• الموقع : مركز العترة الطاهرة للدراسات والبحوث .
        • القسم الرئيسي : الفقه .
              • القسم الفرعي : إستفتاءات وأجوبة .
                    • الموضوع : الإجتهاد إنما يكون في الموارد الفقهية الفرعية المختَلف عليها بين الأعلام ولا اجتهاد في الموارد الفرعية القطعية .

الإجتهاد إنما يكون في الموارد الفقهية الفرعية المختَلف عليها بين الأعلام ولا اجتهاد في الموارد الفرعية القطعية

الإسم: *****

النص:

بسم اللَّه الرحمان الرحيم

إلى سماحة آية اللَّه العامِلي دام ظلّه

السلام عليكم

مع دعائي لكم بالتوفيق أكثر فأكثر.. أقول: أنا مِن طلبة العلوم الدينيَّة، وفي الجُملة أشتغل بالتحقيق والتبليغ؛ خطرت ببالي مسألة، وها هي: أنَّه قرّر في مباحث الاجتهاد والتقليد لزوم قراءة المقدّمات وتحصيل المباني والممارة على ردّ الفروع إلى الأصول حتَّى تحصل ملكة الاجتهاد؛ فحينئذٍ ــ نظراً إلى أنَّ المطالب الدينيَّة منها العقائد والأخلاق ــ نسأل من جنابكم هل أنَّ الاجتهاد هي شرط وآلة لأيِّ استنتاج في المسائل الدينيَّة بأجمعها أم أنَّ الاجتهاد لازمٌ في استباط الفروع الدينيَّة فقط؟

لو أنَّ جوابكم هو عدم ضرورة الاجتهاد في غير المسائل الفرعيَّة.. يرد عليه بعض الإيرادات:

لأنَّنا نعلم أنَّ موضوع كثيرٍ من المباني يشتمل على استباط الفروع وأيّ استنتاج؛ مضافاً على أنَّ البعض يرون لزوم بعض مقدّمات أخرى لاستنباط المسائل الأخلاقيَّة والعقديَّة، نظير ما يطرحونه في كسب المهارة في الفلسفة والكلام. ومِن طرف آخر قد يكون رفع التعارض وفهم معاريض كلام الأئمَّة عليهم في الأدلَّة العقديَّة والأخلاقيَّة أصعب من أدلَّة الأحكام. وكذا كثير من الأدلَّة العقديَّة والأخلاقيَّة الَّتي يقرأونها على المنابر فيها بعض جوانب الفقهيَّة بأنه إمَّا يثبت به حكم فقهي أم يُعَيّن موضوعاً مستنبطاً شرعيّاً لحكمٍ فقهيٍ.

ولو قلتم بضرورته؛ فحينئذٍ يكون تبليغ أكثر المُبَلِّغين على أساس عدم العلم والبصيرة وهو غير عقلائيٍّ؛ لأنَّه واضحٌ أنَّ سيرتهم وديدنهم في المسائل العقديَّة والأخلاقيَّة ليس نقل نظر صاحب ملكة الاجتهاد فيهما، وإن أرادوا أن يكونوا هكذا ولكن لم يبيّن حدود وأحكام التقليد في هذين الواديَّين. ففي الواقع أنَّ المبلّغين في تبليغ الفروع والعقائد والأخلاق هُم أخباريُّون والمدار على تعليم الروايات وفي بيان الفروع هُم أصوليُّون والمدار على تعليم الفتاوى.

أتمنَّى من سماحتكم توضيح المسألة بنحوٍ شاف حتَّى لا يبقى لي إشكالٌ في البين.

سؤال آخر: في نقل الروايات هل يلزم علينا إحراز أحد الطرق السبعة أو التسعة لتحمّل الرواية؟ وما هو فائدة الإجازة الروائيَّة في زماننا هذا في الاستنباط والتبليغ؟

وفَّقنا اللَّه وإيَّاكم لطاعته ومرضاته.


الموضوع الفقهي: الإجتهاد إنما يكون في الموارد الفقهية الفرعية المختَلف عليها بين الأعلام ولا اجتهاد في الموارد الفرعية القطعية.

   التفاصيل: تعيين الموارد الفقهية والعقائدية التي يقع فيها الإجتهاد/ الثوابت الضرورية الفقهية والعقائدية لا يجوز الإجتهاد فيها / الإجازة الروائية من الفقيه لغيره من تلامذته، لا تعني أن المجاز له صار فقيهاً / المُجاز بالرواية يجب أن يتقيَّد بنظر الفقيه المجيز / المجاز له قد يكون مجتهداً وقد لا يكون / القدماء كانوا لا يجيزون إلا من وصل إلى رتبة الفقاهة / الإجازة اليوم تُعطى لكلِّ شاردٍ وواردٍ.

