• الموقع : مركز العترة الطاهرة للدراسات والبحوث .
        • القسم الرئيسي : الفقه .
              • القسم الفرعي : إستفتاءات وأجوبة .
                    • الموضوع : من قُتِلَ في حروب أعداء أهل البيت عليهم السلام لا تسقط عنه مراسم الغسل والتكفين والتحنيط .

من قُتِلَ في حروب أعداء أهل البيت عليهم السلام لا تسقط عنه مراسم الغسل والتكفين والتحنيط

الإسم: *****

النص:

السلام عليكم

أنَّ جنوداً وقادةً ــ لتحرير أراضي المسلمين من يد الأعداء ــ يذهبون للحرب ويقاتلون، وأكثر الجنود والقادة لم يصلّوا ولم يصوموا، ويكون حقّ الناس على رقبتهم؛ خلاصة الكلام: أنَّهم مِن جُهَّال المسلمين؛ هؤلاء يحضرون في الحرب ليس لأجل اللَّه تعالى بل لأجل حفظ الوطن، بناءً على هذا، لو مات شخصٌ في الحرب منهم، هل نعدّه من الشهداء؟ وهل يجوز أن يدفن بلا غسل ولا كفن؟ 


الموضوع الفقهي: من قُتِلَ في حروب أعداء أهل البيت عليهم السلام لا تسقط عنه مراسم الغسل والتكفين والتحنيط .

  التفاصيل: يجب تغسيل وتكفين وتحنيط كلّ من سقط ميتاً في حروب أعداء آل محمد (سلام الله عليهم)/ إشتباه بعض العلماء في فتواهم بإسقاط الغسل عمن قُتِل في حرب أعداء آل البيت عليهم السلام / سقوط الغسل منحصر في الجهاد بين يدي الإمام المعظم بقية الله الأعظم المهدي المنتظر (سلام الله عليه) / مصطلح الشهيد له مواصفات وشروط / من يقاتل لغير الدفاع عن أهل البيت (صلى الله عليهم) لا يسمى شهيداً / شهيد آل البيت (سلام الله عليهم) يجب تغسيله في عصر الغيبة الكبرى لمولانا الإمام المعظم الحُجَّة القائم (صلى الله عليه وأهل بيته الأطهار) / من يقاتل لأجل الأوطان من دون نية الدفاع عن أهل البيت (سلام الله عليهم) له العوض / الفرق بين العوض والثواب / من قاتل لأجل الراتب الشهري هو بمنزلة قتيل الحمار في أحد حروب النبي الأعظم صلى الله عليه وآله.

بسم الله الرَّحمان الرَّحيم

 

   الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على سادة خلقه وقادة رسله رسول الله محمد وآله الطاهرين الأنوار المقدَّسين، واللعنة الدائمة السرمدية على أعدائهم أجمعين من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين..وبعد:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

     الجواب: كلُّ مؤمن يُقتلُ في ساحات القتال مع الأعداء يجب تغسيله غسل الميت وتكفينه وتحنيطه، سواء كان قتله في سبيل العقيدة أو في سبيل الوطن؛ والأخبار التي دلت على سقوط الغسل عمَّن قُتِلَ في المعارك مع الأعداء لأهل البيت عليهم السلام منصرفة إلى الشهيد المقتول في جهاد الأعداء مع الإمام عليه السلام وعند حضوره الشريف كما كان الحال في عهود أئمتنا المطهرين عليهم السلام وعند ظهور إمامنا المعظم بقية الله الأعظم المهدي المنتظر (أرواحنا له الفداء)  أو حضور نائبه الخاص عند ظهوره المقدَّس؛ وهو خيرة ثلة من أعلام الإمامية كالمفيد في المقنعة والطوسي في المبسوط وابن سلار في المراسم العلوية والحلي في الشرائع للمحق نجم الدين الحلي، والقواعد للشيخ جمال الدين بن مطهر الحلي المشتهر بالعلامة الحلي؛ هؤلاء كلهم اشترطوا سقوط الغسل عن المقتول في سبيل الله تعالى بين يدي المعصوم عليه السلام أو نائبه الخاص.

