• الموقع : مركز العترة الطاهرة للدراسات والبحوث .
        • القسم الرئيسي : الفقه .
              • القسم الفرعي : إستفتاءات وأجوبة .
                    • الموضوع : هل صحيح أن مولانا الإمام المعظَّم أبي عبد الله الحسين عليه السلام وجد لقمة خبز في المستراح وأراد أكلها..؟ .

هل صحيح أن مولانا الإمام المعظَّم أبي عبد الله الحسين عليه السلام وجد لقمة خبز في المستراح وأراد أكلها..؟

السلام عليكم

ما رأيكم في صحة هذه الرواية ؟
   أن مولانا أبا جعفر الباقر ( عليه السلام ) دخل الخلاء فوجد لقمة خبز في القذر فأخذها وغسلها ودفعها إلى مملوك، فقال: تكون معك لآكلها إذا خرجت، فلما خرج قال للمملوك: أين اللقمة ؟ قال : أكلتها يا ابن رسول، فقال: أما إنها ما استقرت في جوف أحد إلا وجبت له الجنة، فاذهب فأنت حر لوجه الله، فإني أكره أن استخدم رجلاً من أهل الجنة " . وهي مدعومة برواية أُخرى في عيون الأخبار( ج2 ص 48 ح 154 ) وبهذا الاسناد عن الحسين بن علي عليه السلام أنه دخل المستراح فوجد لقمة ملقاة فدفعها إلى غلام له فقال يا غلام اذكرني بهذه اللقمة إذا خرجت، فأكلها الغلام فلما خرج الحسين بن علي عليه السلام قال: يا غلام أين اللقمة ؟ قال: أكلتها يا مولاي قال أنت حر لوجه الله تعالى قال له رجل أعتقته يا سيدي قال نعم سمعت جدي رسول الله " صلى الله عليه وآله " يقول: ( من وجد لقمة ملقاة فمسح منها أو غسل ما عليها ثم أكلها لم تستقر في جوفه إلا أعتقه الله من النار ) .
ــــــــــــــ
 الموضوع الفقهي: ( هل صحيح أن مولانا الإمام المعظَّم أبي عبد الله الحسين عليه السلام وجد لقمة خبز في المستراح وأراد أكلها..؟ )
المحتويات
ثمة روايتان حول الموضوع . لا نسلّم بالرواية الأُولى الواردة عن الإمام الباقر عليه السلام ولكننا سنعالجها بالأُمور الآتية: 
الأمر الأول: الرواية مرسلة .
الأمر الثاني:الأخبار تمدح الخبز .
. ثواب أكل كسرة الخبز .
. عذَّب الله تعالى قوماً لإهانتهم الخبز .
الأمر الثالث:ثمة تعارض بين الخبر المنسوب إلى إمامنا الباقر عليه السلام وبين روايتينِ أُخريين .
الأمر الرابع:معالجة كلمة "قذر" التي هي محل الإشكال .
. المتعيَّن عندنا من معاني "القذر" هو الوسخ أو الغبار أو التراب..
. الأمر بغسلها نحمله على وجوهٍ متعددة الأطراف هي الآتية:
(الوجه الأول): تعظيم النعمة وإكرامها .
(الوجه الثاني): ترويض النفس على المهانة والإحتقار .
(الوجه الثالث):كشف الإمام عليه السلام عن تواضع العبد المملوك .
(الوجه الرابع):إن بعض الرواة المدلسين زادوا في الرواية..!
(الوجه الخامس):الروايتان المنسوبتان إلى إمامين عظيمين تخالفان آية التطهير الناهية عن تعاطي المعصوم عليه السلام للخبائث .
. القرائن المثبتة الدالة على تلفيق الأحاديث على المعصومين عليهم السلام .
(الوجه السادس):الرواية تكشف عن قضية خارجية لأجل إعتاق العبد .

 