بسمه تعالى

   الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على سادة خلقه وقادة رسله رسول الله محمد وآله الطاهرين الأنوار المقدَّسين، واللعنة الدائمة السرمدية على أعدائهم أجمعين من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين..وبعد:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

   الجواب: الاجتهاد إنَّما يكون في الموارد الفرعية الفقهية المختلف عليها بين الأعلام، ولا اجتهاد في الموارد الفرعية الفقهية الضرورية الثابتة بالقطع واليقين وضرورة الدين كأصل وجوب الصلاة والصوم والحج والخمس والزكاة ونحوها من الموارد الفقهية الكلية، إلا أن هناك موارد جزئية تفصيلية وقع فيها الخلاف بين الأعلام بسبب التعارض والإجمال والإبهام والشذوذ والضعف..فهذه التفاصيل لا بدَّ فيها من تحصيل ملكة الإجتهاد في معرفتها ورفع الإجمال والتعارض فيها، أو أن المكلف يرجع إلى الفقيه الورع في معرفتها وبيان المراد منها..

  وأمَّا المسائل العقائدية ففيها تفصيل: فإذا كانت المسائل العقائدية من المسائل الخلافية بين علماء الكلام بسبب مخالفتها لآية قرآنية أو خبر نبويّ أو ولوي، أو بسبب تعارض الأخبار وتكافؤها أو ضعفها أو شذوذها..ونحوها من موارد التعارض المستقر وغير المستقر كما هو معلوم في علم الأُصول ودراية الأحاديث، ففي هذا المورد يجب على العالم الذي لم يصل إلى ملكة الإستنباط الرجوع إلى الفقيه الورع الجامع لشرائط التقليد، فيتبع نظر مقلِّده المجتهد في المسألة العقائدية الخلافية..ذلك لأن منشأ الخلاف في المسألة العقائدية إنما هو التعارض الروائي ونحوه مما أشرنا إليه أعلاه، ولا يمكن لغير المجتهد حلّ التعارض والأسباب الموجبة للإختلاف في المسألة العقائدية، ذلك لأن متعلق المسألة (أي حلّ التعارض والضعف والمعارضة للكتاب والأخبار في المسألة العقائدية الخلافية) هو من مهام ووظائف الفقيه الورع المجدّ، ولا علاقة لغير الفقيه في حل التعارض وأسبابه الموجبة له، فغير الفقيه الخبير في الأحاديث ومعالجة تعارضاتها لا يملك القدرة على الحل؛ إذ إن فاقد الشيء لا يعطيه، فهو نظير الأعمى الذي يتكأ على غيره ليسير على الطريق المستقيم، فمن لم يملك العدة والعتاد العلمي عاجزٌ عن حل المعضلات العقائدية المختلف عليها بين الأعلام بسبب أحد الأسباب الموجبة للتعارض والخلاف، فهو نظير مبتدئ بتعلم الطب ويريد تمريض المرضى وداواتهم ووصف الدواء لهم، فيهلك ويُهلك المرضى المحتاجين للدواء؛ ففاقد الشيء لا يعطيه..!! فلا بدَّ للعالم غير الفقيه من الرجوع إلى العالم الفقيه باعتباره من أهل الخبرة والاستنباط والعارف بأساليب حل التعارض والعرض على الكتاب والسنَّة المطهرة .

  وأمَّا إذا كانت المسائل العقائدية من المسائل من المسائل الضرورية واليقينية فلا حاجة إلى إعمال ملكة الإجتهاد فيها، بل لا يجوز الإجتهاد في المسائل العقائدية المتفق عليها بالضرورة والإجماع والقطع واليقين، فهنا يمكن للطالب المجد أن يدعم المطالب العقائدية والأخلاقية بالروايات المبثوثة في المصادر الحديثية؛ وبهذا يرتفع الإشكال الذي ذكرتموه حول فائدة الإجازة الروائية التي يحصل عليها كلُّ عالم لم يصل إلى درجة الإجتهاد، فإنه يجوز له أن يروي الأخبار الداعمة للعقائد المتفق عليها وكذلك يجوز له أن يروي الأخبار التي تدعم رأي مقلِّده الفقيه الورع، وليست الإجازة في صدد بيان أن بإمكان غير المجتهد العمل كيفما يشاء في الأخبار فيختار ما يتقبله عقله ويعرض عما لم يتقبله عقله..كلا ثم كلا ! إن الإجازة الروائية هي لتدعيم المسائل القطعية العقائدية والفقهية المتفق عليها، وليست في مورد اختيار الأخبار المختلف عليها بين الأعلام والمناهضة لنظر الفقيه الورع الجامع للشرائط..يرجى التأمل فإنه دقيق.