     والنائب الخاص هو من نصبه الإمام عليه السلام وكيلاً عنه في حضوره ووجوده الشريف كما كان الحال في السفراء الأربعة في الغيبة الصغرى لإمامنا المعظم الحجَّة القائم (صلى الله عليه وعلى آبائه الطاهرين)؛ والسفارة والوكالة نيابة خاصة من قبل الإمام عليه السلام لأفرادٍ بأعيانهم، فيسميهم بأسمائهم ويلزم المؤمنين بالرجوع إليهم كما كانت سيرة أئمتنا الطاهرين (صلى الله عليهم) حينما نصبوا وكلاءً عنهم في الأقطار الشيعية كقم والكوفة والبصرة ومكة وغيرها من المدن زمن حضورهم المبارك... والفقيه في هذا الزمان ليس من النواب الخاصين عند الإمام المهدي (صلوات الله وسلامه عليه) حتى يُدَّعى كونه نائباً خاصاً عن الإمام الحُجَّة القائم (صلى الله عليه) فيظنُّ نفسه أنَّه نائب عن الإمام المهدي (سلام الله عليه) ومن ثمَّ تجري عليه الآثار الشرعية والوضعية التي جرت على النواب والوكلاء الخاصين في عهود أئمتنا الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين) والتي منها إسقاط الغسل والتكفين والتحنيط عمَّن قتل على أيدي الأعداء..!! كلا ثم كلا ! إن طاعة النواب الخواص بمنزلة طاعة الإمام عليه السلام، فهم يأتمرون بالإمام عليه السلام ولا يفعلون شيئاً إلا بإذنٍ من الإمام وأمره ونهيه، وما يجري على أيديهم هو مقطوع الصدور من الإمام عليه السلام، فلا يعملون بالظنون الإجتهادية ولا يحكِّمون آرائهم الشخصية، فهم في المعرفة والطاعة المطلقة للإمام (سلام الله عليه) ما لم تبلغه العقول ولا تدرك شأنَهم الأفئدةُ والنفوس..فمخالفتهم هي مخالفة صريحة وقطعية للإمام عليه السلام؛ فلا يُقاسُ بهم الفقهاء في عصر الغيبة الكبرى (على صاحبها آلاف التحية والسلام) مهما بلغ البعض منهم بالتقوى والورع ما يحتمل أن يكون مثل واحدٍ من النواب الأربعة (وفرض المحال ليس محالاً) إلا أن الفرق بين النواب الخاصين والنواب العامين كالفرق بين الثريا والثرى من حيث المعرفة وعلو الدرجات والطاعة للإمام (سلام الله عليه)، وبالتالي لا يجوز مساواة الخواص بالعوام، فالمهام بين النواب الخواص والوكلاء العوام متفاوتة ومختلفة، فما ثبت للخواص لا يستلزم ثبوته للفقهاء العوام، فلا يحقُّ للفقهاء في عصر الغيبة الكبرى أن يساووا أنفسهم بالنواب الخواص ومن ثمَّ لا يجوز لهم جرّ الأحكام الخاصة بالنواب الخاصين إلى الفقهاء والتي منها إسقاطهم مراسم دفن المقتول في المعارك ضد أعداء الدين كوجوب تغسيله وتكفينه وتحنيطه، ومن يسقط المراسم المذكورة، فسوف يلقى آثاماً وعقاباً يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.

  والفقهاء الذين أسقطوا الغسل عن المقتول في سبيل الله تعالى أغلبهم ممن يميل إلى العامة بمناهجهم الإجتهادية ويعملون بالأقيسة والاستحسانات، بالإضافة إلى أنهم عملوا بقاعدة تخريج المناط أو قاعدة المساواة بين الأصل والفرع ؛ فالأصل هو الإمام عليه السلام والفرع هو الفقيه النائب لكلّ الشؤون (أي الولاية العامة) كما ذهب إليه السيد محمد الشيرازي في كتابه "الفقه على شرح الشرائع" تبعاً لغيره من القائلين بولاية الفقيه العامة؛ بالإضافة إلى ذلك، فإن السيّد المذكور وغيره من أتباع الولاية العامة حملوا  لفظ الإمام الوارد في الأخبار على الإمام العادل وليس الإمام المعصوم..!! وما ذهب إليه هؤلاء ليس إلا اجتهاداً في مقابل النصوص وهو خلاف القدر المتيقن منها الدال على وجوب تغسيل كل ميت مؤمن إلا ما استثناه الدليل وهو الشهيد بين يدي الإمام عليه السلام ونائبه الخاص.

