بينهما فهو منهما لا من غيرهما]. مثال ذلك مقام الوحدانية بين العبد وربه حيث لا حجاب في أيَّة مرحلة من مراحل الطبع والمثال والنفس والروح والسر فإن كل ذلك يسمى ولايةً، كما نُطلق الولاية على مقام الوحدة بين الحبيب والمحبوب، والعاشق والمعشوق والذاكر والمذكور والطالب والمطلوب حين ينعدم أيُّ انفصالٍ بينهما بأيِّ وجهٍ من الوجوه .
  وبما سبق يتضح: أن الله تعالى وليّ الكائنات جميعها في عالم التكوين بشكل مطلق، وإن الكائنات جميعها وبلا استثناء وليُّها الله تكويناً باعتباره موجداً لها من العدم، كما أنها وليّة لله تعالى لإطاعته له طوعاً أو كرهاً، ولأنه لا حجاب بين الله الرب وبين المربوبين على نحو الاستقلال وعدم الارتباط من الناحية التكوينية، إذ لا يمكن للمعلول الاستقلال في وجوده عن العلّة الموجدة حدوثاً وبقاءً كما هو معلوم في بحوث علم الكلام.
  هذا من الناحية التكوينية، وأمَّا من الناحية التشريعية فإن ولاية الحق تخص الذين اجتازوا مراحل الشرك الخفي تماماً، واخترقوا الحجب النفسانية كلها، فلا احتجاب حينئذٍ بين الرب والمربوب لأن المقتضي موجود، والمانع مفقود؛ فلا احتجاب من الله تعالى عن عبيده إلا أن يكون ذلك الحجاب من العباد، وهو ما أشار إليه مولى العارفين وسيّد الساجدين إمامنا المعظم زين العابدين عليه السلام في دعائه المشهور بدعاء أبي حمزة الثمالي قال:« وأن الراحل إليك قريب المسافة وأنَّك لا تحتجب عن خلقك إلا أن تحجبهم الأعمال دونك...».
     وفي التوحيد للصدوق عن الحارث الأعور عن الإمام الأعظم أمير المؤمنين عليّ بن ابي طالب ( عليهما السلام ) :« أَنَّهُ دَخَلَ السّوقَ ، فَإِذا هُوَ بِرَجُل مُوَلّيهِ ظَهرَهُ يَقولُ : لا وَالَّذِي احتَجَبَ بِالسَّبعِ ، فَضَرَبَ عَلِيٌّ ( عليه السلام ) ظَهرَهُ ، ثُمَّ قالَ : مَنِ الَّذِي احتَجَبَ بِالسَّبعِ ؟ قالَ : اللهُ يا أَميرَ المُؤمِنينَ . قالَ : أَخطَأتَ ثَكَلَتكَ أُمُّكَ ! إِنَّ اللهَ عزّ وجلّ لَيسَ بَينَهُ وبَينَ خَلقِهِ حِجابٌ ؛ لاَِنَّهُ مَعَهُم أَينَما كانوا . قال : ما كَفّارَةُ ما قُلتُ يا أَميرَ المُؤمِنينَ ؟ قالَ : أن تَعلَمَ أنَّ اللهَ مَعَكَ حَيثُ كُنتَ ...».
 وبهذا الميزان يقال لكل واحدٍ من طرفي النسبة والإضافة: وليٌّ؛ أي زالت البينونة والغيرية عن النفس الإنسانية بالكلية، وظهرت الهوهوية - أي التصديق بإذعان النسبة - التي هي حقيقة ولاية العبد لربّه.
  وهذه الحقيقة يترشح منها أمران:
  الأول: ان جميع آثار وخصوصيات الوليّ بمعنى الفاعل مشهودة في الولي بمعنى المفعول، وكالمرآة تعكس وجه صاحب الصورة كلّه دون أدنى حب للظهور.
  الثاني: إن جميع المشتقات المنبثقة عن الولي، وجميع المعاني المذكورة لهذه الكلمة ترتكز على هذا الأساس، وتقوم على هذا الميزان وذلك لأن شرط الولاية هو القُرب، وللقرب أشكال متنوعة، حيث لوحظت حقيقة الولاية تلك في كل مظهر من مظاهر القرب، بكل ما للكلمة من معنى، مع ملاحظة هذه الخصوصية.
  وبناءً عليه: إن ما يتفرع عن الولاية من مشتقات تستعمل في معانٍ متنوعة هي على نحو الإشتراك المعنوي لا اللفظي.
  ويتمخض عما سبق: أن كلَّ مفردةٍ من مفردات الولاية ليس معها قرينة تدل على خصوص أحد مصاديقها، لا بدَّ أن نحملها على المعنى العام من دون أيّ قيد، فنعتبره المراد من تلك المفردات، فمثلاً لو قيل: الولاية لله، فلا بدَّ أن نقول: إن المراد هو معية الله لجميع الكائنات، ولو قيل: بلغ فلانٌ مقام الولاية، فلا بدَّ أن نقول: إنه بلغ مرحلة من مراحل السير والسلوك والعرفان والشهود الإلهي زال معها كلَّ حجابٍ من الحجب النفسانية بينه وبين الحق جلّ شأنه، واضمحلت شوائب الفرعونية والربوبية كلها في وجوده وظفر بمقام العبودية المطلقة المجرّدة للحق عز وجل.
  ففي كل مورد يُستعمل فيه لفظ ولاية أو وليّ فإن ثمة لوناً من الإتحاد والوحدة قائمٌ بين شيئين، وبالتالي فإن ثمة نسبة بين المالك والمملوك، وهذه النسبة قد ربطتهما وشدّت أحدَهما بالآخر، لذا يقال لكلِّ واحدٍ منهما: وليٌّ، وكذلك النسبة بين السيِّد وعبده، والنسبة بين المُنعم والمنعَم عليه، فإنها - أي النسبة - جعلتهما تحت عنوانٍ خاص حيث يقال لكلِّ واحدٍ من هذين الإثنين: وليٌ؛ والنسبة الموجودة بين المُعْتِق والمعتَق أتت بهذا العنوان تالياً لها، وهكذا النسبة القائمة بين الحليفين وبين الحبيب والمحب؛ ويسمى الصهر وليَّاً لأنه يعتبر أحد أفراد الأسرة في كثير من شؤونها بسبب القرابة الحاصلة من وراء القرب المكاني، ويسمى ابن العم وليَّاً لأنه أحد أفراد العائلة، وله في كثير من الحالات حكم الأخ والمعين كما هو الحال بين النبيّ الأكرم وبين الإمام الأعظم أمير المؤمنين عليهما السلام.
  وحيثما كانت هناك قرينة خاصة لإرادة أحد المعاني، فينبغي أن نحمل اللفظ عليه وإلا تبادر إلى الذهن معنى الولاية العامة بلا قرينة، وكان ذلك المعنى هو مراد المتكلم.
  وكذا فإن المالكية في التدبير وتكفُّل الأمور وتولّي أحكام ومسائل المولّي عليه هو أثر ونتاج من الولاية، لا أصل حقيقتها ومعناها المطابقي، وكل مقام فُسرت فيه الولاية بالحكومة والإمارة والسلطنة والمراقبة والحراسة والمحافظة، فلا بدَّ من تفسيرها بلوازم المعنى، لا ببيان معناها الحقيقي والواقعي.
  من هنا قال العلاّمة الطبطبائي في رسالة الولاية ص4:
  (الولاية هي الكمال الأخير الحقيقي للإنسان، وانها الفرض الأخير من تشريع الشريعة الحقة الإلهية).
  وقال في تفسير الميزان ج10 ص89: (وإن كانوا قد ذكروا للولاية معاني كثيرة ولكنّ الأصل في معناها ارتفاع الواسطة الحائلة بين الشيئين بحيث لا يكون بينهما ما ليس منهما، ثم استعيرت لقرب شيء من شيء بوجه من وجوه القرب كالقرب نسباً أو مكاناً أو منزلة أو بصداقة أو غير ذلك، ولذلك يطلق الوليُّ على كلٍ من طرفي الولاية، وخاصة بالنظر إلى أن كلاً منهما يلي من الآخر ما لا يليه غيره، فالله سبحانه وليّ عبده المؤمن لأنه يلي أمره ويدبر شأنه فيهديه إلى صراطه المستقيم ويأمره وينهاه فيما ينبغي له أو لا ينبغي وينصره في الحياة الدنيا وفي الآخرة، والمؤمن حقاً وليَّ ربه لأن يلي منه إطاعته في أمره ونهيه، ويلي منه عامة البركات المعنوية من هداية وتوفيق وتأييد وتسديد وما يعقّبها من الإكرام بالجنة والرضوان).
  وزبدة المخض: يتبيَّن معنا أن الولاية بجميع فروعها ومشتقاتها تتضمن معنى السلطة والإستيلاء والأولوية ونحو ذلك، ومقتضى الأصل عدم تعدد الوضع مع إمكان إرجاع جميع ما ذكره أهل اللغة في معاني هذه المادة إلى جامع قريب عرفي، ولو فُرض وجود اختلاف في البين فيصح أن يكون ذلك من إختلاف دواعي الإستعمال في الجامع القريب العرفي فتدخل في باب الإشتراك المعنوي في جملة كثيرة من معاني هذه المادة، وإن كان جملة منها داخلاً في الإشتراك اللفظي.
  وكل هذا بحسب التعريف اللغوي لمادة "ولاية" وأما بحسب التعريف الإصطلاحي، فقد اتفق عامة فقهاء الإمامية على أن الولاية الشرعية في الزواج عبارة عن:
(سلطة شرعية جعلها الله عز وجلَّ للكامل عقلاً وشرعاً على الموَّلى عليه لنقصٍ فيه، ورجوع مصلحة إليه).
  وهذا التعريف يلتقي تقريباً مع التعريف اللغوي، فهما يشيران إلى أن الولاية بمعنى مالكية التدبير والتصرف في الأمور والحماية والحفظ والإرادة وتكميل وترميم نقاط الضعف الموجودة في الاشخاص الموّلى عليهم ، تلك النقاط التي يمكن تداركها بواسطة ولاية من جُعلت له الولاية الشرعية على القُصَّر واليتامى والمجانين والسفهاء والمحجور عليهم.
  والولاية المذكورة أمر عظيم للغاية، له درجة عالية من الأهمية والجلالة لأنها تقود المولى عليه باتجاه مصالحه، بل تُخرج جميع الإستعدادات والقابليات إلى مرحلة الظهور والبروز، لذا لا بدَّ للولي أن يكون مميزاً في شخصيته من حيث الورع والتقى والأمانة وكمال العقل، من هنا اشترطت شريعتنا المقدَّسة شروطاً معتبرة على الولي، إليكموها في المطلب الثاني.
  المطلب الثاني: الشروط المعتبرة في الوليّ.
  يشترط في ولاية الأولياء الشرعيين إتصافهم بشرائط الولاية، أي حتى تنفذ ولاية الأب والجد على الطفل وغير الرشيد لا بد أن تتحقق فيهما الشروط التالية:
  الشرط الأول: البلوغ؛ والمراد به وصول الطفل إلى مرحلة التكليف الشرعي قال تعالى ( وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم) فإذا بلغ الصبي، لزمه التكليف، ويتحقق البلوغ بطرقٍ أربعة:
  الطريق الأول: نبات الشعر الخشن على العانة ولا عبرة بالشعر الضعيف - أي الناعم - الذي ينبت قبل الخشن ثم يزول ويعبر عنه بالزغب؛ ولقد قيَّد أعلامُ الامامية - طبقاً للأخبار الشريفة - الشعرَ بشعرِ العانة لعدم اعتبار غيره كشعر الإبط والشارب واللحية، فلا عبرة بشيء من ذلك عند فقهاء الإمامية إذا لم يثبت كون ذلك دليلاً على البلوغ وإن كان الأغلب تأخرها عنه على حد تعبير صاحب المسالك، ولأن ظاهر الأصحاب الاختصاص بالعانةن بل هو صريح بعضهم، ولذا اقتصروا عليها في العلامات.
  والتقييد بالشعر الخشن مع عدم التقييد به في النصوص لمعلومية عدم اعتبار الزغب والشعر الضعيف الذي قد يوجد في الصغر، ولأن الخشن هو المعهود في اختبار البلوغ، فيحمل عليه الإطلاق لوجوب صرفه إلى المعهود عند العرف.
  إذن العمدة في إنبات الشعر هو العانة وليس اللحية أو الإبط خلافاً للعامة حيث اعتبروا اللحية علامة على البلوغ.
  قال صاحب الجواهر: "والتقييد بالعانة لإخراج سائر الشعور فلا يكون - أي شعر غير العانة - دليلاً على البلوغ "؛ وفي المسالك:" لا عبرة بها عندنا وإن كان الأغلب تأخرها عن البلوغ، إذ لم يثبت كون ذلك دليلاً شرعاً خلافاً لبعض العامة." ولكنّه رحمه الله قد قوّاه في الروضة باب الصوم فقال: وفي إلحاق إخضرار الشارب ونبات اللحية بالعانة قولٌ قوي.
  واستقر به في التحرير فقال: "الأقرب أن إنبات اللحية دليل البلوغ أما باقي الشعور فلا".
  والظاهر من باقي الأصحاب الإختصاص بالعانة، لذا اقتصروا عليها في العلامات، وإستندوا على ذلك بالأصل وعمومات الكتاب والسنة من غير معارض يعتد به، والخبر الدال على أن اللحية أمارة على البلوغ مهجور بإعراض الأصحاب عنه، فيُترك العمل به إلا أن الإحتياط يقتضي الجمع بينه وبين بقية الأخبار...والله العالم.
  الطريق الثاني: خروج المني الذي يكون منه الولد من الموضع المعتاد كيف كان سواءٌ خرج بالوطئ أو الاستمناء أو في المنام عبر الرؤيا. 
  فقد أجمع المسلمون كافةً على أن الإحتلام يدل على بلوغ الذكر والأنثى في أيِّ سنٍّ وفي أية حال حصل في اليقظة أو في المنام، وهذا لا يحتاج إلى دليل من الشرع، وقد ادَّعى بعضهم أن البلوغ من الموضوعات الطبيعية المفروضة لغةً وعرفاً لا من الموضوعات الشرعية، والعرف يرى البلوغ في الإحتلام في الذكر والأُنثى، وكلامه مردودٌ وذلك لأن الكتاب والسنة يدلان على أن الإحتلام علامة البلوغ، فمن الكتاب قوله تعالى: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح) النساء/5.
  وقوله تعالى (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا) النور/59.
  وثبت بطرق الخاصة والعامة قوله الرسول ص وآله: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى ينتبه".
  وتقييد الإحتلام بالصبي مع أن الأنثى تحتلم، مبنيٌ على الأعم الأغلب حيث إن الذكور أكثر إبتلاءاً بالإحتلام والإنزال من الإناث.
  ونبات الشعر على العانة والإحتلام صفتان يشترك فيهما الذكر والأنثى، وهما علامتان على البلوغ، ولا عبرة بنقاش بعض الفقهاء في مسألة هل أن المني سابق على البلوغ أو أنه يخرج قبل البلوغ فلا اعتداد به، فيكفي في رده " أن المني لا يتكوّن إلَّا حال وصول الطفل إلى حدِّ البلوغ كما يومئ إليه إطلاق ما دل على أن خروجه علامة البلوغ".
  ويُستدل على اشتراك الأُنثى مع الذكر في الإحتلام والإنزال بدليلين:
  الأول: بقاعدة الإشتراك في الأحكام أي أن الأنثى تشارك الذكر في كل الأحكام إلاّ ما استثناه الدليل.
  الثاني: الأخبار الدالة على أن المرأة كالرجل تمني، والإحتلام هو بداية استمنائها، فإذا استمنت بلغت مرحلة البلوغ، "ولا يُتْم بعد إحتلام" بحسب تعبير بعض الأخبار، ولما ورد في خبر عن أم سلمة: سألت النبي عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؟ فقال:« إذا رأت ذلك فلتغتسل». وهو خبر عاميّ اعتمده الشيخ وغيره ولا مانع منه باعتباره موافقاً لأخبارنا الدالة على أن المرأة تمني كالرجل ولكنه ليس علامة على البلوغ من دون النظر إلى الأمارة الأخرى وهي بلوغها تسع سنين هلالية؛ فالخبر المتقدم ناظر إلى بلوغها قبل التسع، فالأقوى كونه أمارة على بلوغها أو مقدمة قريبة لبلوغها أو يحمل على الاحتلام بعد بلوغها التسع، فيجب عليها في جميع الاحتمالات المشار إليها الإغتسال بالإجماع والنصوص.
  الطريق الثالث: اتفقوا على أن الحمل والحيض يدلان على بلوغ الأنثى، قال الشهيد الثاني زين الدين العاملي رحمه الله صاحب مسالك الأفهام في موجبات الحجر:« لا خلاف في كونهما دليلين على سبق البلوغ ، كما لا خلاف في كونهما بلوغاً بأنفسهما؛ أما الحيض فقد علَّق الشارع أحكام المكلف عليه في عدة أخبار ، كقوله صلى الله عليه وآله : " لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار " ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم " إذا بلغت المحيض لا يصلح أن يرى منها إلا هذا "  وأشار إلى
الوجه والكفين ؛ وأما الحمل فهو مسبوق بالانزال ، لأن الولد لا يخلق إلا من ماء الرجل وماء المرأة ، كما نبه عليه تعالى بقوله : ( من نطفة أمشاج ) أي مختلطة ماء الرجل بماء المرأة ، فهو دليل على سبق البلوغ إلا أن الولد لا يتيقن إلا بالوضع، فإذا وضعت حكمنا بالبلوغ قبل الوضع بستة أشهر وشئ إن ولدته تاماً...» . 
  الطريق الرابع: بلوغ خمس عشرة سنة للذكر وبلوغ الأنثى تسعٌ، فالأول موضع شهرة عظيمة تكاد تكون مجمع عليها بينهم، والثاني مشهور شهرة عظيمة بين الأصحاب خلافاً للطوسي في المبسوط وابن حمزة في الوسيلة حيث قالا بالعشر للأنثى.
 وثمة أخبار تشير إلى ذلك يمكن مراجعتها ولكنها مهجورة بإعراض الأصحاب عنها مع كونها خلاف الاحتياط في التكليف بالعبادات، فالصحيح هو القول المشهور .
  الشرط الثاني: العقل، فلا تصح ولاية المجنون، ففاقد الشيء لا يعطيه، إذ من الواضح أن المجنون لا إدراك عنده، فلا يصح ـ والحال هذا ـ أن تكون له ولاية على غيره بعد أن كان فاقداً لها على نفسه، إذ هو بمثابة حيوان تُسيّره حيوانيته وغرائزه، فالعقل ركن في صحة أية معاملة، وإعمال الولاية فرع وجود العقل، فإذا ارتفع، ارتفعت أصل ثبوت الولاية، إذ لا أثر لتصرفات فاقد العقل كالصبي والمجنون والمغمى عليه والسكران والسفيه لفقدانهم أهلية التصرف في أموال أنفسهم، فلا تصح تصرفاتهم في أموال غيرهم بطريق أولى.
 ويضاف إلى العقل في انعقاد ولاية الوليّ اشتراط الكمال العقلي بالبلوغ والرشد بمعنى أن يكون الوليّ كامل الرشد ولا يكفي فيه كونه عاقلاً بالمعنى الأخص، بل لا بدَّ من كونه راجح العقل ولا تتحكم به الغرائز والمصالح الشخصية وما شابه ذلك، لأن ولايته على البكر - على فرض وجوبها - مشروطة بجلب المنفعة لها وليس جرّها إليه كما هو الحال عند بعض الأولياء العرفيين.
  الشرط الثالث: الحرية؛ فلا ولاية للعبد أو المملوك ولو مبعضاً على ولده، سواءٌ كان الولد حراً أو عبداً مثله.
 وهل للحاكم الولاية في الولد الحر مع وجود أبيه المملوك ؟.
 والجواب: لا ولاية للحاكم على الولد الحر إلا بشرطين:
  الأول: أن يكون الولد قاصراً أو صغيراً أو سفيهاً أو مجنوناً أو غير رشيد.
  الثاني: أن تكون ثمة مصلحة ملزمة راجعة إلى العبد الصغير، ونعلم من الشارع وجوب التصدي إليه وتحقيقه، وأما في غير ذلك فلا دليل على ولاية الحاكم عليه.
  هذا بالنسبة إلى المملوك الصغير الحر، أما لو كان الصغير عبداً كأبيه فالولاية حينئذٍ لمولاه حتى لو كان أبوه مبعضاً ذلك لأنه لا يقدر على شيء وممنوع من التصرف في نفسه فضلاً عن غيره، فأمر المملوك بيد مولاه، فليس للأب ولاية على نفسه ولا على ابنه حتى لو كان حراً.
  وبالجملة فإن للمولى الحق في أن يزوج مملوكته صغيرة كانت أو كبيرة، عاقلة أو مجنونة، ولا خيار لها معه، وكذا الحكم في العبد، ولا يجوز ذلك بغير إذنه، ونقل على ذلك الإجماع غير واحد منهم.
  والوجه في ذلك؛ أن منافع المملوك مملوكة للمولى و "الناس مسلَّطون على أموالهم" فله نقله إلى من شاء، ولو تحرر بعض العبد والأمة امتنع إجبارهما على الزواج لعدم ملكية البعض فلا يتسلط عليه المولى.
  الشرط الرابع: الإسلام؛ إذ لا ولاية لكافر على مسلم سواء أكان الكافر أباً أم جداً أم غيرهما، وسواء أكان المسلم صغيراً أم مجنوناً ذكراً كان أو أنثى.
  واستند فقهاء الإمامية في عدم الولاية في هذه الصورة إلى قوله عز وجل (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) وقوله تعالى: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ) وقوله عليه السلام: "الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه".
  كل هذا إذا كان المولّى عليه مسلماً والولي كافراً، بخلاف ما لو كان الولي والمولى عليه كافرَين؛ ففيه رأيان:
  الأول: بمنع ولاية الكافر على الكافر.
  الثاني: بجواز ولاية الكافر على الكافر.
  أمَّا الرأي الأول:
  فلم أجد فيما لدي من مصادر دليلاً على مدّعي الرأي الاول، فقد أطلق صاحبُ الحدائق والمسالك القول بعدم "جواز ولاية الكافر على الكافر" دون أن يحدّد هوية المانع، نعم ربما يستظهر ميل صاحب الشرائع والتحرير والقواعد بمنع ولاية الأب الكافر على ابنه الكافر حسبما ادّعى العلامة السيّد الروحاني في فقه الإمام الصادق عليه السلام.
  وربما يُسْتَدل على المدّعى - بما لمّح إليه صاحب الجواهر عن بعضهم في جواهره ج 29ص 207 - من أن الصغير الكافر ولِدَ على الفطرة، فيحكم بإسلامه واقعاً، وحيث إن المولود على فطرة بحكم المسلم، لذا لا يجوز أن تكون لأبيه ولاية عليه بالتزويج.
  وهو مردودٌ بوجهين:
 1- أن الدعوى المذكورة مدفوعة بما ورد من أن أولاد الكفار تابعون لآبائهم في الأحكام، وتترتب عليهم نفس الآثار المترتبة على آبائهم، فلا بدّ - بحكم الإطلاقات الدالة على تبعية أطفال الكفار لآبائهم - من القول من "أن المعاملة للأولاد معاملة الكفار في الأحكام التي منها ذلك".