  وأمَّا السؤال عن أنه هل يلزم علينا إحراز أحد الطرق السبعة أو التسعة لتحمّل الرواية؟

    الجواب عليه بما يلي: لا يلزمكم من شروط تحمل الرواية عن الشيخ المجيز سوى السماع من الشيخ كتابةً أو تصريحاً بالقول كأن يقوله له:" أجزتك في رواية الأحاديث مما ثبت لدي روايته وصحته" وهي التي يعبَّر عنها بالإجازة الخطية؛ ففي هذا المورد يجب العمل بمضمون الإجازة المعطاة له، فيسأله عن كل رواية يريد الإستدلال بها ليكون على بيِّنة في معرفة الرواية التي يراها شيخه صحيحة من ناحية الدلالة والسند في بعض الأحيان..فالمجاز في الرواية ليس له التصرف في الأحاديث لمجرد أنه أخذ إجازة من شيخ الإجازة؛ بل يجب عليه التقيُّد بالشروط التي رسمناها لكم فيما سبق منا بيانه..كما يجب عليه المحافظة على الأحاديث وعدم تقطيعها والتصرف بها؛ ولا يحق للمجاز له  التصرف بغير ما خطه صاحب الإجازة (الفقيه المجيز)؛ ولو أطلق الفقيه بالإجازة كأن يقول له:" أجزتك برواية كلِّ ما صح عندي من الكتب المعتبرة عن مشايخي.." فهنا لا بدَّ من الرجوع إليه في الموارد المختلف عليها بين الأعلام في الروايات الفقهية والعقائدية الخلافية، ويصح له تأييد المطالب الفقهية والعقائدية الثابتة بالضرورة واليقين ولا خلاف فيها.

  وهنا لا بُدَّ أن نلفت النظر إلى أن القدماء كانوا يجيزون بالرواية كل من وصل إلى مرتبة الإجتهاد والإلمام بالأخبار وكيفية معالجتها برد الفروع إلى الأصول؛ بينما يختلف الأمر في زماننا هذا حيث صارت الإجازة تُعطى لكلّ شاردٍ ووارد، حتى ظنَّ بعض الجهال ممن حصلوا على الإجازة أنهم صاروا في موقع تصدير الفتاوى وتضعيف ما يرونه غير صائباً بحسب ضعفهم التحصيلي وعدم درايتهم بكتب الإستدلال ومدارك الأحكام..بل إن بعضهم لم ينتهِ من دراسة المقدمات يفتي يميناً وشمالاً لمجرد أنه حصل على إجازة في الرواية وهي مصيبة كبرى وكارثة عظمى أُصيبت بها الطائفة المحقة..!! وما ذاك إلا لحبّ التزعم على كرسي الفتوى، لذا ننبِّه إخواننا من طلبة العلوم أن لا ينكبوا على الدنيا والتبجح بالإجازات (أي الإفتخار بها) وهو بعدُ لم يتذوق علم الإستدلال العريض الذي لا يكون عبر تصفح كتب الأحاديث كوسائل الشيعة والبحار وبقية كتب الأحاديث، فهذه الكتب لا تعطي ملكة الإستدلال وكيفية معالجة الأخبار المتعارضة، بل لا بد لتحصيل الملكة من الإنكباب على دراسة كتب الإستدلال الفقهي المعدة لذلك ككتاب اللمعة الدمشقية والمكاسب للأنصاري  والجواهر والحدائق ومسالك الأفهام ورياض المسائل..ولا بُدَّ للطالب المجدّ أن يدرس جلَّ تلك الكتب على أيادٍ أمينة من العلماء والفقهاء..هذا فضلاً عن بحوث خارج الفقه، وكتب أُصول الفقه كالقوانين للميرزا القمي وأصول الفقه للمظفر والرسائل للأنصاري والجزء الأول من الكفاية للآخوند الخراساني أو درووس في علم الأصول للصدر...إن الطريق شاق وعسير، فلا يمني أحدٌ نفسه أنه يصل إلى المعالي من دون تعب وجهد وسهر طويل من أجل معرفة معالم الدين عن نظرٍ وتحقيق ودراية..والله تعالى هو الهادي إلى الرشاد والصواب بفضل النبي وآله الأطهار عليهم الصلاة والسلام. 

 والحمد لله أولاً وآخراً وصلى الله على رسولنا محمد وآله الأطهار المقدسين، والسلام عليكم.

يا قائم آل محمد أغثنا يا أبا الغوث

حررها العبد الأحقر محمَّد جميل حمُّود العاملي

بيروت بتاريخ 7 شهر رمضان 1438 هجري


  • المصدر : http://www.aletra.org/subject.php?id=1523
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2017 / 10 / 25
  • تاريخ الطباعة : 2017 / 11 / 25