 ولنا إيرادات فقهية أخرى على العلماء القائلين بعموم الولاية للفقيه سجلناها في كتابنا القيِّم الموسوم بـ" ولاية الفقيه العامة في الميزان" فليراجع.

  تنبه هام : المراد من المناط هو العلَّة التي ربط الشارع المقدس الحكم بها، والمراد من المصطلح المذكور (تخريج المناط) هو: استنباط علّة الحكم من خطاب شرعي لم يتصدَّ لبيان العلَّة وإنما يحدسها المجتهد حدساً، ويرتب على ذلك تعدية الحكم لموضوع آخر لاشتماله على العلّضة المستنبطة.

  وهل يُطلق على مَنْ قُتِلَ على أيدي الأعداء في زماننا هذا مصطلح الشهيد ؟ فيه تردد؛ والظاهر لنا من لسان الأدلة أنه لا يصدق عليه مصطلح الشهيد إلا إذا كان جامعاً للشرائط والمواصفات التي منها الأمور التالية:

 (الأمر الأول): اتصافه بصفتي التولّي لأهل البيت (عليهم السلام) والتبري من أعدائهم لعنهم الله تعالى.

     (الأمر الثاني): عدم اعتقاده بالولاية المطلقة لغير الأئمة الأطهار عليهم السلام.

    (الأمر الثالث): أن يكون جهاده للأعداء لوجه الله تعالى وفي سبيل رفعة أمر الحجج الطاهرين عليهم السلام، ولا يقاتل لأجل الراتب الشهري ولا لأجل المصالح السياسية والتوازنات الإقليمية والدولية وتوزيع الحصص والغنائم وبسط النفوذ والإستقواء على الضعفاء والفقراء والمساكين.

   فهناك أفراد قاتلوا  تحت راية المعصوم عليه السلام ولم تكن نيتهم من القتال نصرة النبي وأهل بيته الأطهار عليهم السلام بل كانت نياتهم الحمية والعصبية والحسابات المادية..!

      وبناءً عليه: فليس بالضرورة العقلية والشرعية أن يكون كل من قتل تحت راية المعصوم في عصر النصّ وفي عصر الغيبة الكبرى يكون ناجياً ، فإن بعضهم قد يقاتل من أجل الدنيا وحطامها، وقد يقاتل حمية وعصبية، ومنهم من يقاتل على الأحساب، أو من أجل منصب ، أو لأي سبب آخر وهناك شواهد كثيرة في تاريخ الصحابة الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله ، فهناك من قتل معه ، كان يقاتل على الأحساب كما صرح بذلك أحد المنافقين بعد معركة أحد واسمه قزمان بعد أن عيّره النساء في تخلفه عن نصرة النبي في أحد.. ! ! وأحدهم كان قتيل الحمار.. فقد روى عبد الوهاب بن علي السبكي في طبقات الشافعية ج 6 ص 278 قال:" أنّه كان أحد القتلى في حروب النبي يبغي من مقاتلته لأحد المشركين أن ينتصر عليه ويأخذ الحمار الّذي كان يركبه ، ولكن المشرك كان أسرع منه فقتله ، ثمّ كشف النبيّ ( صلى الله عليه [وآله] وسلم ) بعدها عن نيّة هذا الصحابي المقتول .وهناك مَن سمّاه المسلمون بـ : " مهاجر أُمّ جميل"؛ وروى أبو طالب المكي في قوت القلوب قال:" وجاء في الخبر : أنّ رجلاً قتل في سبيل الله عزّ وجلّ فكان يدعى قتيل الحمار ، وذلك أنه قاتل رجلا ليأخذ سلبه وحماره فقتل على ذلك فأضيف إلى نيته. وفي حديث أبي عبادة عن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم : من غزا وهو لا ينوي إلَّا عقالا فله ما نوى . وقال : إني استعنت رجلاً يغزو معي، فقال : لا حتى تجعل لي جعلاً : فجعلت له فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه [وآله] وسلم فقال له : ليس له من دنياه وآخرته إلا ما جعلت له " . ورواه أيضاً الفيض الكاشاني في المحجة البيضاء ج 8 ص 104.