2- أن وجه المنع غير ظاهر، وعموم أدلة الولاية تشمل ولاية الأب الكافر على إبنه الكافر، وقوله تعالى "فانكحوهن بإذن أهلهن" يشهد له.
  قال صاحب الجواهر: "ان دعوى عدم ولاية الكافر على إبنه أو ابنته الصغيرين مناف لقوله تعالى (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض) بل ومنافٍ لإطلاق ما دل على ولاية الأب والجد المقتصر في الخارج منهما على اليقين ويريد بالإطلاق ما ورد في الأخبار من ثبوت الولاية للأب على الصغيرين مطلقاً دون تخصيص بالمسلم.
    وأمَّا الرأي الثاني: وهو القول بثبوت الولاية للكافر على ولده الكافر سواء أكان ذكراً أو أنثى، نعم لو كان للكافرة وليّان: أحدهما مسلم والآخر كافر اتجه انتفاء ولاية الكافر عليها حينئذِ تغليباً للإسلام الذي يعلو ولا يعلى عليه، المعلل به إرث المسلم للكافر دون العكس، بل المعلل به إختصاص المسلم في الإرث وإن كان له ورثة كفار غيره أقرب منه، خلافاً للمحكي عن الشيخ الطوسي في المبسوط من اختصاص الكافر بالولاية للآية "والذين كفروا بعضهم أولياء بعض".
  وبتعبير آخر: ان الطوسي خص الولاية بالكافر في حال وجود وليين للكافرة أحدهما مسلم والآخر كافر، فالذي يتولى تزويجها الكافر دون المسلم.
  وفيه من الضعف ما فيه، بل لعلَّ احتمال اشتراكهما ـ أي الوليين المسلم والكافر ـ في الولاية عملاً بإطلاق الأدلة معاً وهو قول صاحب الجواهر وجلُّ من جاء بعده، إلا أن الأقوى عندنا هو حاكمية ولاية المسلم على ولاية الكافر فلا يشارك الثاني الأول في الولاية فضلاً عن أن تكون ولاية الكافر حاكمة على ولاية المسلم بمقتضى إطلاق الآية( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ) فإنها مطلقة من حيثية كون ولاية المسلم في عرض ولاية الكافر، فلا يمكن للكافر أن يساوي المسلم بالولاية، كما لا يمكن تقديمه على المسلم؛ والمساواة والتقديم خلاف حاكمية ولاية المسلم على الكافر، وبالتالي لا يجوز القول بأن للكافر ولاية في طول ولاية المسلم فضلاً عن مساواته بها. 
  وبالجملة: فلا ولاية للأب الكافر على ولده المسلم بمقتضى قوله تعالى (لن يجعل الله الكافرين على المؤمنين سبيلاً) النساء/141 ولقوله ص وآله (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه) وقوله تعالى (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض).
  و ما أشرنا إليه لم يرتضه الشيخ الأنصاري والمحدّث البحراني والخوئي؛ حيث لم يرتضوا تفسير الآيات المتقدمة بالمعنى المدّعى عليه ألا وهو: أنه لا سلطة للأب الكافر على المسلم بالتزويج، لأن معنى السلطنة يختلف بمفهوم هؤلاء الأعلام عن المعنى المدّعى، فالآيات التي ذُكرت لا تنهض حجةً في مقام الخصام.
  قال العلامة البحراني: "وأما الآيات التي ذكروها في المقام فهي لا تنهض حجة في مقام الخصام، فإن الظاهر من الآية الأولى: (المؤمنون والمؤمنان بعضهم أولياء بعض)، والآية الثالثة: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض)، إنما هو النصرة والمحبة والمساعدة في الأمور ... لا الولاية بالمعنى المدعى هنا وأما آية (ولن يجعل الله للكافرين...) فإن المراد بالسبيل المنفي إنما هو من جهة الحجة والدليل كما روى عن الإمام الرضا في تفسير الآية المذكورة لا ما توهمه أصحابنا".
  وقال الخوئي مؤيداً الأنصاري:
  (قد تعرض شيخنا الأعظم إلى مناقشة دلالة هذه النصوص مفصلاً، ولقد أجاد (قده) فيما أفاد، فإن السبيل المنفي في الآية المباركة إنما هو الحجة لا التسلط عليه، ولذا يثبت للكافر السلطنة على أجيره المسلم حيث يجب عليه تنفيذ ما استأجره عليه، وعلو الإسلام لا يستلزم عدم ثبوت الولاية للكافر على المسلم).
  ثم تابع الخوئي كلامه فقال: (والعمدة في الاستدلال أمران:
   الأول: انصراف الأدلة، فإن المتفاهم العرفي منها كون الولاية من جهة احترامهم وأداء حقوقهم فلا تشمل الكافر الذي يجب عدم موادته والإبتعاد عنه.
  الثاني: قاعدة الإلزام، فإن الكفار وبحسب ما هو معلوم من الخارج لا يلتزمون بجواز إنكاح الصغير مطلقاً كما لا يلتزمون بالولاية على بناتهم الإبكار، وتوقف نكاحهن على أذنهن، وحينئذِ فمقتضى هذه القاعدة سقوط الولاية عن الأب الكافر والإلتزام بصحة نكاحها - أي إبنة الكافر المسلمة - من غير إذنه).
  وخلاصة مقاله: إن الآيات المتقدمة لا تساعد على حرمة سلطنة الكافر على بنته المسلمة، فهي قاصرة عن إثبات المطلوب - بحسب زعمه - وإنما ما يثبت المطلوب هو أمران:
الأول: إن الأدلة المذكورة تنصرف إلى جهة وجوب أداء الكافر لحق المؤمن وإحترامه، ولا تشمل الكافر الذي لا يجوز موادته بل يجب الإبتعاد عنه.
الثاني: عدم جواز ولاية الأب الكافر على ابنته المسلمة من باب قاعدة الإلزام لا من باب عدم ثبوت الولاية له على ابنته بالنصوص المتقدمة.
  يرد على الاستدلال المتقدِّم بوجهين هما الآتي:
  (الوجه الأول): إن هؤلاء الأعلام فسروا السبيل المنفي في الآية بالحجَّة لا التسلط، فجعلوا ولاية الأب الكافر على المسلمة نوعاً من التسلط الجسدي تماماً كتسلط الكافر على أجيره المسلم حيث يجب عليه تنفيذ ما استأجره عليه، مع أن ولايته على المسلمة أحد أبرز مصاديق السبيل، وتفسير هؤلاء الأعلام السبيل المنفي بالسطنة دون الحجة وتطبيقها على الولاية يعدُّ اشتباهاً في تطبيق المصداق على مفهومه، إذ إن هيمنة الأب الكافر على المسلمة إنما هو من أبرز مصاديق الحجية المنفية بآية نفي السبيل لأن توقف تزويج المسلمة على إذن الكافر يعتبر إعلاءً لشأن الكافر وتعظيماً لآرائه وأقواله مما يقتضي ذلك الحجية فيهما وهو خلف ما ورد في الأدلة من عدم احترام عقائدهم وبالتالي لا حجية في تصرفاتهم وأوامرهم ولا ولاية فيها على غيرهم.
  مضافاً إلى أن السبيل كما يكون حجةً أو دليلاً، يكون أيضاً سلطنة ماديةً، إلا أن بعض مصاديق الثاني - كالتسلط على الأجير المسلم - خرجت بدليل، فبقيت بعض المصاديق الأخرى تحت مفهوم التسلط المنفي في الآية الكريمة.
  (الوجه الثاني): على القول بعدم تعميم مفهوم نفي السبيل وأنه لا يشمل السلطنة المادية، يخرج حينئذٍ نكاح الولد المسلم تخصصاً وتخصيصاً عن مفهوم نفي السبيل في حال كان زواجه ذا مصلحة أو لم يكن فيه مفسدة، بلا حاجة إلى تقييد "السبيل" بالحجَّة.
 (الوجه الثالث): دعوى أن الفهم العرفي يوجب كون الولاية للكافر من جهة احترامهم وأداء حقوقهم تعارض الفهم القرآني والأخباري الذي نهي المسلمين عن تناول ذبائحهم وأطعمتهم وأشربتهم، ما يعني قطع الموادة معهم والابتعاد عنهم، حرصاً من الشارع المقدّس في أن لا يتلوث المسلم بقذاراتهم المادية والمعنوية، وهل ثمة قذارة معنوية أشدّ من جعل الولاية لهم والسلطنة على غيرهم من المسلمين..؟! 
  إذن الحق مع المشهور الذي قال: إن الولاية سبيلٌ فلا ولاية حينئذٍ للكافر على ولده المسلم.
  ويترتب على المسألة هذه ما لو كان الأب كافراً وزوجته مسلمة، فهل يتبع الولد الأب أم الأم؟
  الصحيح أن الولد يتبع أشرف العمودين، وبما أن الأم مسلمة فالولد يلتحق بها ما يعني عدم وجود ولاية للكافر وبالتالي لا موادة معهم توجب تسلطهم على المسلمين.
 إن قيل لنا: كيف تسقطون الموادة معهم في حين أجازت النصوص إقامة علاقة زوجية مع نسائهم، لا سيما الزواج المنقطع ؟.
قلنا: إن تجويز الشارع للمسلم إقامة علاقة جنسية مؤقتة لا تستلزم الموادة والولاية والسلطنة لهم، وأيَّة سلطنة للمنكوحة يا تُرى..؟؟! من هنا نهت النصوص المسلمات من الزواج من رجالهم بأيّ شكلٍ من الأشكال، لما في ذلك من سلطنة الكافر على المسلمة ولا سلطة لكافر على مسلمن ويشهد له ما ورد في النصوص الشرعية من بطلان زواج المسلمة من الكافر عند ارتداد الزوج المسلم فتبين منه زوجته فوراً، ولو كان للكافر احترام - كما ادّعى هؤلاء الأعلام - لما صح بطلان زواجه منها...!.  
  الشرط الخامس: الحضور؛ فلو غاب الولي رجع الولد إلى الحاكم الشرعي، وسبيله سبيل سائر الغُيَّب، ولكنْ ثمة كلام في عدِّ  الحضور من الشرائط حاصله: إن الغيبة لا تمنع من كون الأب وليَّاً على ولده إلا إذا كان غيابه طويلاً بحيث لا يمكن للأب الإتصال بولده أصلاً، أو أنه فُقد أثره، حينئذٍ يكون الحاكم العادل وليَّه.
  بقي أمران مهمَّان هما الآتي: 
  الأول: هل تعتبر العدالة في الوليّ على فرض جعل الولاية له على البكر؟
  الثاني: هل يعتبر في تصرفات الأب والجد رعاية المصلحة أو يكفي عدم المفسدة والمضرة؟
    أمَّا الأمر الأول: فقد اختلف الأصحاب في اعتبار العدالة شرطاً في الأب والجد أم لا، على قولين؛ أحدهما إيجابي والآخر سلبي:
  القول الأول: إن العدالة شرطٌ في الأب والجد، وهو المنسوب إلى ابن العلامة الحلي في كتابه إيضاح الفوائد، وقد استُدل له بوجوه:
  (الوجه الأول): أنه يستحيل في حكمة الصانع جعل الفاسق أميناً تُقْبل إقراراته وإخباراته عن الغير.
  وفيه ما يلي:
  (أولاً): إن المنافي للحكمة هو جَعْلُ من لا يبالي بالخيانة وليَّاً مطلقاً، أي: إن المستحيل على الله تعالى أن يجعل الخائن وليَّاً مطلقاً، أما إذا فرضنا تحديد الولاية بالنكاح الذي لا مفسدة فيه، فلا منافاة حينئذٍ، مع أن الأب مأمون من ذلك بملاحظة شفقته ورأفته.
  (ثانياً): صحيح أن الفاسقَ غيرُ أمينٍ فلا تقبل إقراراته وإخباراته عن غيره، وهي أمور معنوية، لكن يمكن كونه أميناً من جهة الأمور المادية نظير الأموال كما هو الغالب في الآباء بالنسبة إلى أولادهم، فإذا كان أميناً على الأموال - بالرغم من فسقه - فلِمَ لا يكون أميناً على تزويج ابنته على فرض وجود ولاية له في ذلك ؟ فالقول بالفصل غير صائبٍ.
  (ثالثاً): إن آية النبأ بمعونة الأخبار الشريفة نهت عن إخبارات الفاسق قبل التبين، وأمّا بعد التبيّن من صدق إخباراته فيما لو دلت القرائن على صدقه أو اشتهر صدقع بين الناس مع كونه فاسقاً عملاً؛ فلا مانع حينئذٍ من الأخذ بها والتعويل عليها، كما هو معلوم من خلال التدبر في آية النبأ التي اشترطت التحقق من إخبار الفاسق ولم تلغها من أساسها؛ فآية النبأ تلزم المؤمن من التثبت والتوقف حتى يتبيَّن الحال، فإذا تبينت حاله وانكشف الواقع انكشافاً عقلائياً بحيث يركن إليه العقلاء، فساعتئذٍ يجوز الركون إليه والاعتماد عليه .
 (رابعاً): صحيح أن الفاسق منحرف عملاً لا يؤمن عليه في إخباراته إلا أنه إذا كان مأموناً عن الكذب فلا مانع من إخباراته، ولا يضر كونه منحرفاً عقيدةً وفاسقاً عملاً ما دام صدوقاً، من هنا عملت الطائفة المحقَّة بإخبارات العديد من رواة الواقفية منهم:
  1ـ أبو الجارود زياد بن منذر الهمداني الخرقي الزيدي، وقد عمل برواياته العديد من الأعلام منهم المفيد رحمه الله تعالى حيث عدَّه من جملة الفقهاء الراوين عن الإمام أبي جعفر عليه السلام ممن لا طعن فيهم.
 2ـ علي بن الحسن بن علي بن فضال، فقد كان فطحياً، ولكنَّه كان موثوقاً في نقله، وقد عرّفه علماء الجرح والتعديل بأنه كوفيٌّ ثقة، كثير العلم، جيّد التصانيف غير معاندٍ وكان قريباً من أصحابنا الإمامية القائلين بالائمة الإثنى عشر، وقد صنفه بعض الرجاليين من أصحاب الإجماع المعتمد عليهم وتصحيح ما يُنقل عنهم. 
 3ـ اسماعيل بن أبي زياد المعروف بالسكوني كان عاميّ المذهب بالإتفاق إلا أنَّه كان ثقةً معتمداً بإجماع الرجاليين، وقد عملت الطائفة بروايته، وكذلك عملت بروايات غيره من ثقات العامة كحفص بن غياث؛ وغياث بن كلوب؛ ونوح بن دراج؛ على حدِّ تعبير المازندراني في منتهى الدراية في ترجمة السكوني.   
  الوجه الثاني: الأصل.
  أي أن مقتضى الأصل اعتبار العدالة في الولي ولا ولاية لفاسقٍ، بمعنى أن الاصل يقتضي عدم ثبوت ولاية الفاسق أو عدم نفوذ تصرفه في حق الغير مع الشك فيها، وذلك لأن الأصل عدم ولاية أحدٍ على أحدٍ حتى تثبت بحجةٍ معتبرة، وحيث إن ولاية الفاسق لم تثبت بحجة معتبرة، فلا ولاية له حينئذٍ، فتثبت للعادل.
  ولا يخفى ما فيه: حيث إن إطلاق النصوص ينفي شرط العدالة، لا سيَّما في إخبار الوصية حيث لم تُقيَّد بالعدالة في الوصي وكذا الموصي، فعدم اعتبار العدالة في الوصي الذي هو فرع وجود الموصي شاهدٌ على المدّعى، كما أن الظاهر من سيرة أهل الشرع استقرارها على ذلك لأنهم لا يمنعون الآباء عن التصرف في أموال أولادهم بمجرد صدور بعض المعاصي عنهم.
  وبعبارةٍ أُخرى: إن أصلَ الحكم - أي أصالة عدم العدالة في الوليّ - مأخوذٌ من سيرة العقلاء التي أمضاها الشرع، ومن الواضح أنهم لا يعتبرون العدالة في حقه.
  الوجه الثالث: إن القرآن الكريم نهى عن الركون إلى الظالم، والفاسق ظالم، فلا يجوز للأب الفاسق أن تكون له ولاية على الطفل أو البكر، قال تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) هود/114.
  وتقريب الإستدلال بالآية بأمرين:
   (الأمر الأول): ما ذكرناه آنفاً، ولكنْ بتوضيحٍ آخر هو: أن جعله تعالى الفاسق أميناً وولياً ركونٌ منه إلى الظالم مع أن الله سبحانه نهى عنه.
   (الأمر الثاني): إن العقد مع الأب الفاسق بعنوان أنه وليُّ الطفل ركون إليه وهو منهي عنه.
  ولا يخفى ما فيهما من الخدش:
  أمَّا الأمر الأول: فلأن مجرد جعله أميناً ووليَّاً كجعل شخصٍ وكيلاً ليس ركوناً إليه، مع أن الملاك غير معلوم، ولعل لركون العبد مفسدة ليست في ركون المولى، فلا يقاس العبد على الله تعالى.
  مضافاً إلى أن المراد من الركون المنهى عنه هو الركون إلى الظالمين في ظلمهم، أي لا يجوز مساعدتهم في ظلمهم، فلا يشمل عقد الأب الفاسق بعنوان أنه وليُّ الطفل أو البكر بشرط الأمن من الضرر وعدم الإجحاف بالبكر.
  وأمَّا الأمر الثاني: فلأن العقد مع الأب الفاسق بعنوان أن الله تعالى جعله وليَّاً لا يُعدُّ ركوناً من العبد إليه، فإنه كالعقد معه بما أنه مالك أو وكيل.
  مضافاً إلى ما قيل من ورود الآية في سلاطين الجور، وإن المراد بالركون الدعاء لهم بالبقاء.
  الوجه الرابع: آية النبأ (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبيّنوا) الحجرات/7، وتقريب الإستدلال بها من جهة أن جعله تعالى الفاسق أميناً تُقبل إقراراته وإخباراته عن غيره تماماً كالوجه الثالث، وعليه فلا يجوز - بحسب ها الوجه - للأب الفاسق الإعتماد عليه في إعمال الولاية على البكر أو الطفل.
  يَرِدُ عليه بالآتي:
  1- يمكن كون الفاسق أميناً من جهة الأموال والتزويج كما هو الغالب في الآباء بالنسبة إلى أولادهم حسبما أشرنا سابقاً.
  2- إن تعطيل الآية لقبول إخبارات الفاسق وإقراره على غيره لا يستلزم تعطيلها عن إقراره على نفسه وإلا لتعطلت الحدود في حال أقر ذو الحدِّ بارتكاب ما يوجب الحدَّ.
  وبعبارة أخرى: إن نهي الآية عن حجية إقرار الفاسق بحق غيره لا يستلزم عدم حجية إقراره بحق نفسه، مع أن المقام ليس من باب الإقرار وانما هو من باب التصرفات.
  وعلى فرض أن الآية نهت عن إقراره على نفسه إلا أنها لم تنهَ عن نفس تصرفاته عن غيره.
  وبعبارة أدق: إن مورد الآية الإقرار والإخبار عن غيره، وليس موردها نفس التصرفات، أي أن الكلام ليس في الإقرار والإخبارات بل في نفس التصرفات وهي خارجة عن مورد الآية المباركة.
  وأمَّا القول الثاني، أي عدم اشتراط العدالة في الوليّ، وهو قول المشهور، واستُدل على ذلك بوجوهٍ هي الآتي:
    (الوجه الأول): الأصل؛ ويراد به الأصل العملي وليس اللفظي المعبَّر عنه بأصالة الولاية أو الوجود.
  والشيخ الأنصاري أول من تمسك بالأصل العملي؛ أي أصل استصحاب عدم الردع، بعد ثبوت عدم اعتبار العدالة عند العقلاء، وعدم ثبوت ردع من الشارع الأقدس عنه، فلا يتوجه حينئذٍ الإيراد على الأنصاري بدعوى أن الأصل الذي تمسك به هو مقابل الإطلاق غير صحيح بل الأصل بالعكس، إذ مقتضاه عدم ثبوت الولاية لأحدٍ على غيره حتى تثبت بحجة معتبرة، فما لم تثبت بها فهي محكومة بالعدم، فيقال في المقام أن الأصل يقتضي عدم ثبوت ولاية الفاسق أو عدم نفوذ تصرفه في حق الغير مع الشك فيها.
  وبتوضيحٍ آخر: أن الأصل يقتضي عدم نفوذ ولاية الفاسق على الولد لأن نفوذ نكاح شخص على آخر يتوقف على دليل، ومع عدمه فالأصل يقتضي عدم نفوذه.
  وبالجملة: فإن أصالة عدم إشتراط الولاية بالعدالة إنْ رجع إلى إطلاق دليل الولاية فليس هو دليلاً برأسه في قبال الإطلاق، وإنْ رجع إلى غيره كالأصل المثبت فقد ثبت في محله أنه غير حجة، نعم إنْ أُريد بالأصل هو الأصل المقامي المعبر عنه باستصحاب عدم الردع فهو في محله، أي إنْ كان المراد بالأصل المستدل به على عدم اعتبار العدالة في ولاية الأب والجد هو الإطلاق المقامي، وإن عدم الدليل دليل العدم - أي لم يثبت ردع من الشارع لولاية الفاسق - فالتحقيق هو اعتباره في مثل المقام، لأنه مما تعم به البلوى، ولأن ولاية الأب والجد أمر شايع يعم ابتلاء الناس به، فلو كانت العدالة معتبرة في ثبوت ولايتهما كان اللازم على حجج الله عليهم السلام بيانه، وحيث لم يتعرضوا له أصلاً مع عموم البلوى بالحكم المستلزم لصدور البيان مع عدم ظهوره.
  (الوجه الثاني): إطلاق النصوص بعدم اعتبار العدالة في ولاية الأب والجد ويراد من الإطلاقات هو إطلاق أدلة الباب.
  (الوجه الثالث): فحوى الإجماع المحكي عن التذكرة للعلامة الحلي على جواز تزويج الفاسق للبنت، فقال:« الفسق لا يسلب ولاية النكاح عند علمائنا أجمع، فللفاسق أن يزوّج إبنته الصالحة البالغة بإذنها والصغيرة والمجنونة مطلقاً، فيفهم منه جواز تصرفه في ماله بالبيع والشراء ونحوه بالأولوية ».
  فتلخص مما تقدم: أنه لا يشترط العدالة في ولاية الأب والجد بحسب الأدلة الثلاثة: إطلاق النصوص، والإجماع، والأصل العملي الدال على عدم ردع الشارع عن ولاية الفسّاق على أطفالهم وأموالهم بشرط مراعاة المصلحة وعدم المفسدة كما سوف يأتي، وأما دعوى الأصل اللفظي - أي أصالة عدم ثبوت الولاية حال الشك - في مثل مقامنا فمردود، لأن مقتضى الأصل اللفظي هو عدم ثبوت الولاية لأحد على غيره حتى تثبت بحجَّةٍ معتبرة، فما لم تثبت بها فهي محكومة بالعدم، فيقال في المقام أن الاصل يقتضي عدم ثبوت ولاية للفاسق أو عدم نفوذ تصرفه في حق الغير مع الشك فيها.
  أما الأمر الثاني وهو: هل يعتبر في تصرفات الأب والجدّ في مال الصغيرين وتزويجهما وبقية التصرفات جسماً وروحاً رعاية المصلحة أو يكفي عدم المفسدة؟ فيه قولان:
   (القول الأول): وهو لمشهور المتقدِّمين والمتأخرين ومتأخري المتأخرين كاالشيخ الأنصاري والسيِّد محمَّد كاظم يزدي صاحب العروة وجُلُّ من جاء بعده من شرّاح العروة، حيث ذهبوا إلى اعتبار عدم المفسدة في صحة تزويج الأب والجدّ للصغيرين، كأن يزوجها لمن لا يلحق الضرر ببنته الصغيرة، فلا يضربها ولا يؤذيها ولا يأكل مالها ولا يسيء تربيتها؛ وهذا القول هو الأقوى عندنا.
  (القول الثاني): وهو خيرة بعض الأعلام حيث ذهبوا إلى اشتراط المصلحة؛ كأن يزوّجها لمن يرعى مصالحها، لكنَّه يلحق الضرر بها بالإساءة والإهانة.
واستدلَ المشهور لمدّعاه بوجوهٍ هي الآتي:
  (الوجه الأول): دعوى الإجماع على اعتبار عدم المفسدة في تصرفات الولي، نعم اختلفوا في الزائد عنها، وهو رعاية المصلحة.
  (الوجه الثاني): القرينة العقلية المستفادة من مناسبة الحكم والموضوع الموجبة لتقييد الأدلة بذلك - على فرض وجود إطلاق في أدلة الولاية لكنها مقيَّدةً بعدم ترتب المفسدة - بمعنى أنه يمكننا تقييد الإطلاق بما لا يضر حال ولده، فيقتصر في الأخذ من ماله بصورة حاجته واضطراره، فالقرينة العقلية تقتضي كون الغرض من تشريع الولاية وجعلها على الطفل والمجنون والسفيه هو صيانة أموالهم وأنفسهم من الضياع، وهذا الأمر العقلي القطعي يكون كالقرينة المتصلة بالكلام، أو الصالحة للقرينية المانعة من انعقاد الظهور الإطلاقي للأدلة.
  (الوجه الثالث): إن مقتضى إطلاق الأدلة هو عموم جواز التصرف للوليِّ وإنْ لم يترتب عليه مصلحة، بل يكفي عدم لزوم المفسدة فيه؛ ولا وجه لدعوى الانصراف إلى ما فيه المصلحة للصغير، إذ قد لا يكون للصغير مصلحة وإنما ترجع المصلحة للكبير نظير ما لو زوّجه بنته الصغيرة لتكون محرماً لزوجته كما يتعارف عليه الشيعة اليوم في الأقرباء لتشريع المخالطة بينهم حضراً وسفراً .
   والحاصل؛ إن الإطلاق هو المتعيَّن في لسان الأدلة؛ ونختار من هذه الإطلاقات أربع روايات:
  (الرواية الأولى): صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يحتاج إلى مال ابنه؟ قال عليه السلام:« يأكل منه ما شاء من غير سرف، وقال عليه السلام: في كتاب [الإمام] عليّ عليه السلام: إن الولد لا يأخذ من مال والده شيئاً وله أن يقع على جارية ابنه إذا لم يكن الإبن وقع عليها ». أُنظر: وسائل الشيعة ج 12 ص194 ح1/ باب 78 :حكم الأخذ من مال الولد والأب.
  فإنها صريحة في جواز احتياج الأب وتصرفه في مال ابنه بشرط عدم الإسراف، وهذا يعني عدم ترتب مفسدة في تصرفه، فيكون معنى قوله عليه السلام "من غير سرف" أي من غير ترتب مفسدة.
      وهذه الرواية مؤيدة بصحيحة أبي حمزة الثمالي عن مولانا الإمام أبي جعفر عليه السلام قال:« إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لرجلٍ: أنت ومالك لأبيك؛ ثم قال أبو جعفر عليه السلام: ما أُحبُّ أن يأخذ من مال ابنه إلا ما احتاج إليه مما لابدَّ منه إن الله لا يحب الفساد »؛ ولا فرق في ذلك بين الابن والبنت، كما لا فرق في ذلك بين المال والنكاح، باعتبار وجود ملازمة عرفية بين المال والعرض، فإذا ثبُتَت ولاية الأب في مال ابنه وبنته، ثبُتَت في العرض بطريقٍ أولى أو بنفس الملاك والمناط، ذلك لأن ولاية الأب على الابن والبنت مشروطة بالمصلحة أو عدم المفسدة، فلا يكون للأب منع البنت عن التزويج بالمرة لأن فيه الفساد، والله لا يحب الفساد، ومقتضاه عدم الفرق في ولايته على البنت بين المال والنكاح.
  وأُشكل على الاستدلال بصحيحة محمد بن مسلم لإثبات ولاية للأب بوجهين:
  أحدهما: كون رواية محمد بن مسلم في مقام بيان جهة أخلاقية معمولة بين الأب والابن، للزوم حقّه عليه باعتباره أساس وجوده، ولأجل تربيته وتحمل المشاق فيه على نفسه؛ فإنها تقتضي التصرف في ماله وأخذه منه ما شاء ولا حق للولد على والده، لأن الابن فرع الأب، ولا حقّ للفرع على الأصل، وهو ما أشار إليه النصُّ العلوي الآخر المتقدم: « إن الولد لا يأخذ من مال والده شيئاً ». فإن الأب كثر جهده في حفظه وكفالته وآثره على نفسه بكمال ملاطفته حتى بلغ ما بلغ، فإنها تقتضي التصرف في ماله وأخذه منه متى شاء وما شاء، وهذا من الأمور الوجدانية الأخلاقية التي لا ربط لها بباب الولاية التي نحن بصددها، وعلى فرض أنها مطلقة وفي مقام تأسيس ولاية للأب على الإبن بنفوذ أمره في حقه وجواز تصرفه في ماله، لكن على وجهٍ مخصوصٍ وبصورة حاجة الأب إلى مال ابنه لا مطلقاً في كلّ الحالات حتى في ولايته على الولد - ذكراً كان أو أُنثى - في النكاح.
  وبعبارةٍ أُخرى: بعد أن استدل الإمام عليه السلام بذلك ناقلاً عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "أنت ومالك لأبيك"، فلا مناص من حملها على تشريع الولاية للأب على الإبن بنفوذ أمره في حقه، فهي مطلقة في نفسها إلا أن الظاهر تقييدها بصورة حاجة الأب كما أفاد عليه السلام في رواية الحسين بن أبي العلاء قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام ما يحل للرجل من مال ولده، قال:« قوته بغير سرف إذا اضطر إليه، قال: فقلت له فقول رسول الله للرجل الذي أتاه فقدّم أباه، فقال له: أنت ومالك لأبيك، فقال: إنما جاء بأبيه إلى النبي فقال يا رسول الله هذا أبي وقد ظلمني ميراثي عن أمي فأخبره الأب أنه قد أنفقه عليه وعلى نفسه، فقال النبي: أنت ومالك لأبيك، ولم يكن عند الرجل شيء، فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحبس الأبَ للإبن ».أُنظر: الوسائل ج 12 ص 196 نفس الباب ح 8 .
  والروايةُ - إذاً - محمولةٌ على حكم إلزامي أخلاقي، موردها احتياج الأب لمال ولده، والاحتياج عنوان ثانوي اضطراري طارئ ، ولا علاقة لها بباب الولاية والسلطنة وإلا لصار كلّ محتاجٍ لمال غيره إعمال الولاية والسلطنة على الآخرين بسلب أموالهم، وعلى فرض ثبوت الولاية للأب، فإها خاصة بالأموال، وليست مطلقة من كلّ الحيثيات كولايته عليه في التزويج، وقد دلت النصوص على نفي ولاية الأب على ابنه البالغ الرشيد في التزويج.
  ثانيهما: أن صحيحة محمد بن مسلم المتقدِّمة مجملة من ناحية الولاية، ولا يجوز الإستناد إليها في الحكم إلا في المورد الذي استشهد به الإمام عليه السلام وما شابهه مما كان المتيقن منه هو ما في فعله صلاح لحال الولد لا الأخذ به مطلقاً.
  وقد ادَّعى أحد الأعلام أن مورد الروايتين - صحيحة ابن مسلم والنص النبوي المشهور - هو الأخذ من الكبير لا الصغير.
  لكنّ الإنصاف أن صحيحة محمد بن مسلم ظاهرة الدلالة على المدّعى، وأن لسانها عام يشمل الولد الكبير والصغير، وأن للوالد ولاية على الولد ما لم يدرك بالتصرف في ماله بالبيع والشراء والمضاربة ونحوها من التصرفات، وهكذا وصي الوالد، وقد أُيد ذلك بما ورد في العلل عن محمد بن سنان عن مولانا الرضا عليه السلام من أن علة تحليل مال الولد لوالده أن الولد موهوب للوالد في قوله تعالى "يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور"؛ كما أنه مؤيد بالنصوص الواردة في تقويم الأب جارية ولده الصغار ثم يصنع بها ما شاء، نظير ما ورد في صحيحة أبي الصباح الكنانيّ عن الإمام أبي عبد الله ( عليه السلام ) : في الرجل يكون لبعض ولده جارية ، وولده صغار، هل يصلح أن يطأها ؟ فقال : « يقوّمها قيمة عدل ثمّ يأخذها ، ويكون لولده عليه ثمنها » .
 والظاهر منها أنّ الوالد له التصرّف الاعتباريّ بالبيع والشراء في مال ابنه الصغير ، لكن لا بما يوجب الفساد ، فالقيمة العادلة لا غبطة فيها إلا في بعض الأحيان ولا فساد ، فتحصّل ممّا مرّ كفاية عدم المفسدة ؛ وهو ما دلت عليه صحيحة عبيد بن زرارة  عن الإمام أبي عبد الله ( عليه السلام ) وفيها:« الجدّ أولى بذلك ما لم يكن مضارّاً ».  
وقريب منها غيرها، مما ورد في موارد متفرقة ومواضع مختلفة من الفقه مثل باب الوصية بالمضاربة بمال الولد والوقف والصدقات ونحوها، مما يمكن إلغاء الخصوصية عن مواردها وتسرية الحكم إلى غيرها، بدعوى القطع بعدم الفرق بينها وبين التصرف في مال الولد بالبيع والشراء ونحوه، فللأب الولاية على الصغيرين بالتزويج أيضاً إذا كان ثمة مصلحة لهما في ذلك كأن يخاف الأب فوت الكفو لهما فيتأخر نكاحهما، وفي تأخير نكاحها من المفسدة ما لا يخفى.
إشكال وحلّ:
   مفاد الإشكال: إن دعوى المشهور في اشتراط صحة تزويج الوليّ للصغيرة ونفوذه من باب عدم المفسدة وليس من باب جلب المنفعة والمصلحة، يتعارض مع الولاية الحسبيَّة للحاكم الشرعي المبنيَّة على الغبطة والمصلحة؛ وبالتالي لماذا لا تتساوى ولاية الأب والجدّ مع ولاية المجتهد الجامع للشرائط الذي له حقّ التصرف في تزويج القصّر والتصرف بأموالهم عند عدم وجود من يرعاهم ويقوم برعايتهم..؟.
والجواب: ثمة فرقٌ بين ولاية الأب والجدّ وبين ولاية الفقيه الجامع للشرائط في الأمور الحسبية، إذ لا يشترط في ولاية الأب والجدّ أن تدور مدار المصلحة، بل الحكمة في جعلها هي المحبة والشفقة، فيكفي في إعمال ولايتهما عدم ترتب المفسدة على فعلهما، ولذا يجوز لولي الصغير الاقتراض من مال المولى عليه وبيعه إذا لم تترتب عليه مفسدة وإن لم يكن فيه مصلحة، وهذا بخلاف ولاية الحاكم فإن الحكمة في جعلها هي الغبطة والمصلحة، فلا بدَّ في إعمالها من رعاية ذلك، ولا يكفي فيه عدم ترتب المفسدة على فعله، لأن ولايته على الأمور الحسبيّة مجعولة من قبل الإمام عليه السلام، حيث يُرجع إليه في الضرورات دون المباحات التي لا ضرورة فيها، ولا ضرورة فيما لا مفسدة فيها ولا مصلحة، بل كانت مباحة، وذلك مثل كونه وارثاً لمن لا وارث له في غيبة الإمام الحجَّة القائم أرواحنا له الفداء، فإن الضرورة اقتضت رجوع المال إلى الإمام عليه السلام وولايته عليه، وهذه الولاية الحسبيَّة للفقيه موروثة من قبل الإمام عليه السلام، فالرجوع إليه يعني الرجوع إلى الإمام عليه السلام حال الغيبة المقدَّسة؛ فينحل الإشكال القائم على الخلط بين ولاية الأب وبين ولاية الحاكم المتفرعة من ولاية الإمام عليه السلام في الأمور الحسبية. 
  (الرواية الثانية): صحيحة أبي حمزة الثمالي المتقدمة التي تضمنت قوله تعالى (إن الله لا يحب الفساد) حيث إن مقتضاه عدم الفرق بين المال والنكاح، فقد أجازت الرواية أن يأخذ الأب من مال ابنه عند الحاجة والاضطرار ما لم يؤدِّ إلى مفسدة في مال الولد.
  وقد ادَّعى أحد الأعلام عموم ولاية الأب على مال الولد بالعنوان الأولي التي تعني السلطنة والهيمنة.
   يرد عليه: إنَّ الظاهر من الرواية أنها في مقام بيان حاجة الأب إلى مال ابنه، بقرينة ما أفاده الإمام أبو جعفر عليه السلام :«  ما أحبُّ أنْ يأخذ من مال ابنه إلا ما احتاج إليه مما لا بد منه »؛ وقول الإمام الكاظم عليه السلام في رواية علي بن جعفر قال : سألته عن الرجل يأكل من مال ولده ، قال : « لا ، إلا أن يضطرّ إليه ، فليأكل منه بالمعروف ، ولا يصلح للولد أن يأخذ من مال والده شيئاً إلاّ بإذن والده »؛ وهي عنوان اضطراري، فلا يمكن تعديته إلى العناوين الأولية، وعليه فلا تدل الصحيحة على عموم الولاية المدَّعاة.
  (الرواية الثالثة): صحيحة الفضل بن عبد الملك عن مولانا الإمام أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الجد إذا زوّج إبنة ابنه وكان أبوها حيَّاً، وكان الجدُّ مرضياً جاز، قلنا: فإن هوى أبو الجارية هوى، وهوى الجدّ هوى، وهما سواء في العدل والرضا؟ قال: أحبُّ إليّ أن ترضى بقول الجد ". أُنظر: الوسائل ج 14 ص 218 ح 4 باب 11 ثبوت الولاية للجد .
  وحيث إن ظاهر التقييد بقوله عليه السلام "وكان الجدُّ مرضياً" وبملاحظة مناسبات الحكم والموضوع هو اعتبار كونه مرضياً بلحاظ تصرفاته الصادرة تجاه البنت، وإلا فكونه مرضياً بالنسبة إلى سائر تصرفاته أجنبيٌ عن ولايته على البنت.
   إنْ قيل: إن مورد الصحيحة هو نفوذ تصرف الجدّ في تزويج إبنة ابنه ما لم يكن مضاراً، إذ المستفاد منه أن نكاح الجدّ ما لم يكن مضراً على البنت - كأنْ يزوجها بغير الكفو أو بما دون المهر - نافذ أمره فيها، وولايته ثابتة عليها مطلقاً سواء ترتب عليه المصلحة أم لا.
  والجواب: دلالة الرواية لا تدل على المدّعى، إذ لا ريب في أن  تزويج البنت الصغيرة بالكفو لها وبالمهر الذي هو من شأنها، فيه مصلحة للبنت، إذ لا يوجد الكفو لها في كلِّ زمانٍ ومكان، فربما يؤُول تركُ تزويجها إلى تأخير زواجها وتعويقه إلى ما يضر بحالها بحيث تبقى مجردة أو عزباء بلا كفو، ولعله لذلك جعل ولاية تزويجها للأب والجد، ومن أجل احتمال هذه الخصوصية المزبورة جعل الشارع ولاية للأب على الصغيرة لأجل أنْ لا يتأخر تزويجها، ولا تجري هذه الخصيصة في غير التزويج - لا تجري في المال - كي يلازم ثبوت ولاية الأب على المال لثبوت ولايته على التزويج، فضلاً عن ثبوتها بالأولوية. اللهم إلا أن يقال أن سلطنة الجدّ على البنت مستفادة من ولاية الجدّ على أبيها الذي هو ابنه بالتصرف في ماله ونفوذ أمره في حقه كما دلت على ذلك رواية عبيد بن زرارة عن المولى الإمام أبي عبد الله عليه السلام قال: إني لذات يوم عند زياد بن عبد الله إذ جاء رجل يستعدي على أبيه، فقال: أصلح الله الأمير أن أبي زوج ابنتي بغير إذني، فقال زياد لجلسائه الذين عنده ما تقولون فيما يقول هذا الرجل؟ فقالوا: نكاحها باطل، قال عليه السلام: ثم أقبل عليّ فقال: ما تقول يا أبا عبد الله؟ فلما سألني أقبلت على الذين أجابوه فقلت لهم: ألستم تروون أنتم عن رسول الله أن رجلاً يستعديه على أبيه في مثل هذا، فقال رسول الله: أنت ومالك لأبيك؟ قالوا: بلى، فقلت لهم: فكيف يكون هذا وهو وماله لأبيه ولا يجوز نكاحه؟ فأخذ بقولهم وترك قولي.
  هذا هو الصحيح؛ لأن من كان له ولاية على الابن وماله - سواء كانت على نحو الشفقة أو السلطنة والهيمنة - كيف لا تكون له ولاية على متعلقاته كإبنته الصغيرة مثلاً ؟.
  (الرواية الرابعة): صحيحة عبيد بن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام الجارية يريد أبوها أن يزوجها من رجلٍ ويريد جدها أن يزوجها من رجلٍ آخر، فقال: الجدُّ أولى بذلك ما لم يكن مضاراً إن لم يكن الأب زوّجها قبله...». أُنظر: الوسائل ج 14 ص 218 ح 5 .
  فإنَّ التقييد بعدم كونه مضاراً إنَّما يدل على عدم ثبوت الولاية للجدِّ إذا كان في مقام الإضرار بها، وحيث إن دليل نفي الضرر حاكم على جميع الأدلة، فإنه يقتضي نفي جعل الولاية للأب والجدّ فيما إذا كان في إنكاحهما لها ضرر على الصغيرة، وبذلك تختص ولايتهما عليها وعلى الصبي بفرض عدم المفسدة لا محالة.
  هذه الصحيحة أهم رواية يُستدل بها على صحة تصرف الأب والجدّ مع عدم المفسدة ولا يشترط المصلحة والغبطة، وهي حسن الحال والمسرّة.
  والرواية وإن كانت في الجدِّ إلا أنه يتعدى عنه إلى الأب لعدم القول بالفصل.
  الوجه الرابع: دعوى السيرة العملية المستمرة في الأولياء، فإنهم كما يلتزمون بترتيب فائدة ومصلحة دائماً على أفعالهم وأعمالهم من التصرفات المتعلقة بأموالهم بل يراعون عدم المفسدة فيها ويَقْدِمون عليها برجاء ذلك، وإنْ لم تترتب عليها مصلحةٌ، فكذلك التصرفات المربوطة بمن لهم الولاية عليه عرفاً من الذين يحسبون منهم، نعم إنهم دائماً يراعون عدم المفسدة، وهو أمر مشترك بينهم وبين أولادهم.
  الرأي المقابل للمشهور:
  ذهب جماعةٌ من الفقهاء - منهم صاحب مفتاح الكرامة وأستاذه ابن العلامة في شرح القواعد وكذا الشيخ الطوسي في المبسوط وابن إدريس في السرائر والمحقق والعلامة والشهيدان والمحقق الثاني، بل ادَّعى الفاضل الهندي في شرح الروضة أن المتقدمين عمموا الحكم باعتبار المصلحة من غير استثناء - إلى اشتراط رعاية المصلحة ولا يكفي دفع المفسدة كما هو الحال عند المشهور .
  واستدلوا على ذلك بوجهين:
  الوجه الأول: قوله تعالى (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) الانعام/153.
    فحوى الآية يدل على حرمة التصرف بأموال اليتيم إلا على جهة المصلحة، بدعوى أن لفظ "أحسن" هو ما فيه المصلحة، وهي وإنْ لم تشمل الأب - لأن اليتيم هو مَنْ فَقَد والده - ولكنّها تشمل الجدَّ، بحيث يجوز له التصرف بمال حفيده على نحو المصلحة وعدم المفسدة، فكما كان للأب صلاحية التصرف بمال ولده، فكذا الحال بالنسبة للجدِّ لعدم القول بالفصل، ثم إنه إذا ثبت ذلك في الأموال يتعدى عنها إلى المقام  وهو التزويج .
 هذا الاستدلال على اعتبار المصلحة، فيه نظر من وجوهٍ هي الآتي:
  (الوجه الأول): صحيح أن الخطاب في الآية عام يشمل الجدَّ وغيره من المكلَّفين، فلا يصح لهم الإقتراب من مال اليتيم إلا بما فيه مصلحة (بالتي هي أحسن ) ولكنَّها مصلحة مشروطة بغبطة اليتيم، - وهي تستلزم عدم المفسدة في ماله كنقصان ماله - بحيث يرجع النفع إلى الطفل اليتيم دون المتصرف فيه، ولا فرق في ذلك بين الأب والجدّ، فلا يجوز للوليّ التصرف في مال الطفل إلا بما يكون فيه صلاح المال ويعود نفعه إلى الطفل دون المتصرف فيه وهو ما يقتضيه أُصول المذهب الحقّ على حدّ تعبير ابن إدريس في السرائر، من هنا صرح في محكي المبسوط فقال:" ومن يلي أمر الصغير والمجنون خمسة: الأب والجد ووصي الأب والجد والحاكم ومن يأمره، ثم قال: وكل هؤلاء الخمسة لا يصح تصرفهم إلا على وجه الاحتياط والحظ للصغير لأنهم نُصِّبوا لذلك، فإذا تصرف فيه على وجهٍ لا حظَّ فيه، كان باطلاً، لأنه خلاف ما نصب له". انتهى.
 وكلام الطوسي وابن إدريس في اشتراطهما المصلحة في مال الطفل على عامة الأولياء حتى الأب والجد، مبنيٌ على القول الثاني في المسألة إلا أن المشهور عكس ذلك وهو أنه لا يشترط في صحة تصرفهما بمال الطفل المصلحة بل يكفي عدم المفسدة، وبهذا التفصيل نكون قد خرجنا عن التقيد بالمشهور المبني على عدم المفسدة في تصرف غير الأب والجد باعتبار أن عدم المفسدة لا تنطبق على مفهوم ( إلا بالتي هي أحسن) الذي يراد منه النفع الراجع إلى الطفل وهو المصلحة قطعاً.
  (الوجه الثاني): أن القول بعدم الفصل بين الأب والجدّ غير محرز؛ إذ إن حكم الجدّ مغاير لحكم الأب من حيثية التصرف بمال الصغير، فالجد يشارك بقية المكلّفين في مسألة الضمان لو اتجر بمال الطفل على تقدير الإعسار أو التلف تماماً كما يضمن غيره لو اتجر بمال اليتيم فتلف المال فإنه ضامن، بخلاف الأب فإنه لا يضمن لو اقترض من مال ولده وتاجر به ثم أُعسِر فلا ضمان عليه، وبالتالي لا وجه لدعوى عدم القول بالفصل .