    ورواه بلفظ آخر الشيخ النراقي في جامع السعادات ج 3 ص 89  قال:" وفي الخبر: أن رجلاً من المسلمين قتل في سبيل الله بأيدي الكفار ، وكان يدعي بين المسلمين قتيل الحمار ، لأنه قاتل رجلاً من الكافرين بنية أن يأخذ حمارة وسلبه ، فقتل على ذلك فأضيف إلى نيته . وهاجر رجل إلى الجهاد مع أصحاب النبي ( ص ) ، وكانت نيته من المهاجرة أن يأخذ امرأة كانت في عساكر الكفار ويتزوجها - وتسمى أم قيس - فأشتهر هذا الرجل عند أصحاب النبي بمهاجر أم قيس ".

  (الأمر الرابع): أن لا يظلم الشيعة وينصب البغضاء لهم لأنهم موالون للحجج المطهرين (سلام الله عليهم) ومتبرؤون من أعدائهم؛ ولا ينصب لهم العداوة لأجل الدنيا والسلطة .

  وكلُّ من يُقتَل في حروب أعداء أهل البيت عليهم السلام بنية الدفاع عن الأوطان والأعراض وليس بنية الدفاع عن العقيدة والتشيع، فالظاهر إن له عوضاً عند الله تعالى حتى لو كان كافراً غير ناصبيٍّ، إلا أنه ليس شهيداً بالمصطلح القرآني والنبوي والولوي، فالعوض شيءٌ، والأجر والثواب شيءٌ آخر؛ فالعوض للكافر، والثواب للمؤمن؛ فالمؤمن إذا كان صحيحَ الإعتقاد، يناله الأجر والثواب لأجل عقيدته الحقة حتى لو لم يصلِّ، لأن المؤمن غير المصلي فاسق العمل لكنه صحيح العقيدة بالله تعالى ورسوله وأهل بيته الطيبين عليهم السلام فيناله الثواب على جهاده الأعداء بسبب عقيدته الصحيحة ولكنه يحاسب على ترك الصلاة والصوم بمقتضى قوله تعالى (يومئذٍ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعماله، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)، بينما الكافر يناله العوض فقط ولا يناله الثواب، ذلك لأن الثواب يكون على العقيدة لا العمل فحسب، والكافر لا عقيدة له فلا يناله الثواب وإن ناله العوض في الدنيا أو في البرزخ أو يوم القيامة بسبب دفاعه عن أعراض المؤمنين من هجوم الأعداء المخالفين، والعوض هو تخفيف العذاب لا انقطاعه كما هو مفصَّل في باب العقائد، ولا يُقاسُ العوض بالثواب والأجر..!

  وإطلاق الشهيد على من اتصف بالمواصفات المتقدِّمة لا يستلزم سقوط تغسيله وتكفينه وتحنيطه، بل تبقى هذه الواجبات على عهدة المكلّفين، فإن لم يفعلوا أثموا وسيكون للميت حقّ مطالبتهم يوم القيامة، وتتأكد المطالبة عند من أوصى بأن يغسَّل ويكَّفن ويحنط ولم تنفد وصيته؛ والله العالم.

    والحمد لله أولاً وآخراً وصلى الله على ساداتنا الأطهار الميامين محمد وآله المطهرين والسلام عليكم.

يا قائم آل محمد أغثنا يا أبا الغوث

 حررها العبد الأحقر محمَّد جميل حمُّود العاملي

بيروت بتاريخ 7 شهر رمضان 1438 هجري


  • المصدر : http://www.aletra.org/subject.php?id=1521
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2017 / 10 / 25
  • تاريخ الطباعة : 2017 / 11 / 25