  (الوجه الثالث): سلّمنا بثبوت دلالة الآية على جواز التصرف بمال الصغير لمصلحة راجعة إليه، لكن لا وجه للتعدي من المال إلى التزويج مع أن أكثر الفقهاء قالوا بالفصل.
  (رابعاً): إن المراد من لفظ "أحسن" في الآية ليس مسوقاً لبيان إفادة معنى التفضيل كما يساعد عليه العرف، فهو بمعنى الحسن الذي هو عبارة عما لا حرج فيه، وهذا المعنى يتم مع عدم المفسدة ولا يستلزم وجود المصلحة، وهذا نظير قوله تعالى "وجادلهم بالتي هي أحسن" "وأولوا الأرحام بعضهم أولي بعض في كتاب الله" في أن المعتبر في أمثال تلك القضايا هو التلبس بصرف المبدأ لا التفضيل.
  فالمقصود من قوله تعالى (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) المعاملة الحسنة والتصرف الذي فيه حُسن، ويكفي في حُسن التصرف أن لا يكون فيه مفسدة على اليتيم وهو ما تبانى عليه العقلاء بأنْ يكون التصرف بداعٍ عقلائي كي لا يكون عبثاً وإنْ لم يحصل له نفع زائد على ماله، وهذا المقدار من الحسن يكفي في جواز التصرف.
  وبالجملة: فإن لفظ "أحسن" ليس صيغة تفضيل بل وصف للفعل الذي لا يترتب عليه مفسدة نظير الواقع في الآيات المذكورة آنفاً.
  الوجه الثاني: الأصل، فإنه إذا لم يكن لأدلة الولاية إطلاق، لا بدّ من الإقتصار على المتيقن، وهو الولاية على التصرف الذي فيه المصلحة، ففي غير مورد المصلحة يقتضي الرجوع إلى الأصل، وهو عدم ثبوت الولاية، أو عدم نفوذ تصرف الأب والجد في غير مورد المصلحة.
  ويرد عليه: إن مقتضى الإطلاق في أدلة الولاية هو عدم اعتبار المصلحة حسبما ذكرنا سابقاً، أضف إليه بناء العقلاء على ثبوت الولاية مع عدم المفسدة، ولم يردع الشارع المقدس عن ذلك.
  زبدة المخض:
  إن للأب والجد ولاية الحفظ والتصرف بتزويج الصغيرين بشرط عدم المفسدة، وكذا له ولاية على أموالهما للإطلاقات والخصوصات الواردة في المقام؛ مضافاً إلى دعوى الإجماع عليه. 
 
  المطلب الثالث: لو تقارن عقد الأب مع عقد الجد.
   وقبل بيان المطلب لا بدّ من توضيح أمرٍ مفاده: هل أن الأب والجد يشتركان في الولاية أو أن لكلِّ واحدٍ منهما ولاية مستقلة، وبالتالي لا تلازم بينهما؟.
  فيه رأيان:
   (القول الأول): الإشتراك، ويلزم على هذا القول عدم صحة إذن أحدهما بدون الآخر، إلا إذا قلنا أن ولاية الجد أقوى من ولاية الأب مع اشتراكهما في الولاية وهو الأقوى. وقد مال إليه ثلة من المحققين المتقدمين أمثال: أبي يعلى حمزة بن عبد العزيز اليلمي الملقب بسلار في المراسم العلوية؛ مقدِّماً اختيار الجدّ على اختيار الأب وأمضى منه؛ القاضي ابن البراج الطرابلسي في المهذب؛ وهبة الله الراوندي في فقه القرآن؛ ومال إليه حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي في غنية النزوع، جاعلاً الأولوية للجدِّ في حال اختيار الجدّ؛ ومحمد بن علي بن حمزة الطوسي المعروف بابن حمزة في الوسيلة إلى نيل الفضيلة؛ والصهرشتي في إصباح الشيعة بمصباح الشريعة؛ وابن بابويه القمي الملقب بالصدوق في المقنع؛ حيث اشترط إذن الجد لأنه ليس للإبن مع أبيه أمر؛ وكذلك فعل في كتابه الآخر الموسوم بـ" الهداية بالخير "؛ والمفيد في المقنعة، حيث جعل الاختيار للجد؛ والمرتضى في الانتصار اختار رأي أُستاذه المفيد؛ والطوسي في النهاية؛ والبحراني في الحدائق .
  (القول الثاني): إن كلاً من الأب والجد مستقل في الولاية فلا يلزم الإشتراك فيها ولا الاستئذان من الآخر في إعمالها، فأيهما سبق ( مع مراعاة ما يجب مراعاته ) لم يبق محل للآخر؛ وادّعى بعض المتأخرين عليه الإجماع، وهي دعوى مجافية للحقيقة بحسب تتبعنا لأقوال المتقدمين والمتأخرين؛ وهو مختار ثلة من الفقهاء المتقدمين أمثال:  أبي الصلاح الحلبي في الكافي إلا أنه اشترط الأولوية والأفضلية للجدِّ، ويصح لكلّ واحدٍ منهما أن يعقد من دون إذن صاحبه؛ كما أنه مختار ثلة من متأخري المتأخرين كصاحب العروة وجُلُّ من شرح عبارته في العروة الوثقى.
  أدلة القول الأول: اشتراك الأب والجدّ في الولاية.
  ونستدل عليه بثلاثة وجوهٍ هي الآتي: 
  (الوجه الأول): ما دل على أن  أن الجدَّ وإن علا يشارك الأب في الحكم بدلالة أن الشخص وماله - الذي منه مال ابنه - لأبيه، وما دل على أن الولد ووالده لجدِّه.
    بالإضافة إلى ما نفهمه من قوله عليه السلام: "أنت ومالك لأبيك" إن للأب ولايةً حقيقيةً على نفس الولد، لا أن الولد وماله مطلقاً ولو كان حكمياً فهو لوالده كما لا يخفى، فإن للجدِّ ولاية الطاعة على الابن  وولاية أخرى على ماله، بمعنى أن الولاية الأولى على نفس الولاية الثانية تفيد أقوائية رأي الوالد على ولده، مما يعني الاشتراك بالولاية.
  دعوى غير صحيحة:
  إدّعى الميرزا محمد تقي الفاني المجلسي في كتابه " ولاية الأولياء ص38 ": بأن ما استدل به المشهور على الاشتراك بما دل من أن الولد ووالده لجده لم نقف فيه على دليل بهذا المضمون".
  هذه الدعوى غير صحيحة، وذلك لأن رواية الحميري في قرب الإسناد واضحة المعالم لإثبات ما ذكره المشهور، والرواية هي من طريق علي بن جعفر عن أخيه الإمام موسى الكاظم عليه السلام قال:« سألته عن رجلٍ أتاه رجلان يخطبان إبنته، فهوى جده أن يزوج أحدهما، وهوى أبوها الآخر، أيهما أحق أن ينكح؟ قال: الذي هو الجد أحق بالجارية لأنها وأباها للجد ».
  (الوجه الثاني): ما دل على حكم الإمام عليه السلام بنفوذ نكاح الجد وإمضائه على صغيرة إبنه بدون إذن الولد الذي هو أبوها معللاً بأن البنت وأباها للجد، وقد استشهد به الإمام أبو عبد الله عليه السلام على ما في صحيحة عبيد بن زرارة عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام قال:« إني لذات يوم عند زياد بن عبد الله اذجاء رجل يستعدي على أبيه فقال: أصلح الله الأمير أن أبي زوّج ابنتي بغير إذني، فقال زياد لجلسائه الذي عنده ما تقولون فيما قال هذا الرجل فقالوا نكاحه باطل، قال ثم أقبل عليَّ فقال: ما تقول يا أبا عبد الله ؟ فلما سألني أقبلت قال الذين أجابوه فقلت لهم أليس فيما تروون انتم عن رسول الله صلى الله عليه وآله أن رجلا جاء يستعد به على أبيه في مثل هذا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله أنت ومالك لأبيك فقالوا بل فقلت لهم يكون هذا هو وماله لأبيه ولا يجوز نكاحه قال: فأخذ بقولهم وترك قولي ».
 (الوجه الثالث): إن الظاهر من استدلال الإمام الكاظم عليه السلام في صحيحة علي بن جعفر  من كون أمر النكاح بيد الجدّ مع حياة الأب هو أن كلّ ما هو ثابت للولد من الولاية على ولده فهو ثابت لوالده أي الجدّ سواءٌ ذلك في النكاح أو غيره، فيستفاد منه حكمٌ كليٌّ عام وهو إن الولد وماله فهو لوالده ومنه الولاية الثابتة له على ولده بعنوان الأبوة بخلاف الأحكام الثابتة له بعنوان آخر مثل الفقاهة والعدالة والقضاوة، فبناءً على هذا؛ فإن الجدَّ يشارك الأب في ولايته على ولده مطلقاً إلا ما استثناه الدليل. 
  أدلة القول الثاني: استقلال كلٍّ من الأب والجدّ في الولاية.
  لقد استدل أصحاب هذا الرأي على استقلال كلٍّ من الأب والجدّ في الولاية بوجهين هما الآتي:
  (الوجه الأول): إطلاق النصوص الدال على استقلال كل واحدٍ منهما. 
   لقد اعتمد هذا الفريق على جملةٍ من النصوص منها:
  (الخبرالأول): صحيحة عبيد بن زرارة « قلت للإمام الصادق ( عليه السلام ) : الجارية يريد أبوها أن يزوجها من رجل ويريد جدها أن يزوجها من رجل آخر ؟ فقال ( عليه السلام ) : الجدُّ أولى بذلك ما لم يكن مضاراً إن لم يكن الأب زوجها قبله ويجوز عليها تزويج الأب والجد » .
  (الخبر الثاني):صحيحة هشام بن سالم عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : « إذا زوج الأب والجد فإن التزويج للأول، فإن كانا جميعاً في حال واحدة ، فالجدّ أولى ».
 وقد ادَّعى أصحاب القول بالاستقلال بأن الروايتين المتقدمتين تدلان على استقلال الأب عن الجد في الولاية في حال تقدم الأب على الجد في حال عدم تقارنهما، وأمَّا في حال تقارنهما فالأولى هو الجد؛ ما يعني استقلالهما في الولاية.
   يرد على الاستدلال المذكور بوجهين:
  (الوجه الأول): أن هذين النصين لا يفيدان الإستقلالية بالعنوان الأولي إلا إذا كانا في العدل والرضا سواء بحيث يكون اختيار الأب موافقاً لاختيار الجدِّ، فما انتخبه الأب عين ما أراده الجدّ من حيث دفع المفسدة أو المصلحة للبنت؛ وهو عين القول بل بالإشتراك على نحو الترتب ما داما سواء في العدل والرضا.
 (الوجه الثاني): وعلى فرض التسليم بإطلاق الاستقلال فيهما، فإن ثمة أخباراً تقيدهما كخبر عبيد بن زرارة الوارد في نفس الباب من الوسائل ح5 وهو الآتي:
   ما رواه المحدّث محمد بن الحسن الحر العاملي عن الكافي بإسناده عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن أبي المغرا عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال إني لذات يوم عند زياد بن عبيد الله الحارثي إذ جاء رجل يستعدي على أبيه فقال :« أصلح الله الأمير إن أبي زوج ابنتي بغير إذني فقال زياد لجلسائه الذين عنده: ما تقولون فيما يقول هذا الرجل ؟ قالوا نكاحه باطل ، قال : ثمَّ أقبل علي فقال ما تقول يا با عبد الله ؟ فلما سألني أقبلت على الذين أجابوه فقلت لهم أليس فيما تروون أنتم عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن رجلا جاء يستعديه على أبيه في مثل هذا فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنت ومالك لأبيك ؟ قالوا بلى فقلت لهم فكيف يكون هذا وهو وماله لأبيه ولا يجوز نكاحه عليه قال فأخذ بقولهم وترك قولي».
  هذه الصحيحة واضحة الدلالة في تقديم قول الجد على الأب، فهو دال على أن الجد زوّج ابنة ابنه بدون إذنه، وكذا الحال في صحيحة علي بن جعفر الدال على أن هوى الجد أولى من هوى الأب ؛ كل ذلك مشروط بكونهما في العدل والرضا سواء وإلا فإن الولاية لمن كان راضياً مرضياً بحق البنت الصغيرة أو البكر على فرض التسليم بوجود ولاية عليها. 
 (الوجه الثالث): إن الأخبار المطلقة التي ادعاها البعض على الإستقلالية متعارضة مع الأخبار الدالة على التشريك الواردة في نفس الباب من الوسائل ج 14 باب 11 ثبوت الولاية للجد كالخبر السابع وهو الخبر الثاني لعبيد بن زرارة أيضاً، وكذا الخبر الرابع وهو صحيحة الفضل بن عبد الملك لا سيما قوله عليه السلام: "وهما سواء في العدل والرضا" أي الأب والجد متساويين في الولاية؛ والخبران هما الآتي:
(الأول): بإسناد الحر العاملي عن الحسين بن سعيد ، عن النضر بن سويد ، عن القاسم بن سليمان ، عن عبيد بن زرارة ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال :" إذا زوج الرجل ابنة ابنه فهو جائز على ابنه ، قال : ولابنه أيضا أن يزوجها ، فان هوى أبوها رجلا وجدها رجلا فالجد أولى بنكاحها ".
 (الثاني): عن حميد بن زياد ، عن الحسن بن محمد ، عن جعفر بن سماعة ، عن أبان عن الفضل بن عبد الملك ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال :" إن الجد إذا زوج ابنة ابنه وكان أبوها حيا وكان الجد مرضيا جاز ، قلنا : فان هوى أبو الجارية هوى ، وهوى الجد هوى وهما سواء في العدل والرضا ، قال : أحب إلى أن ترضى بقول الجد" .
 (الوجه الرابع): إن أخبار استقلال الأب عن الجدّ متوافقة مع أخبار المخالفين الذين جعلوا الأب أولى من الجدّ بمعنى أن الجدَّ لا ولاية له مع وجود الأب، لأن الأب يتولّى بنفسه، والجدّ يتولّى بواسطة الأب، وعورض دليلهم بأن للجدّ ولاية على الأب لوجوب طاعته وامتثال أمره، فيكون أولى.
  وبالجملة: الصحيح ما قاله المشهور وهو اشتراك الأب مع الجد في الولاية وهو الأقوى، والأولوية للجد في كلّ الحالات إلا إذا كان اختياره غير مرضيٍّ وهو ما عبرت عنه الأخبار "بأنه أولى" و " الجد أولى بذلك ما لم يكن مضاراً ".
   ويتفرع على ذلك : ما لو بادر كلٌ منهما وعقد على شخص غير مَنْ عقد عليه الآخر مع علم صاحبه أو غير علمه، فإنه يقدم عقد السابق منهما أباً كان أو جداً، نعم ولاية الجد أقوى بمقتضى دلالة الأخبار الدالة على  أولوية الجدّ على الأب  بالشرط الذي أشرنا إليه أعلاه.
  وهكذا فيما لو بادر كلٌ منهما وعقد على زوج غير الآخر من غير علم صاحبه أو مع علمه واتفق العقدان في وقت واحد كأن اقترن قبولهما معاً، قُدم عقد الجد في هذه الصورة أيضاً...وإليكم التفصيل الآتي:
  أدلة تقديم عقد الجد مع الإقتران:
  الأولى تقديم عقد الجد على عقد الأب مع الإقتران، وكذا إذا جُهل التاريخان، وأما إذا علم تاريخ أحدهما دون الآخر، فإن كان المعلوم تاريخ عقد الجد قُدّم أيضاً، وإن كان المعلوم تاريخ عقد الأب احتمل تقدمه لأصالة عدم وقوع العقد من الجد إلى حين وقوع العقد من الأب فيحكم بصحته لعدم المعارض، لكن الأظهر تقديم عقد الجد لأن المستفاد من خبر عبيد بن زرارة أولوية الجد ما لم يكن الأب زوّجها قبله، فشرط تقديم عقد الأب كونه سابقاً، في هذه الحالة فقط يقدّم الأب.
  والأدلة على تقديم عقد الجد على الأب مع الإقتران هي الأخبار منها:
  (الأول): صحيحة عُبيد بن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام الجارية يريد أبوها أن يزوّجها من رجل، ويريد جدها أن يزوّجها من رجل آخر، فقال: الجد أولى بذلك بذلك ما لم يكن مضاراً إن لم يكن الأب زوّجها قبله، ويجوز عليها تزويج الأب والجد.
  (الثاني): في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: إذا زوّج الرجل إبنة إبنه فهو جائز على إبنه، ولإبنه أيضاً أن يزوّجها، فقلت: فإن هوى أبوها رجلاً، وجدُّها رجلاً؟ قال: الجدُّ أولى بنكاحها.
 (الثالث): صحيحة عبيد بن زرارة عن المولى أبي أبي عبد الله عليه السلام قال:« كنت يوماً عند زياد بن عبيد الله الحارثي ...». وقد تقدمت سابقاً؛ فلا نعيد.
دعوى في تضعيف سهل بن زياد:
  قيل بضعف الرواية المتقدمة لوقوع سهل بن زياد في السند، ولكنّه مردود؛ وذلك لأن سهلاً واقعٌ في أسانيد الكليني الذي أكثر من الرواية عنه مع كثرة احتياطه في أخذ الرواية واحترازه عن المتهمين؛ مضافاً إلى كون سهل بن زياد كثير الرواية، ورواياته مقبولة مفتيٌّ بها؛ ويظهر من خطبة كتابه" أصول الكافي" بأنه جمع رواياته من الآثار الصحيحة عن الصادقين عليهم السلام، وهي شهادة منه ترتقي إلى صحة ما وصله من الأسانيد في كتابه الجليل" الكافي " إلا ما دل عليه الدليل القطعي على ضعفه وعدم الاعتداد به، وليس منه ما رواه عن سهل.
 ومنشأ تضعيف سهل بن زياد هو حكاية أحمد بن محمد بن عيسى الذي شهد على سهل بالغلو والكذب ونهى الناس عن السماع منه والرواية عنه وأخرجه من قم إلى الري وكان يسكنها، ومن المعلوم أن علماء قم يومذاك كانوا يخرجون الراوي منها لمجرد توهم الريب، وهذا مما يضعّف التضعيف ويقوّي التوثيق عند المنصف المتأمل لا سيّما المطلع على حال أحمد بن عيسى وما فعله بالبرقي؛ والظاهر لنا أن جلُّ من ضعفه من العلماء إنّضما كان بسبب تضعيف احمد بن عيسى له، وكأنهم قلدوا الرجل المذكور في تضعيفاته وجعلوها مناطاً وملاكاً للجرج بسهل بن زياد؛ والاعتماد على شهادة أحمد بن عيسى في تضعيف سهلٍ مجافية للحقيقة وذلك لأن الاعتماد على ابن عيسى يوقعنا في ورطة تضعيفه للبرقي الذي تسالم الأصحاب على وثاقته، وبالتالي كيف يمكن المصير إلى قبول تضعيف ابن عيسى لسهل بن الزياد مع ما في تضعيفه من الوهن والريب..؟!.
  ومما يضعف دعوى التضعيف: أن المشايخ العظام نقلوا عنه كالكليني والصدوق والشيخ المفيد نقل عنه كثيراً في كتبه وكذلك الشيخ الطوسي ، مع أن الشيخ كثيراً ما يذكرضعف الحديث بجماعة ولم يتفق في سائر كتبه أن طرح الخبر بسهل بن زياد؛ مع أنَّه ضعفّه في الفهرست ولكنّه قواه في في رجاله واعتبره ثقةً، ورُدَّ تضعيفُ الشيخ الطوسي له في الفهرست بحكومة توثيقه في رجاله المتأخر عن الفهرست؛ وحاكمية كتاب الرجال على الفهرست لتأخر الرجال عن الفهرست في التصنيف، كافية في توثيق الطوسي لسهل بن زياد وكاشفة عن أنه تبيَّن له عند تصنيف كتابه الرجال ما لم يكن متبيناً لديه عند تصنيفه للفهرست، وعدَّه من أصحاب الإمامين الجواد والهادي عليهما السلام؛ وقد وثقه جُلُّ من ترجم له. وعلى فرض التسليم بضعفه، فإن رواياته مجبورة بعمل الأصحاب بها.
 وجلُّ من ضعفه نقل عنه واعتبروا رواياته معمول بها؛ ومنهم العلامة الحلي في المعتبر؛ والنجاشي وابن الغضائري وإن ضعفاه إلا أن تضعيفهما له اجتهاد منهما، فلا يصح الاعتماد عليهما في مقابل تصحيح عمل الطائفة بروايته، وهو يرجح كفة التضعيف؛ وعلماء الرجال لا يعتنون كثيراً بتضعيفات ابن الغضائري لأنه يضعف القوي ويقوي الضعيف فلم يبقَ لنا وثوق بتضعيفاته لخروجها عن الحدّ ولم يسلم أحدٌ من غمزه؛ وأمّا تضعيف النجاشي فمردود لأنه لم يضعف الرجل نفسه بل ضعف حديثه، وناقلاً عن أحمد بن عيسى مقالته بحق سهل، والنقل في جرح الرواة ليس حجة شرعية باعتباره من السماع الذي يُسأل عنه الجارح يوم القيامة بمقتضى قوله تعالى( إن السمع والبصر والفؤاد كلُّ أولئك كان عنه مسؤولاً)؛ فلم يبقَ شيءٌ من دعاوى المضعفين لسهل يمكن التعويل عليه، مع وضوح إطباق جماعة كثيرة من فحول أصحابنا على الرواية عنه الكاشفة عن كونه معتمداً عندهم سيَّما مثل الشيخان والصدوق وابن قولويه وغيرهم وظاهر الكليني كونه من مشايخه لوقوع روايته عنه في الكافي بغير واسطة في موارد عديدة . 
 بالإضافة إلى أن الكتاب المنسوب إليه ومسائله التي سألها من الإمامين الهادي والعسكري عليهما السلام - وقد ذكرها المشايخ لا سيما الصدوق - ليس فيها شيء يدل على ضعفٍ في النقل أو غلوّ في الاعتقاد.
  (الرابع): صحيحة هشام ومحمد بن حكيم عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام قال:« إذا زوّج الأب والجد كان التزويج للأول، فإن كانا جميعاً في حال واحدة فالجد أولى».
  (الخامس): ما رواه في الكافي والتهذيب في الصحيح عن الفضل بن عبد الملك عن الإمام الصادق عليه السلام قال: إن الجد إذا زوّج إبنة إبنه وكان أبوها حياً وكان الجد مرضياً جاز، قلنا:فإن هوى أبو الجارية هوى، وهوى الجدّ هوى، وهما سواء في العدل والرضا، قال : أحبّ إليَّ أن ترضى بقول الجدِّ .
  (السادس): ما رواه الحميري في قرب الإسناد عن علي بن جعفر عن أخيه الإمام موسى عليه السلام قال: سألته عن رجل أتاه رجلان يخطبان ابنته فهوى أن يزوج أحدهما وهوى أبوه الآخر ،
أيهما أحق أن ينكح ؟ قال : الذي هوى الجد أحق بالجارية لأنها وأباها للجد .
    قال صاحب الحدائق رحمه الله: [وهذه الأخبار على تعددها قد اشتركت في الدلالة على أولوية الجدّ وأنه ينبغي للأب وكذا الجارية الرضا بمن اختاره الجد، ولا يتقدم واحد منهما في الإختيار عليه، كل ذلك على جهة الفضيلة والإستحباب، وأما مع إقتران العقدين على الوجه الذي قدمناه، فإنه يقدم عقد الجد كما تضمنته صحيحة هشام بن سالم ومحمد بن حكيم، وخالفنا العامة في هذا الحكم، فجعلوا الأب أولى من الجد على معنى أن الجد لا ولاية له مع وجود الأب، لأن الأب يتولى بنفسه، والجد يتولى بواسطة الأب، وعورض دليلهم بأن للجد ولاية على الأب لوجوب طاعته وامتثال أمره فيكون أولى، من هنا تضمن خبر عبيد بن زرارة الثاني إفتاء علماء العامة للوالي ببطلان نكاح الجد، وموافقة الوالي لهم وإعراضه عن فتوى الإمام عليه السلام مع اعترافهم بالحديث الذي ألزمهم به، كل ذلك عناداً للحق.
  إذا عرفت ذلك فاعلم أن المتبادر من الأخبار المتقدمة هو أن المراد بالأب فيها هو الذي تولدت تلك الجارية من صلبه بلا واسطة، والمتبادر من الجد فيها هو الأب لهذا الأب المذكور، وهل يتعدى الحكم هنا إلى أب الجد وجد الجد وإن علا مع الأب أو هو مَنْ أدنى منه حتى يكون أبا الجد أولى من الجد وجد الجد أولى من الجد؟! ].
هنا فرعان:
   الفرع الأول: لو تشاح(1) الجدُّ الأسفل والأعلى هل يجري عليهما حكم الأب والجد أو لا؟ وجهان:
  الأول: للمشهور وهو شمولهما لحكم الأب والجد.
  الثاني: عدم الشمول؛ واختاره صاحب العروة، موافقاً لصاحب المسالك.
    استدل أصحاب الرأي الثاني بأمرين: (أحدهما): أن أب الجدّ وجد الجدّ لا يصدق عليه إسم الأب إلاّ مجازاً، و (ثانيهما): إن عدم إقامة جد الجد مقام الأب مع الجد أقوى لفقدان النص الموجب لإشتراك جد الجدّ مع الأب والجد في الولاية.
  وإليك ما قاله صاحب المسالك رحمه الله تعالى:
  (... في المسألة وجهان: من زيادة البعد ووجود العلة ويقوى تقديم الجد وإن علا على الأب، فيقدم عقده مع الإقتران الشمول النص له، فإن الجد وإنْ علا يشمله إسم الجد، لأنه مقول على الأعلى والأدنى بالتواطؤ.
  وأما إقامة الجد مع أبيه مقام الأب مع الجد فعدمه أقوى لفقد النص الموجب له مع إشتراكهما في الولاية، وإن الجد لا يصدق عليه إسم الأب إلاّ مجازاً كما أسلفنا فلا يتناوله النص، ومن جعله إسم الأب إلاّ مجازاً كما أسلفنا فلا يتناوله النص، ومن جعله أباً حقيقةً كما ذهب إليه جمع من الأصحاب يلزمه تعدي الحكم إليه...). انتهى كلامه.
  والخلاصة: إن النصوص الواردة في المقام بحسب زعم هذا الفريق ـ وإن كانت تختص بالأب والجد، غير أن مقتضى عموم التعليل المذكور في روايتي عبيد بن زرارة الدالة على إفتاء علماء العامة ببطلان نكاح الجد، وصحيحة علي بن جعفر، هو التعدي إلى الجدِّ الأسفل مع الجدّ الأعلى، فتدلان على ثبوت الحكم للجدين الأسفل والأعلى معاً.
   بالإضافة إلى ذلك: إن الجد يطلق عليه الأب حقيقةً، كما يطلق الإبن على ابن إبنه وإن سفل حقيقةً، ويشهد له الإطلاق في الآيات الدالة على حرمة تزويج الجدِّ وجدّ الجدّ وإنْ علا لحلائل أولاد الأولاد، كما يحرم على أولاد الأب أن يتزوجوا حلائل الجدود وإن علو، فيكون الأجداد بمثابة الآباء في حرمة تزويج حلائلهم والعكس مثله.
  فلولا صدق الإطلاق حقيقةً لما جاز ترتب الأحكام الشرعية المذكورة في جملة هذه الآية ونظائرها كالآيتين 84-85 من سورة الأنعام قال تعالى(وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) (وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ)؛ حيث جعلت هاتان الآيتان النبيَّ عيسى عليه السلام من ذرية النبيِّ نوح عليه السلام مع أن النبيَّ عيسى عليه السلام لا أب له، بل هو ابن مريم عليها السلام التي هي بنت نوح عليه السلام مع تعدد الوسائط بينها وبين النبي نوح عليه السلام، وهكذا الحال بالنسبة إلى النبي يعقوب عليه السلام وأولاده الذين خاطبوه بكونه ابن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام مع أنه ابن اسحاق عليه السلام وإبراهيم عليه السلام جده، فالجد بمثابة الأب حقيقةً، فقال تعالى حاكياً عما قاله أولاده:(أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ).
  فالآيات القرآنية أقوى حجة في صدق الولد شرعاً على ولد البنت والإبن، وصدق الأب على الجد، ولذلك ترتبت الأحكام الشرعية عليها، والأحكام الشرعية لا تترتب إلا على المعنى الحقيقي للفظ دون المجازي المستعار الذي قد يعتبر وقد لا يعتبر.
  فلمّا صَدق إطلاق الأب على الجد مع فقدان الأب، حينئذٍ يقدم عقد الأعلى في الصورة التي فرضها الشهيد الثاني.
  ويمكننا القول أيضاً: صحيح أن الوارد في لسان الدليل هو الجد والأب وهو يصدق على الأعلى مع الأب، وقد لا يصدق ذلك العنوان عند فقدان الأب - حسب دعوى الشهيد الثاني العاملي - وبقي الجدان الأول والثاني، فلا يصدق عليهما الأب والجد بالنسبة إلى البنت وإنْ كان صادقاً بالنسبة إلى أنفسهما، لكنّ عموم قول الرسول في رواية عبيد بن زرارة "أنت ومالك لأبيك" ومثله خبر علي بن جعفر، يُعامل مع الجدين معاملة الجد والأب.
    ودعوى الشهيد الثاني بأنه يلزم من معاملة الجدين معاملة الجد والأب الترجيح بلا مرجّح وهو مستحيل- أي أن معاملة الجد الأدنى معاملة الأب، والجد الأعلى معاملة الجد يعتبر ترجيحاً بلا مرجح وهو مستحيل وذلك لتساويهما في الجدودة فلا وجه لمعاملتهما معاملة الأب والجدِّ- مردودة؛ وذلك لصحة إطلاق القرآن الكريم لفظ الجدّ على الأب ونسب الإبن إلى الجد مع وجود وسائط بين الحفيد والجد؛ فإطلاق الابن على ابن إبنه وإنْ سفل هو من الإطلاق الحقيقي لا المجازي كما ادَّعى الشهيد الثاني أعلى الله مقامه.
  وعلى فرض أن الجدَّين يبقيان على الجدودة دون تنزيل الجد الأدنى منزلة الأب، والجد الأعلى منزلة الجد، فهما جدّان بدون التنزيل المذكور، وتثبت لهما الولاية على نحو الأسبقية، فمن يسبق بالإذن تكون له الولاية على الصغيرة والكبيرة بحدودٍ خاصة لا مطلقاً لقوله عليه السلام" أنت ومالك لأبيك"، لصدق الجدودة على الجميع مع وجود الأب، فإنه يقتضي عدم اختصاص الحكم بالأب بلا واسطة مع الجد، ويقتضي أيضاً عموم الحكم للجد الأسفل مع الجد الأعلى، فإن الأب وماله للجد لكونه بمنزلة الأب حقيقةً كما أشرنا أعلاه، فيثبت المطلوب؛ والله العالم.
 الفرع الثاني: إذا فُقِدَ الأب وبقي الجدُّ، فهل يقوم أبوه أو جدُّه مقامه في المشاركة أو أن الولاية خاصة به ؟.
في المسألة قولان: (أحدهما) شمول الحكم للجميع، فأبو الجدّ يقوم مقام الجد الأول؛ و(ثانيهما) عدم الشمول بل الولاية خاصة بالجدِّ الأول فقط.
   (دليل القول الأول): وقد استدل أصحابه عليه بظاهر ما روي من أن الولد ووالده لجدّه، وهو المحكي عن ظاهر جماعة.
  (دليل القول الثاني): وقد استدل أصحابه عليه بقوله تعالى( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكلِّ شيءٍ عليم) الأنفال 75؛ بتقريب أن القريب أولى من قريبه البعيد، فنفى ولاية البعيد، وخرج منه القريب وهما الجد مع الأب، وبقي الباقي.
 وبعبارةٍ أُخرى: إن القريب هنا ممن له الولاية هو أبو الميت الذي هو الجدّ الأوّل للطفل ، فإنّه أقرب إلى الطفل من جدّ الميت الذي هو الجدّ الثاني للطفل؛ فخرج منها الجدُّ مع الأب باعتبارهما قريبين، وبقي الباقي وهم الأباعد؛ أي: سائر الجدود - وهو أبو الجدّ وجدّ الجدّ لأنّ القريب إلى المولَّى عليه هو الجدّ الأدنى لا سائر الجدود - فلا ولاية لهم بمقتضى الآية؛ ،. وهو المحكي عن جامع المقاصد والمسالك والنافع والشرائع. 
   الظاهر من النصوص هو الأول؛ وذلك بقرينة الإطلاق الموجود فيها، والتقييد يحتاج إلى قرينة واضحة وهي مفقودة في البين، وتخصيص البعض بالجد الأول لا يخلو من تكلف، لا يصح تقديمه على الإطلاق المستبطن من داخل النصوص، فالعدول عنه يعني العدول عن الملاك الموجود في جملة من النصوص الشاملة للمقام. 
  وبعبارةٍ أُخرى: إن قوله عليه السلام " أنت ومالك لأبيك" بقرينة قوله عليه السلام" إنها وأباها لجدها" يفيد أمرين:
( أحدهما) : كون مال الولد للوالد .
(وثانيهما) : كون نفس الإنسان وما بيده من المال ملكا لوالده ، أي لجدّ المولَّى عليه؛ وكذا يقال بالنسبة إلى أب الجدّ ، فإنّ جدّ الصغير وما بيده من أموال نفسه وولده وحفيده كلَّها لأب الجدّ، وذلك لصدق كون جدّ الصغير أباً لأن الجدَّ بمنزلة الأب حقيقة، وأباه جدّاً ثانياً للصغير، ويصدق على كلّ الأجداد أنهم آباء للصغير في حين أنهم أجداد، ولو كان جدّ الجدّ حيّاً كانت له الولاية على أب الجدّ وأولاده، ويشهد لما قلنا ما جاء التعبير عنه في الأخبار بقول النبيّ محمد صلى الله عليه وآله مشيراً إلى حفيده الإمام الحسن المجتبى عليه السلام:" إن ابني هذا سيِّدٌ " ؛ فقد عبّر عن حفيده بأنه ابنه، ما يعني أن الجدّ أبٌ حقيقة وليس مجازاً.
  مضافاً إلى ذلك: إنَّ كلّ ما ذكرناه في الفرع الأول من تعميم الحكم للجد الأعلى في حياة الأب، يجري هنا بعد ممات الأب.
الإيراد على القول الثاني بوجهين:
  (الوجه الأول): الآية المباركة مسوقة لبيان تقدم بعض الأرحام على البعض الآخر من ذوي الرحم كأن يكون المراد أن الأب مقدَّم على الجدّ وهو على أبيه وهكذا؛ لصحة اطلاق لفظ الإبن على الجدّ الأولن ولفظ الجدّ على الجد الثاني، فأحدهما أبٌ والآخر جدٌّ؛ فيكون أبو الجدّ أولى من الجدّ، وجدُّ الجدّ أولى من الجدّ، ذلك لأن الجدّ يطلق عليه الأب حقيقة، كما يطلق الإبن على ابن إبنه وإن سفل حقيقة، وحينئذٍ يقدَّم عقد الأعلى في الصورة التي فرضها الشهيد الثاني. 
  (الوجه الثاني): الاستدلال بقوله تعالى : « وأُولُوا الأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ » بدعوى أن القريب أولى بالولاية من البعيد؛ لا يخفى ما في التمسّك بالآية من الضعف، وذلك لتوجه الاشكال عليه من وجهين: (أحدهما): أنها لا تفيد كون بعض أولوا الأرحام أولى من بعضهم حتى يكون المفضل منهم وليا والمفضل عليه غير متصف بالولاية وانّما تفيد ان بعض أولوا الأرحام أولى ببعضهم الأخر من الأجانب فالمفضل عليه هم الأجانب لا بعض أولى الأرحام فيصير الحاصل انّه إذا وجد أجنبي ورحم بالنسبة إلى شخص فالثاني أولى من الأول وأين هذا من كون بعض أولى الأرحام أولى من بعضهم بالنسبة إلى ثالث منهم والذي يصلح دليلا في المقام انّما هو هذا دون الأوّل؛ (وثانيهما): انّه لو سلِّم دلالتها على كون بعض أولى الأرحام أولى من بعضهم بالنسبة إلى ثالث منهم كان لقائل أن يقول ان مدلولها ليس بأزيد من كون بعض أولى من بعض آخر، وأمّا تعيين كون الأولى هو القريب دون البعيد حتى يكون الجد الأدنى أولى من الأعلى فليس فيها دلالة عليه لجواز كون مناط الأولوية ليس هو الأقربية بل هو الأقدمية والأعظمية وكونه من أهل المصدر الأول والطبقة العليا فلا تدل على المطلوب؛ فافهم.
 (الوجه الثالث): لقد ادَّعى أحد الأعلام في رسالته" ولاية الأولياء " أن الآية الكريمة[ لا يمكن الاستدلال بها للمدعى لأنها ليست مربوطة بالمقام بل هي مخصوصة بباب الإرث وتعيين طبقات الوارث على ما ورد في تفسيرها، فقد روي أن النبيَّ صلَّى الله عليه وآله آخى بين المهاجرين والأنصار لمَّا قدم المدينة، فكان المهاجري يرث الأنصاري وبالعكس ولم يرث القريب ممن لم يهاجر ونزل في ذلك قوله تعالى (والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا  ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ) فكان النبيُّ صلّى الله عليه وآله يورثهم بالهجرة لا بالقرابة تأليفاً لقلوبهم، ثم نسخ ذلك بالقرابة والرحم والأنساب لقوله تعالى( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين) والمعنى أن أولي الأرحام بعضهم أولى بميراث بعضهم من المهاجرين وغيرهم، وعلى ذلك فالأولوية فيها إنما تكون في الإرث لا فيما تعم الولاية...].
  وفيه ما لايخى من الضعف؛ وذلك لأن نزول الآية في مورد لا يلغي حكمها في غير ما نزلت لأجله على قاعدة إن " المورد لا يخصص الوارد " وإلا لأُلغي حكمُ كثيرٍ من الآيات النازلة في موارد مخصوصة؛ فالآية وإنْ نزلت في مورد الإرث إلا أن حكمها عام في غير موردها؛ ويؤيده ما ورد في الأخبار الكثيرة بأن للقرآن بطوناً وظهوراً وبالتالي يكون التعميم من تلكم الظهور والبطون فتأمل.
 والإشكال بمحالية استعمال اللفظ في أكثر من معنى مردودة بالحلول المقررة في علم أُصول الفقه فلتراجع؛ مع أن الصحيح عندنا جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى، وللبحث فيه مجال آخر ليس ههنا.
 المطلب الرابع: الخلاف في ثبوت الولاية على البكر الرشيدة.
   عَوْدٌ على بدء: ونحن نرجع إلى ما بدأنا به، وهو استعراض الآراء حول ولاية الأب على البكر، فلا بدَّ لنا من مناقشة هذه الآراء ثمّ الاستقرار على واحدٍٍ منها؛ وها نحن نستعرض تلكم الآراء والإيراد عليها بتوفيقٍ من الله العليّ القدير:
1- أدلّة استقلال الوليّ ومناقشته تفصيلياً.
هذه الرّأي للمحدّث البحراني (قدّس سره) وقد اعتمد على رواياتٍ هي التالي :
  (الرّواية الأولى التي استدل بها الشيخ الجليل يوسف البحراني أعلى الله مقامه الشريف): هي صحيحة عبد الله بن الصّلت قال:سألت أبا الحسن الرّضا(عليه السلام)عن الجارية الصّغيرة زوّجها أبوها،ألها أمر إذا بلغت؟ قال:لا، ليس لها مع أبيها أمر،قال:وسألته عن البكر إذا بلغت مبلغ النّساء  ألها مع أبيها أمر ؟ قال: ليس لها مع أبيها أمر مالم تثيب. 
لكن يرد عليه بالأمرين الآتيين:
  الأمر الأول: إنّ هذه الرّواية تعارض ما ورد من نصوص دالّة على استقلالها  دون أبيها وجدّها؛ هذا مضافاً إلى معارضتها إلى صحيحة محمد بن مسلم قال:سألت أبا جعفر(عليه السلام)عن الصّبيّ يزوّج الصّبيّة قال: إنْ كان أبواهما اللّذان زوّجاهما، فنعم جايز، ولكن لهما الخيار إذا أدركا،فإن رضيا بعد ذلك فإنّ المهر على الأب.
   إنَّ دلالة الصحيحة المتقدمة واضحة من حيث وجوب رضا الزوجة حال بلوغها، فإن لها الخيار في إبقاء العلقة الزوجية التي انتخبها لها أبوها، فلو كان للأب ولاية عليها بعد بلوغها لما جاز أن يعلَّق الإمام صلوات الله عليه بقاء العلقة الزوجية بينها وبين من انتخبه أبوها على رضاها بعد بلوغها....فالتعليق دليل واضح على اشتراط إذنها بعد بلوغها..يرجى التأمل.
  الأمر الثاني: نسبة الحيف والظّلم عليها فيما لو لم ترضَ بالزوج ـ المنتخَب من جهة أبيها ـ بعد البلوغ،لأنّ ما فعله أبوها قبل بلوغها ليس لها فيه أيّ اختيار، فعدم تفويض الاختيار إليها بعد البلوغ يعتبر ظلماً لها وهو خلاف سماحة الإسلام.
  (الرّواية الثّانية التي استدل بها العلامة البحراني): صحيحة الحلبي عن الإمام أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن البكر إذا بلغت مبلغ النّساء ألها مع أبيها أمر؟ فقال: ليس لها مع أبيها أمر مالم تثيب.
  الجواب عنها: أنها تحمل على البكر غير الراشدة، فهي وإن بلغت مبلغ النساء إلا أنها قاصرة عقلاً في تصرفاتها فتحتاج إلى معين لها في تشخيص مصلحتها وتدبير أُمورها، ويشهد لها ما روي في بعض الأخبار الدالة على أن الراشدة هي من تعرف البيع والشراء كما سوف نبيّن.
  (الرّواية الثّالثة التي استدل بها العلامة البحراني): صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام قال:لا تستأمر الجارية إذا كانت بين أبويها، ليس لها مع الأب أمرٌ،وقال: يستأمرها كلّ أحد ما عدا الأب. 
 وفيه: إنه قد تُحمل هذه الرّواية على الصّغيرة أو على غير الرّاشدة أو الولي من دون إذنها، أو إخوتها مع وجود الأب، وكذا الوصي مع وجود الأب، والأظهر هو الثاني أي غير الراشدة.
  الرّواية الرّابعة التي استدل بها العلامة البحراني: صحيحة الحلبي عن الإمام أبي عبدالله(عليه السلام):في الجارية يزوّجها أبوها بغير  رضاًً منها،قال:ليس  لها مع أبيها أمر إذا أنكحها جاز نكاحه وإن  كانت كارهة . 
    والجواب من ثلاث جهاتٍ:
  (الجهة الأولى): إن الموضوع في هاتين الصّحيحتين: الرواية الثالثة والرابعة (صحيحة محمد بن مسلم وصحيحة الحلبي) هو الجارية، وهي تعم البكر والثّيب،إلا أنّ هاتين الصّحيحتين بعد التّخصيص بما دلّ على لزوم استئذان الثّيّب تختصّان بالبكر غير الرشيدة لا محالة.
 أو تُحمل الجارية على غير البالغة حيث ليس لها مع فقدهما أو فقد أحدهما أمر  مع أبيها. أو تُحمل الرّواية على التّقيّة.
 (الجهة الثانية): أن الصحيحتين المذكورتين متعارضتان مع غيرها من الأخبار الدالة على استقلالها بالولاية على نفسها، ومعارضتها للأخبار الأخرى الدالة على تشريك الولاية بينها وبين أبيها.
 (الجهة الثالثة): كأنّ إذن الأب في هاتين ألصّحيحتين واجب تعبّديٌّ في حين قام الإجماع على أنّ مسألة التّزويج أمرٌ توصّليٌّ طريقيٌّ يراعي مصلحتها الدنيوية والأُخروية ونفسيتها ورضاها، لأنها هي التي ستقيم علاقة جنسية شرعية مع من تحبه وترضاه ولا دخل لأحاسيس غيرها في هذا المضمار.
  هذا مضافاً إلى وجود خلل في الاستدلال بالصحيحتين المتقدمتين وهو: أنّ زواجها بمن تكره أمرٌ  نافذٌ بحقّها ـ بحسب هاتين الصّحيحتين ـ وهو مخالفٌ لأحد ركني العقد أعني الإيجاب منها والرّضا الباطني من جهتها، وهو غير متحقّقٍٍ هنا في الصحيحتين المذكورتين،ومن المعلوم ـ إجماعاً ونصاً ـ أنّه في حال اختلال أحد ركني العقد، يبطل من أساسه حيث لا موضوعيّة له حينئذٍ ، وبالتّالي لا تحقّق له.
  هذا مع مخالفة الصحيحتين المتقدمتين للعمومات القرآنيّة الدّالة بمنطوقها على تحقّق العقد برضا الطرفين (الزوج والزوجة) وبمفهومها على عدم تحققه من دون رضا أحد طرفي العقد من الزوج والزوجة أمثال:
قوله تعالى:"أوفوا بالعقود "المائدة2. وهو عام يشمل عقود البيع والزواج.
وقوله تعالى:"فإذا بلغن أجلهنّ فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهنّ بالمعروف" البقرة 234 . ولا ريب في أن تزويج الفتاة نفسها ممن ترضاه زوجاً لها مع كونه كفواً هو من أبرز مصاديق المعروف حتى مع عدم رضا الأب، ما دام الزواج مستجمعاً لشرائط النكاح .
  (الرّواية الخامسة التي اعتمدها العلامة البحراني): صحيحة علي بن جعفر عن أخيه الإمام  موسى بن جعفر(عليه السلام)قال: سألته عن الرّجل هل يصلح له أن يزوّج ابنته  بغير اذنها؟ قال:نعم، ليس يكون للولد أمرٌ إلَّا أنْ تكون امرأةٌ قد دخل بها قبل ذلك فتلك لا يجوز نكاحها إلا أنْ تستأمر.
إلى غير ذلك من النّصوص الدّالّة على استقلال الوليّ بالأمر.
المناقشة الثانية الإجمالية في القول الأوّل بالوجوه الآتية:
1- إنّ هذه الرّوايات التي اعتمدها أصحاب القول الأول، لو لم يكن لها معارضٌ لتعيّن العمل بها والالتزام بمضمونها ، لكنّها معارِضَة لرواياتٍ صحيحةٍ ومعتبرةٍ تشير إلى استقلالها بالزّواج كمعتبرة منصور بن حازم عن الإمام أبي عبد الله عليه السّلام قال: تستأمر البكر وغيرها ولا تنكح إلاّ بأمرها. 
 وكذا معتبرة صفوان قال:استشار عبدُ الرّحمانِ الإمامَ  موسى بن جعفر عليهما السّلام في تزويج ابنته لإبن أخيه، فقال: افعل ويكون ذلك برضاها،فإنّ لها في نفسها نصيباً قال: واستشار خالد بن داوود الإمام موسى بن جعفر عليه السّلام في تزويج ابنته عليَّ بن جعفر فقال: افعل ويكون ذلك  برضاها فإنّ لها في نفسها حظّاً .
وقوله عليه السّلام:"إنّ لها في نفسها نصيباً " فيه دلالةٌ على سلطنتها على نفسها دون أن يكون للأب سلطة عليها في تقرير زواجها من الكفوء،وكذا قوله عليه السّلام:"ويكون ذلك برضاها،ممّا يعني أنّها لولم ترضَ لما تحقّق العقد.
وحيث إنّ هاتين المعتبرتين ( معتبرة منصور وصفوان ) وغيرهما من النّصوص الصّحيحة تخالف تلك الّتي توافق مشهور العامّة ـ حيث إنّ المنسوب إلى الشّافعي وأحمد ومالك القول باستقلال الأب ـ فتترجح على تلك الرّوايات مع كثرتها،هذا مع أنّ هاتين المعتبرتين وغيرهما توافقان إطلاقات الكتاب الكريم باعتبار أنّ مقتضى إطلاقاته عدم اعتبار إذن غيرها في صحة العقد عليها ونفوذ عقدها مستقلّة، وقد ثبت عنهم عليهم السّلام الأخذ بما وافق الكتاب وخالف العامّة، وعند التّعارض لا بدّ من الرّجوع إلى قواعد المعارضة، من تقديم الموافقة للكتاب، وحمل المخالفة للاطلاقات على التّقيّة أو  بحملها على الأبكار اللاتي لم يحصل لهنَّ رشدٌ في أمر النّكاح وإن بلغن بالعدد ورشدن في حفظ المال، أو يُحْمَلُ النّهي على الكراهة خوفاً من أنْ تستبدَّ  أو تستبدَّ بعدم الطّاعة والانقياد، خصوصاًً الأب الّذي هو غالباً أنظر لها وأعرف بالأمور منها وأدعى لما يصلحها وهو المتكفّل بأمورها وبالخصومة مع زوجها لو حدث بينهما نزاع وشقاق، فالّذي يليق بها إيكال أمرها إليه كما هو الغالب والمعتاد في الأبكار من  تبعيّة رضاهن لرضا الوالد ولو بالسّكوت عند نقله، ولذا لا يستأمرها خصوصاً بعد أن كان إذنها صماتها كما جاء في صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي ، فمقتضى الجمع بين هذه الرّوايات هو الحمل على استحباب مشاورتها لأبيها وإذنه لها، فيكون النّهي إرشاديّاً باعتبار موافقته لمذهب العامّة، ولا يخفى في كثيرٍ من الأحيان ما يترتب من اللوازم المستهجنة في عدم استشارة والدها من العار والغضاضة الّتي هي مظنة إثارة الفتن كما يومىء إليه كثير من الأخبار التي روى جملة منها المحدث الحر العاملي رحمه الله باب 11 من أبواب المتعة ح 10، منها:
 ما رواه حفص البختري في الصحيح عن الإمام الصادق عليه السلام  في الرجل يتزوج البكر متعة ، قال:" يكره للعيب على أهلها ".
2-  على افتراض عدم إمكان الجمع والحمل على الاستحباب،وبقاء التّعارض مستقراً، فإنّ الرّوايات الدّالّة على استقلال البكر في الزّواج متقدّمة على الّتي أثبتت لهما التشريك في الولاية،لأنّ روايات استقلال البكر أشهر ومعتضدة أو منجبرة بفتوى الأكثر بل ادّعي عليها الاجماع، ومع التّكافؤ بالشّهرة يُؤخذ بما وافق الكتاب ـ كما سوف نبيّن الآيات الدالة على أن لها في نفسها حظاً دون غيرها ـ ويطرح المخالف كما هو مقتضى صناعة التّرجيح بين الخبرين.
3- إنّ النّهي في  هذه النّصوص ( ليس لها مع الأب أمر ) لا يفيد التّحريم، وذلك لما ورد في جملةٍٍ منها من نفي الأمر لهنَّ إذا كُنَّ بين الأبوين بعد العلم بعدم وجود ولاية للاّم عندنا اجماعاً، نظير ما وَرَدَ في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة عن أحدهما عليهما السلام قال:لا تستأمر الجارية إذا كانت بين أبويها،ليس لها مع الأب أمر....".
وكذا خبر ابراهيم بن ميمون الواردة في كتاب النكاح من الوسائل باب 9 من أبواب أولياء العقد ح 3،وخبر الفضل بن عبد الملك الواردة في نفس الكتاب باب 3 ح 6.
   من خلال هذا: نعرف أنّه يستحبّ لها إيثار اختيار وليّها على اختيارها بل يكره لها الاستبداد كما أنّه يكره لمن يريد نكاحها فعله بدون إذن وليّها بل ربّما يحرّم بالعوارض الثانوية كما لو ترتب عار على الأب في حال التغاضي عن إذنه، بل ينبغي مراعاة الوالدة أيضاً بل يستحبّ لها إلقاء أمرها إلى أخيها مع عدمهما لأنّه بمنزلتهما في الشّفقة والخبرة والبصيرة، ولدخول الأخ فيمن بيده عقدة النّكاح.
2- أدلّة التّشريك بين الفتاة البكر وبين أبيها.
والمراد بالتّشريك اعتبار اذنيهما معاً؛ وقد اعتمد هذا القول السّيّد الخوئي في المستند ج2/264. وقد عدّ المحدث البحراني (أعلى الله مقامه الشريف) في الحدائق ج23 226، هذا الرأي من أضعف الأقوال لعدم الدليل الواضح عليه.
واستدلّ أصحاب هذا الرّأي بعدّة نصوص هي:
   الرّواية الأولى: معتبرة أو موثقة صفوان:قال: استشار عبدُ الرّحمان الإمامَ موسى بن جعفرعليه السّلام في تزويج إبنته لابن أخيه،فقال:افعل ويكون ذلك برضاها فإنّ لها في نفسها نصيباًً،قال:واستشار خالد بن داوود الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام)في تزويج إبنته علي بن جعفر، فقال:افعل ويكون ذلك برضاها فإنّ لها في نفسها حظّاًً. الوسائل ج 14 ص 214 ح 2 باب 9.
وقد استفاد أصحاب هذا الرّأي من  قوله عليه السّلام:« فإنّ لها في نفسها حظّاً  » أو « إن لها في نفسها نصيباً » من حيث كونهما ظاهرين في عدم استقلالها وكون بعض الأمر خاصّة لها، مع ضميمة النّصوص الأُخرى الدّالّة على استقلال أبيها بالأمر.
يجاب عنه بالوجوه الآتية: 
  الوجه الأول:
   إن المراد من « نفسها » في قوله عليه السّلام « إنّ لها في نفسها نصيباً » يعتبر أعم من البكر فيشمل الثّيب والبكر معاً، فحمله على البكر لا وجه له لإجمال اللفظ الدائر بين البكر والثيّب، لأن اللفظ مطلق يشمل البكر والثيّب ، فتعيين أحدهما لا بدّ أن يكون بقرينة واضحة، وهي مفقودة في القول بالتشريك.
   وبعبارة أُخرى: إن هذا القول معارض للقول باستقلال الولي واستقلالها، فأخبار القول باستقلال الولي واستقلالها ظاهر في استقلال كلّ واحدٍ عن الآخر أي البكر مستقلة في أمر نفسها، والأب مستقل في أمره، فتقديم أحد القولين على الآخر لا بدَّ  أن يكون بمرجحٍ، ولا مرجح في رواية صفوان المشتركة في أن للبنت في نفسها حظاً من حيث اشتراك البنت بين البكر والثيب، ولا قرينة تقدم البكر على الثيّب، فيبقى الإطلاق على ما هو عليه، فيسقط الإستدلال برواية صفوان التي ادعى القائل بالتشريك ظهورها في البكر.
 والحق مع المحدث يوسف البحراني أعلى الله مقامه بأن ردَّ هذا القول وعدم قبوله كالشمس في دائرة النهار وهو أضعف الأقوال بين الأخبار لعدم الدليل عليه، ذلك لأن تصريح كلٍّ من القولين باستقلال أحدهما عن الآخر كافٍ في رد القول بالتشريك، لأن ظاهر أخبار استقلال البكر عن أبيها موجب لعدم شركته معها، وظاهر استقلال الأب عنها صريح في عدم شركتها معه، نعم فيه احتياط بالخروج عن مخالفة أخبار كلٍّ من الطرفين، ولعله لهذا توهم القائل به أن فيه جمعاً بين الأخبار وهو غلط محض فإن أحدهما غير الآخر، لأن الإستقلال ينفي الشركة بينهما وإلا لكان المشرِّعُ المعصوم عليه السلام أمرنا بالتشريك في عبارة لا توجب اللبس والإجمال، سواء كان الإجمال واللبس في دليل متصل أم في آخر منفصل، فكلاهما متشابهان لا يصلحان للتشريع لاستلزامهما وقوع المكلّف في الحيرة والضلال، وهما منفيان عنه كمشرِّعٍ معصومٍ وظيفته رفع الحيرة لا إيقاع المؤمنين في براثنها.   
   وحاصل الوجه المتقدم: إن « الإبنة » في الأخبار المتوهم دلالتها على التشريك مطلقة لا تخصيص فيها من حيث كون الابنة بكراً أو ثيّباً، وأخبار القول باستقلالها صريحٌ في حكم البكر ومختصة بها، كما أن أخبار القول باستقلال الأب صريح به ، كما هو صريح في وجوب الإستئذان من الثيب، فصار عندنا طائفتان دالتان على وجوب الإستئذان من البكر والثيب، فلا يصح الحمل على البكر في خبر صفوان دون الثيب لعموم اللفظ في البنت الوارد في خبر صفوان، فيتعيّن حمل خبر صفوان المتقدم على الثّيب حيث ورد في عدّة أخبار وجوب استئذانها، ووجوب استئذانها هو القدر المتيقن من الأخبار بلا معارض أصلاً، بل هو موضع إجماع بين الأعلام، بخلاف القول باستئذان الأب فإنه موضع خلاف بينهم، وحيث إن خبر صفوان مطلق في تعيين البنت بين البكر والثيب، وحيث إن الأخبار الأخرى الخاصة قد دلت على وجوب الإستئذان من البنت بشكل مطلق، فلا بدَّ ـ والحال هذه ـ من العمل بالقاعدة وهي تقديم العمل بالخاصّ وتقييد العام به،وحينئذٍ يجب حمل عموم هذا الخبر أو إطلاقه على تلك الأخبار الخاصة التي دلت على إستقلال الثيب من باب تقييد العام بالخاص أو حمل الخاص على العام ، أو المقيد على المطلق ، فيجب حينئْذٍ استْئذان الثّيب لأن الزواج لا يكون إلا برضاها.                    
   الوجه الثاني:
   أن الحظ والنصيب لا ينافي الاستقلال، فهي مع كونها مستقلة في أمر زواجها لكن لوالدها المشورة على نحو الأستحباب، فيستحب أختيار رضاها ومحبتها الباطنة وإن كانت لا تعارض ولا تتكلم للحياء.... نعم يستحب لها إيثار اختيار وليها على اختيارها، بل يكره لها الاستبداد برأيها حرصاً عليها من أن تقع في الغبن والضرر. 
فهي مع كونها مستقلّة في تزويجها نفسها ممّن شاءت من المؤمنين ولكن لأبيها عليها حقّ المشورة حرصاً لحيائها وصوناً لعفّتها، هذا مضافاً إلى أنّ من أراد نكاحها يتوجّه إلى أبيها ويطلبها منه، وهذا نظير قوله ( صلى الله عليه وآله) وآله:( إذا جاءكم من ترضون  خلقه ودينه فزوِّجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفسادٌ كبير) . 
 الوجه الثالث :
إنّ دعوى الجمع بين الأخبار كما ادّعى السّيّد الخوئي لا وجه له هنا لكون الطّائفة الّتي دلت على استقلال الأب موافقة لأخبار العامّة، فهي ساقطة عن الحجية فلا يمكن أن تعارض الطّائفة الثّانية الّتي دلت على استقلاليّة البكر عن أبيها؛ وما ذهب إليه الخوئي من التشريك يتعارض مع الجمع العرفي المأمورين به شرعاً بمقتضى عرض الأخبار المنسوبة إلى أئمة الهدى عليهم السلام على أخبار العامة فما وافقهم، يضرب به عرض الجدار، وحيث إن الجمع الذي استند إليه العلامة الخوئي متوافق مع أخبار العامة القائلين بوجوب إذن الأب، فلا يكون ما ذهب إليه جمعاً عرفياً مطابقاً لقواعد الجمع عند الشيعة الإمامية... مع أن السيِّد الخوئي قد أقر بأن الطائفة التي تأمر بوجوب استئذان الأب هي موافقة لأخبار العامة كما في كتاب النكاح من المستند ج2/256.
    الرواية الثّانية: من الروايات التي استند إليها أصحاب القول بالتشريك هي صحيحة زرارة بن أعين قال:سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول:" لا ينقض النّكاح إلاّ الأب". بدعوى أنّ الأب له حقّ نقض العقد وكذا موثقة صفوان الّتي تقدّمت.
يرد على هذا الإستدلال الأمور التالية:
أوّلاً: وإن كان « النّقض » الوارد في الرّواية (لا ينقض النكاح إلا الأب) هو الأمر المبرم وقد حمله السّيد الخوئي في مستند العروة ج 2 ص 265 على الإبرام الشّأني والصحة التأهلية ـ أي ما يكون صادراً من أهله وواقعاً في محله بحيث له قابلية الاتمام والصحة عند استكمال الشروط المعتبرة ـ لا الإبرام الحقيقي الذي يعني العقد الصحيح بالفعل لأنه غير قابل للنقض مطلقاً إذ ليس لأحدٍ الخيار في فسخ النكاح الصحيح جزماً وإجماعاً من المسلمين قاطبة، لكنّه لا يدلّ على جواز الشّركة أي شركة الأب مع البكر في أمر تزويجها،بل ما ذكره السيّد الخوئي أخص من المدّعى،اذ قد يُحملُ نقض النّكاح من الأب على الصّبيّة الّتي زوّجها أبوها قبل البلوغ، فحينئذٍ لا ينقض نكاحها قبل البلوغ إلا أبوها، وكذا يُحملُ لفظ « الأبكار » في قوله عليه السّلام في رواية ابن أبي يعفور عن الإمام الصادق عليه السلام قال :(لا تنكح ذوات الآباء من الأبكار إلا بإذن آبائهنّ) على وجوه:
   إمّا يحمل على الجارية غير البالغة، ويشهد له « من » التّبعيضيّة حيث تدلّ على أنّ  بعض الأبكار  كالصّغيرة لا  تتزوّج إلا بإذن  أبيها، ولو كان المراد غير التبعيض لكان قال:« لا تنكح الأبكار من ذوات الآباء..» ،  فيخرج الاستدلال عن محلّ النّزاع .
 وإمّا يُحمل على البكر غير الرّاشدة لكونها قاصرة عن تعيين ما يُصلحُها ممّا يُفسدها، بخلاف الرّاشدة الّتي تبيع وتشتري بحيث تكون مالكةً لأمرها وتُعطي مالها من تشاء أي غير سفيهة،فإنّ أمرها حينئذٍ جائز، تتزوّج إن شاءت  بغير وليٍّ، أو تُحمل  على البكر الّتي لم يحصل لها رشد في  أمر النكاح و ان كان لها رشد في البيع و الشّراء. أو يُحمل النّهي في هاتين الرّوايتين على الكراهة عن الاستبداد و عدم  الطاعة و الانقياد، خصوصاً  الأب  الذي هو غالباً أنظر  لها .  
   فعلى هذا يُحملُ النّقض الوارد في النّصّ المتقدّم: على إرادة بيان أنّه  لا ينبغي أن يعترض أحدٌ أمرَ النّكاح بعد تمام مقدّماته إلا الأب،فإن له اعتراضه ونقضه إذا رأى أن العقد في غير مصلحتها، فيكون وقوعه على خلاف  المطلوب،ضرورة اقتضائه صحّة النّكاح إذا وقع منها إذا لم ينقضه الأب وإن لم يكن عن إذنه.
 وبالجملة: إنّ الرّواية تدلّ على أنّ للأبّ نقض مقدّمات النّكاح بالحيثية التي أشرنا إليها آنفاً، أو أن يكون المراد أن استئمار الأب تماماً كإستئمار الأم كما ورد في خبر محمّد بن مسلم:لا تستأمر الجارية إذا كانت بين أبويها ليس  لها مع الأب أمر،وقال:يستأمرها كلُّ أحدٍ ما عدا الأب .
وفي خبر ابراهيم بن ميمون عن الإمام الصّادق(عليه السلام) قال:إذا كانت الجارية بين أبويها فليس لها مع أبويها أمر،وإذا كانت قد تزوّجت لم  يزوّجها إلا  برضا منها . 
والوجه في استئمار أبيها هو أنّه أنظر لها وأشفق عليها من نفسها كما ورد في خبر الفضل بن عبد الملك عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: لا تستأمر الجارية الّتي بين أبويها إذا أراد أبوها أن يزوّجها هو أنظر لها و أمّا الثّيب فإنّها تستأذن و إنْ  كانت بين أبويها إذا أرادا أن يزوّجاها .
      فالأب هو أنظر لإبنته من نفسها و أعرف  بالأمور منها، و أدعى لما يصلحها  و هو المتكفّل بأمورها وبالخصومة مع زوجها ـ دون أخيها وأُمها ـ لو حدث بينهما نزاع و شقاق، فالذي يليق  بها ايكال أمرها اليه كما هو الغالب و المعتاد في الأبكار من تبعيّة رضاهنّ  لرضا الوالد لا رضا الأخ والأم. 
    نعم، إذا لم يكن الأب موجوداً يستحب لها الإذن من أمها، ومع فقدان الوالدين يستحب لها إلقاء أمرها إلى أخيها، وممّأ يؤكّد استحباب إذن الأخ ما ورد في أخبار الوسائل باب 8 من كتاب النكاح من استحباب القاء أمرها إلى أخيها مع عدم وجود الوالدين لأنّه بمنزلتهما في الشّفقة و التضّرّر بما يلحقها من العار و الضّرر، وهو في منزلتهما في الخبرة و البصيرة .  
 فقد ورد عن الحلبي عن الإمام الصّادق عليه السّلام قال: سُئِلَ عن رجل يريد أن يزوّج اخته قال: يؤامرها فإن سكتت فهو إقرارها و إن أبت لا يزوّجها .
  وورد في خبر ابن مسكان عن وليد بيّاع الأسقاط قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام و أنا عنده عن جارية كان  لها أخوان، زوّجها الأكبر بالكوفة و الأصغر بأرض أخرى، قال: الأوّل بها أولى....".
 و ما ورد في مرسلة الحسن بن علي عن الإمام الرّضا عليه السّلام قال: " الأخ الأكبر بمنزلة الأب " .
 ثأنياً : إنّ نصوص استقلال البكر في التّزويج، ونصوص استقلال الأب ، منافية للقول بالتّشريك ، و الجمع الدّال على احتمال التّشريك لا يقاوم ما دلّ صريحاً على نفيه واستقلال الأب بالولاية . 
3- الولاية عليها في العقد الدّائم دون المنقطع:
   ووجه هذا القول هو أمور ثلاثة: 
    الأول: الجمع بين الأخبار الدالّة على استقلال أبيها وبين ما دلّ من الأخبار على استقلالها في المنقطع، كما في صحيحة الحلبي الوارد في الوسائل كتاب النكاح ج 14 ص 459 باب 11 ح 9 وخبر أبي سعيد نفس الباب ح 7 وغيرهما  حيث  دلّت هذه الأخبار على صلاحيّة ولايتها على نفسها في أمر تزويجها بالعقد المنقطع فقط من دون إذن أبيها .
   الثاني: إن العقد على البكر في الدائم من دون إذن الأب يستلزم العار والغضاضة لاستلزامه الحبل باعتبار طول مدته بخلاف العقد المنقطع فلا يستلزم العار والغضاضة لأجل قصر المدة، من هنا جاز العقد على البكر من دون إذن الأب دون العقد الدائم .
   الثالث: إن للدائم حقوق وواجبات تستلزم وجوب الإذن من الأب بخلافه في المنقطع.
 لكن يورد عليه بالوجوه الآتية :
أوّلاً : قيل إنّ  هذه الأخبار  معارضة بأخبار أخر كصحيحة أبي مربم عن أبي عبد اللّه عليه االسلام قال : " العذراء التي لها أب لا تزوّج متعة إلاّ بإذن أبيها " . وكصحيحة البيزنطي عن الإمام الرضا عليه االسلام قال : البكر لا تزوّج متعة إلاّ بإذن أبيها" . الوسائل باب 3 "باب المتعة ح1 " . 
أقول :  
    إنّ هاتين الصحيحتين لا تعارضان الأخبار الدالّة على جواز تزويجها بدون إذن أبيها، وذلك بعد جواز حملهما على الكراهة جمعاً بينهما وبين الأخبار الدالّة على ولايتها على نفسها،  أو تحمل على الحرمة من جهة العوارض الأُخرى كما أومأ اليه صحيح ابن البختري عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : " في الرجل يتزوّج البكر متعة، قال: يكره للعيب على أهلها . الوسائل ج 14 ص 459 ح 10 .
ثانياً : 
إنّ القول بثبوت الولاية عليها في الدائم دون المنقطع، يعتبر جمعاً يأباه ظاهر الأخبار، ضرورة أولويّة المنقطع في ذلك من الدائم باعتبار ما في المنقطع من العار والغضاضة كما هو الحال في الدائم، فلا فرق في استلزام العقد من دون إذن الأب للعار والغضاضة بين أن يكون في الدائم والمنقطع، فالفصل بين العقدين بإثبات العار في العقد الدائم دون المنقطع يعتبر فصلاً من دون دليل؛  ودعوى احتمال الحبل ونحو ذلك كتكثر حقوق الدائم وطول مدته بخلافه في المنقطع...مردود وذلك لإمكان طول المدة في المنقطع .  
ثالثاً : 
إنّ القول بالفصل خلاف الإجماع، وموافق لأخبار العامّة القائلين بحرمة العقد الدائم من دون إذن الأب، ويدلّ على ذلك ما ورد في خبر المهلّب الدلاّل أنّه كتب الى الإمام أبي الحسن عليه السلام إنّ امرأة كانت  معي في الدّار ثمّ أنّها زوجتني نفسها، وأشهدت اللّه وملائكته على ذلك، ثمّ إنّ أباها زوّجها من رجل آخر فما تقول ؟ .
فكتب عليه السلام :« التزويج الدائم لا يكون إلا بوليٍّ وشاهدين، ولا يكون تزويج متعة ببكر، استر على نفسك واكتم رحمك الله ». ولا يخفى ما في هذا الخبر من دلالة من حيث أنّه مخالف للاجماع حيث لا يشترط في الدّائم حضور شاهدين بل هما واجبان عند العامّة، فلا محيص من حمله على التقيّة كما فعل الشّيخ الطّوسي عليه الرّحمة.   
رابعاً:
   إنّ دعوى الانصراف في غير محلّها،لأنّ المتعة قسم من النّكاح، يجري عليها جميع الأحكام الثّابتة لعنوان الزّواج كحرمة الأم أو البنت في فرض الدّخول بأُمها...إلخ .
 هذا مضافاًً إلى وجود مطلقات تدلّ على اعتبار إذن الأب في  خصوص المتعة كصحيحة البزنطي الوارد في الوسائل باب 11 من أبواب المتعة ح 5 وصحيحة أبي مريم في نفس الباب ح 12، لكنّها تُحمل على الكراهة لوجود مقيدات لها كخبر القمّاط الوارد في الوسائل ج 14 ص 458 ح6، عن أبي سعيد قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن التمتع بالأبكار اللواتي بين الأبوين ؟ قال:لابأس، ولا أقول كما يقول هؤلاء الأقشاب، وكخبر محمّد بن مسلم قال:سألته عن الجارية يتمتّع بها الرّجل؟قال:نعم إلا أن تكون صبيّة تُخدع، قال:قلت:أصلحك الله وكم الحدّ الّذي إذا بلغته لم تخدع ؟ قال بنت عشر سنين.   
وصحيحة حفص بن البختري عن أبي عبد الله(عليه السلام) في الرّجل يتزوّج البكر متعة،قال:يكره للعيب على أهلها . 
4- الولاية من الأب عليها في العقد المنقطع دون الدّائم. 
 وهو قولٌ مجهول القائل كما قال صاحب الحدائق ص230 والجواهر ج 29 ص 179 ، ويستدلّ عليه بصحيحتي البزنطي وأبي مريم الواردتين في الوسائل ج 14 ص 458 ـ 459 ح 5 و 12 ؛  وحيث إنّ منطوقهما يدلّ على أنّ حكم المتعة حكم الزّواج الدّائم في اعتبار رضا الأب،فإنّ مفهومهما يدلّ على جواز نكاح الدّائم من دون إذن أبيها.
* لكن يرد على هذا القول بالوجوه التالية:
(الوجه الأول): إنّها معارضة بعموم أخبار استقلالها في النّكاح كما في روّاية زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام)قال:إذا كانت المرأة مالكة أمرها تبيع وتشتري وتعتق وتشهد وتعطي من مالها، فإن أمرها جائز، تتزوج إن شاءت بغير إذن وليّها، وإن لم تكن كذلك فلا يجوز تزويجها إلا بأمر وليّها".  راجع الوسائل ج 14 ص 215باب 9 من أبواب عقد النكاح حديث 6 .
 والمالكة لأمرها هي بنت تسع أو عشر سنين لما ورد في الصحيح عن محمد بن مسلم  قال: سألته عن الجارية يتمتع منها الرجل ؟ قال :« نعم إلا أن تكون صبية تخدع ، قال: قلت : أصلحك الله فكم الحد الذي إذا بلغته لم تخدع ؟ قال : بنت عشر سنين ».
  (الوجه الثاني): إنّ ظاهر هاتين الصّحيحتين ـ صحيحتي البزنطي وأبي مريم ـ  يمكن حملهما على الكراهة لما في ذلك عارٌ على أهلها، جمعاًً بين هاتين  الصّحيحتين وبين الأخبار المجوزة، فالأخبار الناهية كخبر ابن البختري المروي في مستدرك الوسائل الباب 93 من أبواب أحكام العشرة ح 11 من كتاب الحج  عن الإمام الصادق عليه السلام: في الرّجل يتزوّج البكر متعة، قال:يكره للعيب على أهلها"..  ويشهد لهذا أيضاً ما ورد عن أبي الحسن الآبادي حيث سأل السفير الثالث الحسين بن روح رضي الله عنه لِمَ كره المتعة بالبكر ؟ فقال : قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : " الحياء من الإيمان " والشروط بينك  وبينها فاذا حملتها على أن تنعم فقد خرجت عن الحياء وزال الإيمان، فقال : فإن فعل ذلك فهو زانٍ ؟  فقال : لا " .
 أو تحمل هاتان الصحيحتان على الحرمة من جهة العوارض الأُخرى.
  (الوجه الثالث):إنّ هذا التّفصيل بين ثبوت الولاية عليها في المنقطع دون الدّائم كسابقه ليس سوى اعتبار لا يصلح أن يكون مدركاً لحكم شرعي،بل لعلّ الاعتبار يشهد بسقوط الولاية رأساًً،ضرورة  تحقّق الظّلم في إجبار العاقل  الكامل على ما يكرهه،وهو يستغيث  ولا يُغاث بل ربّما أدّى ذلك إلى فساد عظيم وقتل وزنا وهروب إلى الغير على حدّ تعبير الشيخ محمد حسن النجفي في جواهره ج 29 ص 179.   
5- إستقلال البكر الرشيدة في العقد المنقطع والدائم دون الأب والجدّ :
  وهذا هو  الصواب الذي لا نرتاب فيه، وهو ما ذهب إليه المشهور بين القدماء والمتأخرين، بل عن السيّد المرتضى أعلى الله مقامه في الانتصار والناصريات الإجماع عليه؛ و نستدل عليه بالأمور التالية:
 (الأمر الأول) : إن ولاية الأب  والجد عليها خلاف الأصل؛ لأنّ الأصل في كلّ إنسان بالغٍ عاقلٍ راشدٍ أنْ يستقل في التّصرّف بجميع  شؤونه، ولا يحق لاْحدٍ أن يعارضه في  شيءٍ ذكراًً كان أو أنثى ما دام هذا التّصرّف لا يعارض حقّاً خاصّاً أو عاماً ؛ والمفروض أن البنت تتصرّف في شأنها الخاص لا في شأن غيرها،وأنّها كاملة وتامّة الأهليّة من جميع الجهات، فلو كانت قاصرة أو سفيهة لا يمكن  حينئذٍ أن تكون الولاية لها في  تعيين الزّوج وانتخابه،لأنّ الأصل أن تكون لها ولاية في حال رشدها، والسفيهة والقاصرة ليستا راشدتين، فلا ولاية لهما على تصرفاتهما لأن الأصل في الصغير والقاصر والسفيه هو ثبوت الولاية عليهم إجماعاً ونصاً.
 والحاصل: إن الأصل في القاصرة والسفيهة هو ثبوت الولاية عليها عرفاً وعقلاً وشرعاً، بخلاف العاقلة الراشدة فإن الأصل فيها عدم ثبوت الولاية عليها في أمر نفسها عرفاً وعقلاً وشرعاً ، ولقصور الأدلة في ذلك؛ وهذا الأصل يتّفق على صدقه وصحّته جميع المسلمين، وجميع العقلاء، بل اتفقت عليه جميع  الأديان والشّرائع السّماويّة والوضعيّة،ولا يجوز  الخروج  عنه إلا بدليل وهو مفقود في البين،لأنّا نقطع  ونؤمن إيماناًً جازماً بصحّة  هذا الأصل، فإذا أردنا مخالفته والخروج عنه  في مورد  من الموارد يجب  أن نقطع ونؤمن إيماناً جازماً  بوجود الّسبب الّذي أوجب  مخالفته والخروج  عنه،لأنّ اليقين لا ينقض بالشّك ولا بالظّنّ، وبناءً على هذا،فمن نفى  الولاية عن البنت الكاملة لا يُطالب بالإثبات والدّليل على النّفي، وإنّما  عبءُ الإثبات على  من يدّعي ثبوت  الولاية عملاً  بمبدأ  البيّنة  على من  ادّعى، ومبدأ  لكلّ حكم دليله الخاص أو العام.
  وبالجملة:فإنّ استقلال البكر موافق لقاعدة تسلّط الناّس على أنفسهم المنعقد عليها الاجماع الكاشف عن السّنّة القطعيّة، فمفاد القاعدة المزبورة هو  سلطنة الإنسان على نفسه سلطنة تامّة.
قد يقال: إنّ أصالة عدم اشتراط الإذن معارضة بالاستصحاب من حيث  إنّ الولاية كانت ثابتة عليها قبل البلوغ فتبقى إلى ما بعد البلوغ إلى أن يثبت المزيل.
والجواب: 
إنّ  أصل الإستصحاب المدّعى مرتفع بما دلّ  من النّصوص الدّالّة  على استقلالها لا سيّما وأنّها معتضدة بالشّهرة بين القدماء والمتأخّرين وهي أشهر  من غيرها من النّصوص النّافية الولاية عنها ، وهذه الأخيرة موافقة  لأخبار العامّة القائلين بعدم الولاية لها.
بالإضافة إلى ذلك: إن ثبوت الولاية عليها حال الصغر لا ينافي عدم ثبوتها للأب والجد حال الرشد أو البلوغ، ضرورة تغيّر الموضوع، فموضوع الصغر مغاير لموضوع الكبر أو الرشد، فاختلف الموضوع في الاستصحاب، فاختلت إحدى شروطه الكبرى وهي اتحاد الموضوع، وبالتالي لا معنى للتمسك بالإستصحاب لتغاير الموضوع، ولذا انتفت الولاية عن الصغيرة في غير النكاح حتى التصرف ببدنها بعلاجٍ ونحوه.
  (الأمر الثاني): إنّ زواج البالغة الرّشيدة ينطبق عليه اسم العقد عرفاً وشرعاً وعقلاً ، فتشمله الآية المباركة « أوفوا بالعقود » لأنّ العقد عبارة عن ربط شيء بشيء وهو يصدق على المزاوجة باعتبار ارتباط كلٍّ من الزوجين بالآخر بعقدٍ اعتباري وشرعي،لأنّ الأحكام تتّبع الأسماء، فكل أركان العقد متوفرة فيه سوى رضا الأب المختلف عليه بين الأعلام، فلا يجوز نقضه لمجرد اختلال ما هو مختلف فيه مع توفر كل أركانه الشرعية ، ويؤيّد ذلك اتّفاق الفقهاء بشهادة صاحب الجواهر والشّيخ الأنصاري على أنّها لو رغبت في  زواج الكفؤ يصحّ عقدها عليه،حتّى ولو كره الولي.
  (الوجه الثالث): العمومات والاطلاقات القرآنيّة الدالة بظاهرها على إباحة الزواج وصحته من غير الرجوع إلى الولي ومشورته إلا على نحو الاستحباب أو الوجوب لأجل الطوارئ العارضة على الزواج من دون إذن الولي؛ يخرج من هذ العموم الزواج بالمجنون والصغيرة والسفيهة، فبقي غيرها بحكم العموم...ومن أبرز مصاديق العموم المقرر قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) وهو عام يشمل عقود الزواج وغيره فلا يحق لغير من أنشأ عقداً أن يقوم مقام المنشئ للعقد بحل العقد من دون إذنه، وظاهر قوله تعالى في المعتدات من الوفاة حتّى ولو لم يدخل الزوج المتوفى بها : (فإذا بلغن أجلهنّ فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهنّ بالمعروف).فإنه عام دال على جواز نكاح المرأة بعد انقضاء عدتها، فإن مقتضاه عدم اعتبار إذن الولي من غير فرق في ذلك بين البكر والثيّب؛ وكذا إطلاق قوله تعالى: (وإذا طلّقتم النّساء فبلغن أجلهنّ فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهنّ إذا تراضوا بينهم  بالمعروف) .
والمراد منه أنّ مطلّق المنع عضل؛ فالنّهي عام  يشمل  الأولياء حيث إنّ البكر تحت رعاية أبيها من النّاحية العرفيّة فلا يجوز للأب أن يعضلها... وكذا قوله تعالى: ( وأحل لكم ما وراء ذلكم) وغير ذلك ممّا ظاهره استقلالها بالولاية ولو لبعض أفراد البحث وهو من تزوّجت ووطئت دبراً .
 والحاصل: إن هذه العمومات والاطلاقات كما أشرنا أعلاه تدلّ بظاهرها على إباحة الزّواج وصحته من غير أن يكون إذن الولي شرطاً في تزويجها،خرج الزّواج بالمجنونة والصّغيرة والسّفيهة،فبقي غيرها بحكم العموم .
 (الوجه الرابع): نصوص السّنّة المطهّرة عنهم عليهم السّلام، حيث دلّت على استقلال البكر في أمر تزويجها وتركت لها أن تختار من تشاء من الأزواج بالشّروط الّتي اعتبرتهاالشريعة المقدسة من كون الزّوج كفوءاًًً شرعاُ وعقلاً .  وهذه الرّوايات موافقة لقاعدة تسلّط النّاس على أنفسهم المنعقد عليها الاجماع الكاشف عن السّنّة القطعيّة. من هذه النّصوص ما ورد في وسائل الشيعة للمحدّث العاملي أعلى الله مقامه الشريف:
1-   في صحيحة الفضلاء(1) المروية في الوسائل بإسناده عن الفضيل بن يسار ومحمد بن مسلم وزرارة وبريد بن معاوية  عن الإمام الباقر عليه السلام قال : « المرأة التي ملكت نفسها غير السفيهة ولا المولى عليها إن تزويجها بغير ولي جائز ».
وهذه الصّحيحة من محكمات الأخبار سنداًً ومتناً، فهي صريحة في نفي الولاية عليها مطلقاً بحيث تصحّ للانجاز مثل أمر الزّواج بجهاته المعتبرة فيه عرفاً وشرعاًً،وفي مثلها لا ولاية عليها من جهة الأب، لانّ الولاية انّما هي لمراعاة الجهات اللاّزمة في الزّواج،والمفروض تحققها بنظرالمرأة الّتي قد ملكت نفسها غير السّفيهة ولا المولّى عليها في أمر تزويجها بغير ولي جائز...فوصفها بغير السّفيهة يعني كونها رشيدة، لأنّ الرشد في مقابل السّفه، ويحتمل إرادة الكناية بذلك عن البلوغ،ومعنى كونها غير مولّى عليها بسبب الجنون،فيكون الحاصل أنّ المرأة إذا بلغت رشيدة ، جاز تزويجها بغير ولي.
وبالجملة: فإنّ معنى قوله عليه السّلام: «ولا المولّى عليها » هو الفتاة البالغة الرّشيدة وغير السّفيهة،أمّا المولّى عليها فهي الصغيرة والسّفيهة حيث إنّ هاتين مولىً عليهما لفساد تصرّفهما بالمال،فبطريق أولى بالنّكاح.
  إن قيل لنا: بأن الصحيحة المتقدمة قد وضعها المحدث الحر العاملي أعلى الله مقامه الشريف في ضمن أخبار الثيّب الرشيدة، فموردها هو الثيّب لا البكر الرشيدة.
  مضافاً إليه: أن التقييد بكونها ملكت أمرها ينصرف إلى الثيّب وليس إلى البكر الرشيدة، فينتفي الاستدلال بها على استقلالها عن الأب في أمر تزويجها.
 قلنا: إن الإشكال المذكور مردود بوجهين:
   ( الوجه الأول): إن ترتيب وتصنيف العلامة المحدّث العاملي أعلى الله مقامه لرواية الفضلاء اجتهاد منه في فهمه للنص المذكور، وهو حجة عليه شرعاً وليس حجَّةً علينا ، ولا ملازمة بين الترتيب المذكور وبين ما ذهب إليه رحمه الله من كونها خاصة بالثيّب .
   ( الوجه الثاني ): إن إفراده أعلى الله مقامه الشريف للرواية في باب استقلال الثيب الرشيدة في تصرفاتها لا يمنع من الأخذ بالإطلاق الوارد في قول الإمام أبي جعفر عليه السلام « المرأة التي ملكت نفسها » وهو شامل للبكر العاقلة والثيب الرشيدة للمفرد المعرَّف باللام الطبيعية المراد منها عموم الأفراد هنا، إلا أن الإنصراف يتوجه إلى البكر بقرينة مقابلته عليه السلام بين التي ملكت نفسها وبين « غير السفيهة ولا المولّى عليها » ويراد بالمولّى عليها من كانت محجوراً عليها بالتصرف لجنون أو قصور نفسي أو عقلي أو بدني، فتخرج البكر الرشيدة من دائرة الحظر أو الحجر عن التصرف في نفسها .
 والإنصراف إنّما يكون دليلاً برأسه فيما لو لم تقم قرينة صارفة له عن التقييد أو التعيين وإلا فلا انصراف في البين كما في مقامنا هذا، حيث لا انصراف إلى الثيّب الرشيدة، لوجود قرينة واضحة في تعيين البكر فلا مجال حينئذٍ للإنصراف المدَّعى، لا سيَّما بقرينة ما ورد في صحيحة زرارة عن إمامنا المعظم أبي جعفر محمد الباقر عليه السلام الآتي الدال على أن المرأة المالكة لأمرها هي أعم من كونها ثيّباً بل تشمل البكر الرشيدة التي تبيع وتعتق وتشهد وتعطي من مالها....
2-   ما ورد في صحيحة زرارة عن الإمام المعظَّم أبي جعفر الباقر (عليه السلام):قال:إذا كانت المرأة مالكة أمرها تبيع وتشتري وتعتق وتشهد وتعطي من مالها ما شاءت، فإن أمرها جايز، تزوّج إن شاءت بغير إذن وليّها،وإن لم تكن كذلك،فلا يجوز تزويجها إلاّ بأمر وليّها(1).
   وهذه الرّواية الصحيحة صريحة في نفي ولاية الوالدين أي الأب والجدّ على البكر، وهي خاصة بالبكر دون الثيب أو التي لا أب لها وإن كان الظاهر شمول مفهوم « من لا أب لها » للمرأة المالكة أمرها إلا أن القرائن الخارجية الأخرى تصرف العموم عن ظاهره وتقيده بمن لا تخدع في المتعة وهي بنت عشر سنين، فإذا جاز لبنت العشر أن تمتع نفسها، جاز لها بطريق أولى أن تزوج نفسها بالعقد الدائم بلا فصل بين العقد المنقطع والدائم.
 والحاصل: إن الصحيحة المتقدمة خاصة بالبكر الرشيدة التي تحسن البيع والشراء وتصح شهادتها وعتقها، لكونها في مقام بيان تحديد المرأة المالكة لأمرها وهي المرأة المتنازع على ولايتها، وهي ههنا البكر دون الثيب التي لا يختلف اثنان من الفقهاء على ثبوت ولايتها على أموالها ونفسها، والأخبار أفادت بكل وضوح أن المرأة الثيب مالكة لأمرها ولها ولاية على نفسها بخلاف البكر التي تعارضت الأخبار في ثبوت ولايتها على نفسها، فجاءت صحيحة زرارة وغيرها من الأخبار فكشفت عن هوية البكر التي لها حق الولاية على نفسها وهي من كانت عالمة بكيفية البيع والشراء وتعتق وتشهد بالحق أمام القاضي وهي جزء من البيِّنة المطلوب فيها الشهادة بالحق...فكما يحق لها أن تشتري وتعتق وتشهد من دون أن يكون عليها ولاية من الأب، فكذلك يحق لها اختيار الزوج من دون سلطة أخرى عليها، من دون فصل بين الأمور المذكورة في الصحيحة وبين عدم ثبوت الولاية على نفسها في الزواج، إذ لا دليل على اعتبار إذن الولي في التزويج الذي هو تصرف غير مالي، فكما تجوز لها الشهادة ـ وهي حق غير مالي ـ كذا يحق لها الزواج من دون إذن الولي بعنوانه الأولي، فلا فصل في البين لا سيما بقرينة المفرد المحلّى باللام الطبيعية المراد منها عموم الأفراد هنا تماماً كالعام الوارد في قوله تعالى: ( أحلَّ الله البيع ) حيث يعم مطلق البيوع إلا ما أخرجه الدليل، وليكن الحال في مثل مقامنا حول الصحيحة المتقدمة .
3-  ما ورد في موثقة صفوان قال:استشار عبدُ الرّحمان الإمامَ المعظم أبي الحسن موسى بن جعفر(عليه السلام) في تزويج ابنته لابن أخيه فقال (عليه السلام) :افعل ويكون ذلك برضاها فإنّ لها في نفسها نصيباً(2).  
    الموثقة وإن كانت ظاهرة في القول بالتشريك إلا أنها مطلقة من حيثية عدم تقييد مفهوم البنت بالثيب فقط، بل هي أعم من ذلك، فتشمل البكر البالغة التي لها في نفسها نصيبٌ في تعيين الزوج واختياره، ولولا رضاها لما كان ثمة اختيار لأبيها في تعيين الزوج لا سيما الأب الغيور على ابنته فلا ينتخب لها إلا الكامل من الرجال إلا أن ذلك لا يكون سبباً تاماً في تعيين الزوج، بل لا بدَّ من مشورة البنت، فإذا وافقت، تكون موافقتها علَّةً تامة في حدوث الزواج وبالتالي يكون الاختيار بيدها مما يعني استقلالها. 
      إن قيل لنا: إنّ صحيحة أبي مريم عن الإمام أبي عبد الله (عليه السلام) قال:الجارية البكر الّتي لها أب لا تتزوّج إلا بإذن أبيها، قال:إذا كانت مالكةً لأمرها تزوّجت من شاءت(1) ؛ لا تدل على استقلال البكر في أمر تزويجها بقرينة صدر الرواية « الجارية البكر التي لها أب لا تتزوّج إلا بإذن أبيها..» فإنها متعينة في المطلوب وهو عدم استقلالها عن الأب، فكيف تدَّعون استقلالها عن الأب..؟!.
    نقول رداً على الإشكال المتقدم بالتالي: من خلال مقابلة الصّدر مع الذّيل، يتضّح بأنّ المراد من الصّدر(الجارية البكر) هو البكر القاصر أو غير الرّشيدة، وذلك بقرينة لفظ« الجارية»  المحمولة على الصبية بحسب تعريف اللغويين للفظ الجارية، والصبية والصبي هما دون الفتى والفتاة وهما البالغان أو الحدثان، فالصبية هي التي لم تبلغ مبلغ النساء وهي التي لم تبلغ سنَّ الحيض وإن بلغت سنّ التكليف إلا أنها لم تحض بعد فلا تصلح للنكاح، وهو ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام حينما ردَّ عمر بن الخطاب لمَّا طلب يد ابنته مولاتنا الطاهرة الزكية أُم كلثوم عليها السلام فأجابه بأنها صبية، وقد أوضحنا ذلك في كتابنا القيّم الموسوم بـ« إفحام الفحول في شبهة تزويج عمر بأُم كلثوم عليها السلام »  وقد أزلنا الشبهة الدائرة حول زواج عمر بمولاتنا الطاهرة أُم كلثوم المسمَّاة برقية صلوات الله عليها...وقد فصَّل العالم اللغوي أبو الحسين علي بن اسماعيل النحوي الأندلسي المعروف بابن سيده المتوفى سنة 458 هجري في كتابه المخصَّص في الجزء الأول منه مراحل الإنسان فقسّمها إلى مراحل متعددة هي التالي: الرضيع ـ الصبي ـ الفتى ـ الرجل ـ الكهل ـ العجوز.
  وقد جعل في الجزء الأول منه صفحة 26 ـ 34 مرحلة الصباوة مشتركة بين الرضاعة والفطام وما دون البلوغ، وهو موافق للعرف العام المشهور بينهم بأن الذكر والأنثى ما لم يبلغا سنَّ التكليف هما صبيان، فالصبية جارية لم تبلغ.
 بناءً على ما تقدم: يتضح بأن لفظ الجارية الوارد في صحيحة أبي مريم يراد منه الصبية التي لم تبلغ سنَّ التكليف أو لم تبلغ مرحلة الحيض وإن بلغت سنَّ التكليف الشرعي وهو إكمال تسع سنين هلالية...ما أشرنا إليه من التفصيل اللغوي لا بدَّ منه وذلك لإجمال المعنى في لفظ « الجارية » التي أوجبت تشويشاً عند بعض الأعلام فوقعوا في الخبط والإضطراب، مع أن معناه الحقيقي هو الصبية كما أشرنا أعلاه؛ وبالتالي تكون صحيحة أبي مريم نصٌّ صريح عند العارفين باللغة في أن الجارية هي الصبية التي لا بدَّ لها من رعاية خاصة من الأب لعدم اكتمال نضوجها العقلي والجسمي ، فإذا ملكت أمرها بسبب اكتمال نضوجها العقلي والجسمي فلا ولاية للأب عليها إلا على نحو الإستحباب المؤكد... يرجى التأمل. 
  زبدة المخض: إن المراد من الذّيل(مالكة لأمرها)أي الرّشيدة الناضجة العقل والجسم؛ ويؤيّده ما روى عن محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام قال:« لا تستأمر الجارية إذا كانت بين أبويها ليس لها مع الأب أمر،وقال:يستأمرها كلّ أحد ما عدا الأب ». فإطلاق الجارية  في  هذا  الحديث لا يكون إلا على الصّغيرة غير الرّشيدة.
وما روي عن الحلبي عن الإمام أبي عبد الله عليه السّلام في الجارية يزوّجها أبوها بغير رضاءٍٍٍ منها،قال:ليس لها مع أبيها أمر إذا انكحها جاز نكاحه وإن كانت كارهة،  لذا حملها صاحب الوسائل على من فقدت البلوغ والرّشد،أو فقدت أحدهما أو للتّقيّة.
  بالإضافة إلى ذلك: إن الصحيحة المتقدمة ( خبر أبي مريم ) وأمثاله يمكن حمله على الاستحباب بضميمة الأخبار الأخرى الدالة على استقلالها، جمعاً بينها وبين الأخبار الدالة على التشريك بالولاية بينها وبين وبين أبيها،حيث عليها مراعاة حق الوالديّة،وحفظاً له من عيب النّاس،خصوصاً بعد عقله ومعرفته بالرّجال،وائتمانه لكونه أعقل منها وأخبر بأحوال الرّجال منها؛ بل لا يبعد وجوب الإستشارة والرجوع بالولاية إلى الأب في حال كانت قاصرة عن انتخاب الرجل الصالح لها، وهو أمر خارج عن موضوع البحث الدائر حول الرشيدة العارفة بالإنتخاب والمصلحة .
4-  موثقة سعدان بن مسلم الكوفي عن الإمام أبي عبد الله (عليه السلام) قال:لابأس بتزويج البكر إذا رضيت  بغير إذن أبيها . الوسائل ج 14 ص 214 ح 4.
5-  صحيح منصور بن حازم عن الإمام الصادق عليه السّلام: تستأمر البكر وغيرها ولا تنكح إلا بأمرها . الوسائل ج 14 ص 214 ح 1.
  وقد حملها الشّيخ الطوسي أعلى الله مقامه الشريف في  التّهذيب على استحباب مشاورة الأب ، قال: «هذا الخبر محمول على الأفضل فيما يختص الأب من أمر البكر». التهذيب ج 7 ص 341 ح 11. 
    والأفضلية التي أشار إليها شيخ الطائفة رحمه الله: إذا أُريد منها الأب بمعنى أن للأب مشاورتها فيكون مراد الشيخ رحمه الله واضحاً لا لبس فيه في وجوب استقلالها حتى لا يكون الأب مستبداً برأيه واختيار الزوج لها، لأن الأمر لها وإن لها في نفسها حظاص أو نصيباً ، فيكون الخبر دليلاً على استقلالها، لكنَّ الأفضل لها مشاورة أبيها، حتى لو كانت مشاورته لها على نحو التشريك، إلا أنه تشريك على نحو الإستحباب لا على نحو الوجوب كما توهم أصحاب القول بوجوب تشريكه معها؛  وإذا أُريد من قوله" الأفضل " الأفضل للبكر مشاورة الأب فلا ريب في كون المشاورة مستحبة أيضاً، وبه يتم المراد على استحباب المشاورة من قبل البنت والأب معاً؛ فكلا المشاورتين صحيحتان محمولاتان على الاستحباب لا الوجوب إلا في بعض الحالات الطارئة الثانوية فتكون المشاورة واجبة.
ويؤيّده أنّ المراد من « غيرها » الوارد في الخبر هو الثّيب أو المدخول بها مع أنّه بإمكانهما الزّواج من دون استئذان،لكنّ الإستئذان مستحب مراعاةً لحقّ أبيها،بل ورد استحباب إلقاء أمرها إلى أخيها مع عدمهما سواء أكانت بكراًً أم ثيباً،لأنّ الأخ بمنزلة الأب في الشّفقة والتّضرر بما يلحقها من العار والضّرر وفي الخبرة والبصيرة،ولدخوله فيمن بيده عقدة النّكاح كما يؤمى إليه مرسل الحسن بن علي عن مولانا الإمام الرّضا عليه السّلام قال:الأخ الأكبر بمنزلة الأب( الوسائل ج 14 ص 213 ح 6)، وكما في خبر أبي بصير عن الإمام أبي عبد الله(عليه السلام):قال:سألته عن  الّذي بيده  عقدة النّكاح؟ قال: « هو الأب  والأخ و الرّجل يوصي إليه، و الّذي يجوز أمره في  مال المرأة فيبتاع  لها  و يشتري فأيُّ  هؤلاء عفا فقد جاز » الوسائل ج 14 ص 213 ح 4) .  فعلى  هذا  الأساس يستحب لها إيثار اختيار وليّها  على اختيارها ، بل يكره لها الإستبداد، كما أنّه يكره لمن يرى  نكاحها فعله  بدون  إذن وليّها ، بل  ربّما يحرّم بالعوارض والعناوين  الثانويّة .
7-  و خبر القمّاط: سأل عن المتعة بالبكر مع أبويها؟ قال: لا بأس، و لا أقول كما يقول هؤلاء الأقشاب ». الوسائل ج 14 ص 458 ح 6.   .  
 8-  مرسل أبي سعيد: قلت: لأبي عبد الله عليه السّلام : جارية بكر بين أبويها تدعوني إلى نفسها سرّاً من أبويها، فأفعل ذلك؟ قال: نعم و اتّق موضع الفرج، قال: قلت: فإن رضيت بذلك، قال: و إن رضيت فإنّه عار على الأبكار . الوسائل ج 14 ص 458 ح 7.
   إشكال وحلّ: قد يقال إنّ أخبار جواز تمتّع البكر بدون إذن أبيها معارَضٌ بأخبار أُخرى تشترط إذنه .
 و الجواب: تتحقّق المعارضة فيما لو لم نقدر على الجمع بين الطّائفتين جمعاً صناعياً، بحمل الطّائفة الثّانية على الكراهة أو الحرمة من جهة العوارض الأُخر كما  أومأ إليه الإمام الصّادق عليه السّلام في خبر ابن البختري عنه عليه السّلام : في الرّجل يتزوّج البكر متعة، قال: يكره للعيب على أهلها.
وسأل أبو الحسن الأبادي الحسين بن  روح ( وهو السفير الثالث للإمام الحجة القائم أرواحنا فداه) لِمَ كره المتعة بالبكر؟ فقال:قال النبيّ صلى الله عليه وآله:« الحياء من الإيمان »والشّروط بينك وبينها فإذا حملتها على أن تنعم فقد خرجت عن الحياء  وزال الإيمان،فإن فعل ذلك فهو زان؟ قال:لا . المستدرك الباب 93 من أبواب العشرة ح 11 ـ 19 من كتاب الحج.
   ومن المعلوم في سيرة السفراء رضوان الله عليهم لا ينطقون من عند أنفسهم بل هم مأمورون بالكلام من قبل الإمام الحجَّة القائم أرواحنا لتراب مقدمه الفداء، فعندما استدل على المطلب فإنما اعتمد على ما أخبره عنه الإمام الحجة القائم صلوات الله عليه؛ ويؤيّده الأخبار الكثيرة منها ما ورد عن الحلبي قال:سألته عن التّمتّع من البكر إذا كانت بين أبويها بلا إذن أبويها؟ قال:لابأس مالم يقتض ما هناك لتعفّ بذلك. الوسائل ج 14 ص 459 ح 9.
   زبدة المخض: الاستدلال بهذه النّصوص دال على المطلوب باستقلال البكر في زواجها متعة من الكفوء بسبب حاجتها لذلك لئلا تقع في الحرام وهو الزنا، لأنّه إذا جاز زواجها متعة بلا وليّ صح دواماً كذلك،لعدم القول بالفصل .
إشكال وحل: 
مفاد الأشكال: لقد جاء في نصوص كثيرة تدلّ بظاهرها أنّ للأبّ الولاية على البكر،وبعضها أن له ولايةً في الزّواج المنقطع وبعضها يدلّ على التّشريك بينه وبينها، وبالتالي كيف تقولون بسقوط ولاية الأب عليها؟
والجواب من وجوهٍ هي الآتي: 
 (الوجه الأول): إنّ أخبار استقلال البكر أشهر من تلك الأخبار الدّالّة على اشتراط  إذن أبيها، وذلك لموافقة مضمون أخبار استقلال البكر لمشهور القدماء والمتأخّرين، بل في الرّياض دعوى الشّهرة العظيمة عليه، وعن السّيّد المرتضى رحمه الله دعوى الاجماع عليه، خاصّةًً وأنّ  مضمون أخبار استقلالها يوافق العمومات والاطلاقات الموجودة في الكتاب والسّنّة كـ : "أوفوا بالعقود" وقوله تعالى " فإذا بلغن أجلهنّ فلا  جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهنّ بالمعروف "  وغيرها، و للحديث المشهور  "النّاس مسلّطون على أنفسهم " . فبمقتضى قاعدة الوفاء بالعقود وضمها إلى قاعدة المعروف، تكون النتيجة أن زواج البكر مجاز شرعاً ـ بالعنوان الأولي ـ من دون اشتراط إذن أبيها في حال تقدم إليها المؤمن الكفوء، فمنعها الأب من الزواج منه، يكون عضلاً لها وقد نهى الله تعالى عنه بمقتضى قوله تعالى " فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف " .
     (الوجه الثاني): إنّ روايات استقلال الأب ضعيفة السّند بشهادة صاحب الجواهرحيث قال:" جميعها أو أكثرها قاصرة السّند ولا جابرلها، ومخالفة لظاهرالكتاب، وموافقة لمذهب العامّة كمالك وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وإسحاق والقاسم بن محمد وسليمان بن يسار وسالم بن عبد الله ونحوهم من كبار العامة ". 
 هذا بالإضافة إلى أن روايات استقلال الأب غير صريحة في المخالفة، لتطرق احتمالها الأبكار اللاتي لم يحصل لهنَّ رشدٌ في أمر النكاح وإن بلغن بالعدد ورشدن في حفظ المال...أو يحمل النهي في روايات استقلالها على كراهة استبدادها المؤدي إلى عدم الطاعة والإنقياد، خصوصاً الأب الذي هو غالباً أنظر لها وأعرف بالأمور منها وأدعى لما يصلحها وهو المتكفل بأمورها وبالخصومة مع زوجها لو حدث بينهما نزاع وشقاق، فالذي يليق بها هو إيكال أمرها إلى أبيها كما هو الغالب والمعتاد في الأبكار من تبعية رضاهنَّ لرضا الأب ولو بالسكوت عند نقله، ولذا لا يستأمرها خصوصاً بعد أن كان إذنها صماتها.
وبناءً على ما تقدَّم: إن روايات استقلال الأب لا تصلح للمعارضة أصلاً لموافقتها للعامة من جهة وضعف أكثر أسانيدها من جهةٍ أُخرى، وقد ناقشها الشهيد الثاني العاملي في المسالك سنداً ودلالةًًً، وإطال الكلام في ذلك أكثر من صاحب الجواهر،ولم يعتمد  على شيء منها. 
   (الوجه الثالث): على افتراض صحّة هذه الرّوايات الدالة على استقلال الأب، فيُحمل النّهي فيها على الإرشاد باعتبار موافقتها لمذهب العامّة حسبما أشرنا في الوجه الثاني، وما في الزّواج من دون إذن الوالد من العار والغضاضة الّتي هي مظنّة إثارة الفتن كما أومأت إليه الأخبار الكثيرة، وقد استعرض المحدث الحر العاملي رحمه الله جملة منها، منها صحيحة حفص بن البختري عن الإمام أبي عبد الله( عليه السلام ):في الرّجل يتزوّج البكر متعة،قال:يكره للعيب على أهلها. وخبر أبي سعيد القماط عمّن رواه:قال:قلت لأبي عبد الله( عليه السلام ):جارية بكر بين أبويها تدعوني إلى نفسها سرّاً من أبويها فأفعل ذلك؟قال:نعم  واتقِ موضع الفرج،قال:قلت:فإن رضيت بذلك،قال:وإن رضيت  فإنّه  عار على الإبكار .
وخبر زياد بن أبي الحلال قال:سمعت أبا عبد الله(ع)يقول:لابأس أن يتمتّع   البكر مالم يفضِ إليها كراهيّة العيب على أهلها .
فبضميمة النّصوص مع بعضها البعض تكون النّتيجة الحمل على الاستحباب وأن الأفضل و الأحوط  للبكر أن  تستشير الولي، جمعاً بين الرّوايات الدّالّة  على نفي الولاية وبين الدّالّة على ثبوتها،وعلى فرض عدم إمكان الجمع والحمل على الاستحباب،وبقاء التّعارض، فإنّ الرّوايات الدّالّة  على استقلال  البكر في الزّواج  متقدّمة على الّتي أتبتت الولاية للأب،لأنّ تلك أشهر، وهو الأوفق بقواعد الجمع العرفي؛ قال الشّيخ الأنصاري:
"إنّ الرّوايات الدّالّة على  استقلال البكر معتضدة أو منجبرة بفتوى الأكثر،ودعوى الإجماع".
  هذا مضافاً إلى أنّها  موافقة لظاهر الكتاب،وأمّا الّتي أثبتت الولاية مخالفةًً له كما قال  صاحب الجواهر،وقد ثبت في  النّصوص المستفيضة في حال التّعارض يؤخذ بالأشهر،ومع التّكافؤ بالشّهرة يؤخذ بما وافق الكتاب،ويطرح المخالف.
 ونحب التنبيه على شيءٍ مهم مفاده: أن وجوب استئذان البكر من الأب لئلا يترتب على زواجها من دون إذنه عارٌ وغضاضة إنما هو وجوب عرضيٌّ ثانوي وليس واجباً أولياً، ويشهد له ما ورد في بعض الأخبار منها رواية زياد بن ابي الحلال قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: « لا بأس أن يتمتع البكر ما لم يفضِ إليها كراهية العيب على أهلها ». وكذلك رواية أبي سعيد القماط قال: جارية بكر بين أبويها تدعوني إلى نفسها سرا من أبويها أفأفعل ذلك ؟ قال : نعم واتق موضع الفرج ، قال : قلت : فإن رضيت بذلك ؟ قال : وإن رضيت فإنه عار على الأبكار ». وفي صحيحة الحلبي سألته عن التمتع من البكر إذا كانت بين أبويها بلا إذن أبويها ؟ قال : لا بأس ما لم يقتض ماهناك لتعف بذلك .
والأخبار في هذا المضمار فاقت حدَّ الإستفاضة فهي حجة على المنكر.
  (الوجه الرابع): على افتراض تكافؤ الرّوايات من جميع الجهات نرجع إلى الأصل،وهو عدم الولاية،كلّ هذا إن قلنا بتساقط المتعارضين،وإن قلنا بالتّخيير فإنّا نختار الرّوايات النّافية لولاية الأب إلا على نحو العناوين العرضية كما أشرنا وهو شيءٌ مغاير للعنوان الأولي، يرجى التأمل .
  ونؤكد ما قاله صاحب الجواهر، فإنّه  بعد أن أبطل أدلّة القائلين بثبوت الولاية، وجزم بنفيها قال:( لا ينبغي لمن له أدنى معرفة بمذاق الفقه وممارسته في خطاباتهم التّوقّف في هذه المسألة، ثمَّ يستحبُّ لها إيثار إختيار وليّها على اختيارها، بل يكره لها الإستبداد، كما أنّه يكره لمن يريد نكاحها أن لا يستأذن وليّها،بل ينبغي مراعاة الوالدة أيضاً بل يستحبُّ أن تلقي أمرها إلى أخيها مع عدم الوالد والوالدة، لأنّه بمنزلتهما في الشّفقة).  
نظرنا حول زواج البكر:        
  إنِّ المتّأمّل في مجموع الأخبار االواردة في البكرالرّشيدة يقطع بأنِّ هذا النّحو من الإستقلاليّة للوليّ ليس من الحكم الإلزاميّ وإنّما هو حكم إرشادي أدبي وأخلاقي.     
وليس لأحد أن ينظر إلى طرف من الأخبار دون النظر إلى الطّرف الآخر وإلا لاختلِّ نظام الأحكام مع هذه الأخبار المتعارضة الّتي  لأجلها تختلف الأقوال أيضاً، كما لا بدّ من التّأمّل والنّظر هل إن إذن الأب لوحظ بنحو التّعبّد المحض مطلقاً وهو ممّا لا ترتضيه الفطرة السليمة الحاكمة  بأنّه لا تعبّد ولا موضوعيّة في  الإذن من حيث هو طريق محض لإحراز أهليّة الزّوج شرعاً وعرفاً.
فمن هنا نحرز  ونطمئن بأنّ إذن الأب طريق لمراعاة حق الوالديّن وتقدير مشاعرهما  لا سيّما وأنّ أكثر الآباء لا فقه عندهم ولا تديّن لديهم فكيف يكون إذنهم شرطاً في صحّة نكاح بناتهم،إلاّ من  باب مراعاة الصّغير لحقّ الكبير، فإنّه أمرٌ  عرفي عادي خصوصاً في الأمور المهمّة، وحينئذٍٍٍ  فإذا اختار الأب زوجاًًًً لإبنته جامعاًً للشّرائط الشّرعيّة والعرفيّة المتعارفة،فالبنت ترتضيه لا محالة إذا رغبت نفسيّاً به وليس لها حق عرفاًً في ردّه،وإذا اختار زوجةً لابنه فكذلك،وإذا اختارت البنت زوجاًً كذلك بنفسها لنفسها بلا استئذان من الأب لها ذلك أيضاً،وليس له  حقّ منعها عرفاً وشرعاً بل يستنكر ذلك في العرف العام والخاص، فالمدار كلّه على جهة أهليّة الزّوج شرعاًُ وعرفاً،فلا بدّ من ملاحظة تمام الجهات والخصوصيّات.
وعلى هذا فإن توافقا على تحقّق الأهليّة عرفاً وشرعاً فهو،وإن ثبتت الأهليّة كذلك الحال عند البنت دون الأب،وكان منشأ  الاختلاف أموراً صحيحة شرعيّة أو عرفيّة معتبرة لا بدّ من الإذن حينئذٍ من الولي، بل يشكل شرعاً وعقلاً وعرفاً صحّة أصل العقد في بعض الفروض حتّى مع الإذن ، وإن كان لمجرّد أمورٍ  إقتراحيّة وهميّة يصحّ العقد بلا إذنٍ من الأب،فكم من بكر رشيدة أرادت  التّزويج بشخصٍٍ معيّن  لم يأذن أبوها فيه ثمّ ندم الأب،وكم من أبٍ أراد تزويج إبنته الباكرة الرّشيدة بشخصٍ فلم ترضَ البنت بذلك فندمت بعد ذلك.
فالمحصّل عندنا: أنّ إذن الأب معتبر في الجملة وفي موارد خاصّة ـ كما لو أوجب غضاضة أو عار أو  أن البنت كانت  غير متديّنة واختارت غير الكفؤ ـ لا في كلّ مورد كيفما كان، وهذا هو مراد قوله عليه السّلام: « لا ينقض النّكاح إلا الأب ».
إشكالٌ وحلٌّ: 
مفاد الإشكال: لماذا تصرّفتم بالأخبار الدّالّة على استقلال الأب دون الدّالّة على استقلالها حيث الأولى هو التّصرّف بالثّانية لموافقتها الإحتياط؟
  والحل: إنّ أخبار استقلالها موافق للمطلقات والعمومات القرآنيّة والنّبويّة ومعتضدة بالشّهرة  العظيمة، فكان الأولى التّصرّف بالمخالف لتلك العمومات والمطلقات والمخالف للشّهرة مع كونه متوافقاً مع أخبار المخالفين... بل لا يبعد أن يتعارض الإحتياط المذكور باحتياط عدم اشتراط إذن الأب في حال توقف زواج ابنته على إذنه وكانت بحاجة إلى الزواج وقد منع منه الأب، فيكون الإحتياط بموافقته مخالفاً للإحتياط، فالإحتياط يقتضي عدم الأخذ بإذن الأب المستلزم لعضل البنت وهو ظلم عليها.
وزبدة  المخض : 
إنّ الأظهر هو تقديم الرأي الخامس الدال على استقلال البكر وعدم ثبوت ولاية للأب عليها بالعنوان الأولي، لكن الأحوط استحباباً الإستئذان منه، وقد يحرم التزويج من دون إذنه بالعناوين الثانويّة ولا سيما الحالات التي يحصل منها عار وغضاضة وما شابه ذلك على الوالد, واللّه العالم بحقائق الأمور .
   والحمد للّه ربّ العالمين وصلواته الزاكيّات وتحياته المباركات على نبي الرحمة محمّد وعلى آله سادة الخلق الميامين المقدّسين الطاهرين لا سيَّما خاتمهم ناموس الدّهر وإمام العصر روحي لتراب نعليه الفداء، وجعلنا اللّه سبحانه من الممهدين له،  و من العارفين به وبأجداده الكرام  المطهرين، وصلّى اللّه على  محمّد وآله الطاهرين ولعن الله أعداءهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
 
حررها كلب آل محمد/  محمّد جميل حمّود العاملي
بيروت بتاريخ 24 شعبان 1436هـ                                                                  

 


  • المصدر : http://www.aletra.org/subject.php?id=1226
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2015 / 12 / 27
  • تاريخ الطباعة : 2017 / 03 / 30