بسم الله الرَّحمان الرَّحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سادات الخلق أجمعين رسول الله محمَّد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة السرمدية الأبدية على أعدائهم من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين..وبعد: 
    وعليكم السلام ورحمته وبركاته
   الجواب:إنَّ هاتين الروايتين مرسلتان سنداً، ولا يهم إرسالهما في أبواب الفقه باعتبارها من المستحبات التي تجري فيها قاعدة "أدلة التسامح في السنن" وكلتاهما رواهما الشيخ الصدوق في كتابيه "من لا يحضره الفقيه وعيون أخبار الإمام الرضا عليه السلام"، وهاتان الروايتان قد أخذهما العمريون ذريعة لنفي عصمة الأئمة الأطهار عليهم السلام من حيثية أن المعصوم عليه السلام في هاتين الروايتين أراد أكل الخبز المتقذر في المستراح، وبالتالي ينكرون إمامتهم التي يعتبرونها باطلة من أساسها بينما يعتبرون إمامة وخلافة الطواغيت الثلاثة صحيحة وممضاة عقلاً وشرعاً..!! فقدَّموا الرذيل على الشريف، والجاهل على العالم، والمؤمن التقي النقي على الكافر والفاسق الوضيع ؟؟ لا لشيء سوى أن الله تعالى بحسب زعمهم القبيح رأى أن المصلحة في ذلك كما قال إبن أبي الحديد في مقدمة كتابه (الحمد لله الذي قدَّم المفضول على الفاضل لحكمةٍ ارتأها..) فقد قلبوا موازين العقول والشرائع والقوانين، وعاكسوا قول الله تعالى{قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لا يَهِدي إِلَّا أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }يونس35 . {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ }الأنعام50 . {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ }هود24 . {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ }الرعد 16. {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }النحل76 . {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ }الزمر9 . {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ }الزمر29 . وصدقت مولاتنا وسيّدتنا الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء بنت رسول الله محمّد صلَّى الله عليه وآله حينما جابهت بخطبتها المهاجرين والأنصار لما تخاذلوا عن نصرتها ونصرة بعلها أمير المؤمنين عليّ صلَّى الله عليه وآله لما هجموا على دارهما الشريفة قالت لنساء المهاجرين والأنصار لما زاروها بعد الإعتداء عليها تخاطبهنَّ بلغة الفرد ( ألا هلم فاسمع ؟ ! وما عشت أراك الدهر عجبا ! وإن تعجب فعجب قولهم ! ليت شعري إلى أي أسناد استندوا ؟ ! وإلى أي عماد اعتمدوا ؟ ! وبأية عروة تمسكوا ؟ ! وعلى أية ذرية أقدموا واحتنكوا، لبئس المولى ولبئس العشير ، وبئس للظالمين بدلا ، استبدلوا والله الذنابى بالقوادم  والعجز بالكاهل  فرغما لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون .. ويحهم أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون ؟ ! ).
  وإن كنّا نشك في صحة صدور تينك الروايتين عن الإمامين عليهما السلام، إذ ليس كلّ ما يروى عنهم يستلزم صدوره من جهتهم، وقد حذرونا من كثرة الدَّس عليهم للإفتراء على ذواتهم المطهرة ومقاماتهم العالية والرفيعة، وإبعاد الخلق عنهم..وهو لا يؤثر في علو قدرهم وعظم شأنهم..وقد شنّع القوم على جدّهم رسول الله في حياته وبعد شهادته، فلهم أُسوة حسنة به صلَّى الله عليه وآله..وبالرغم من كلّ ذلك ،فلو سلَّمنا جدلاً بأن الروايتين صادرتان من المعصوم عليه السلام ومدلولهما واحد، فإننا سنعالج الروايتين بما يتناسب مع الأُسس الفقهية والعقدية، فإن استقامتا على الطريقة الوسطى فبها ونِعْمَت وإلَّا فسنضرب بهما الجدار كما أمرونا عليهم السلام بطرح كلّ رواية ليس لها شاهد من كتاب الله تعالى تُعرض على أخبار العامة، فما وافقهم فاضربوا به عرض الجدار..فكتاب الله هو المعيار والمقياس، وحيث إن الكتاب مقطوع الصدور ومقطوع الدلالة، فلابد أن يكون الكذب منسوباً إلى الخبر ويتعين لذلك طرحه، وبهذا العرض يتضح معنى الأخبار الواردة عن المعصومين عليهم السلام في اعتبار ما خالف كتاب الله زخرفاً، أو يرمى به عرض الجدار، لذا جعل الله على لسان المعصوم الكتابَ مقياساً لصحة الخبر عند المعارضة في الأحكام التي تعرض لها الكتاب...وجاء في صحيحة عمر بن حنظلة قال مولانا المعظَّم جعفر الصادق عليه السلام: (.. فإنْ كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم ؟ قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة وخالف العامّة فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنّة ووافق العامّة )، لذا سنبدأ بالرواية المنسوبة إلى الإمام الباقر عليه السلام، وسنعالجها بالأمور الآتية: 
   (الأمر الأول): الرواية مرسلة ولا جابر لها من إجماع أو شهرة وإن اشتهرت روايتها في المصادر الحديثية، فالإشتهار في نقلها لا يلازم العمل بها بشكلٍ مطلق، والرواة جعلوها ممسكاً ودليلاً متيناً على كراهة الأكل في بيت الكنيف، وبالتالي فإن للخبز أهمية شرعية وعرفية، فيجب احترامه على وجه الخصوص باعتباره من النبتة المباركة "القمح" التي مدحها القرآن الكريم بقوله تبارك ذكره وتعالى مجده :{مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }البقرة261، يضاف إليها الأخبار الشريفة التي أوضحت أهمية الخبز كعنصر غذائي صحي عظيم لقوام البدن والعلاج من الأمراض وغير ذلك..ولم يتعرضوا للخلفيات العقدية - المترتبة على أكل الكسرة الملقاة في البيت أو الكنيف أو الزقاق - إلا من حيثية كراهة الأكل في بيت الخلاء، وأن آكلها بعد التطهير يدخل الجنَّة..وأمَّا بقية الآثار المترتبة على ذلك فلم يبحثوا فيها وإنَّما أوكلوا أمرها إلى علماء العقيدة كمقام النبوة والإمامة والولاية.. وهل أن كلَّ آكلٍ لكسرة خبزٍ يلتقطها في طريق أو بيت خلاء يدخل الجنَّة حتى لو كان من عبدة الطاغوت وفرعون ونمرود وأصحاب لوط وثمود..؟!! وهل يتناول المعصوم عليه السلام القاذورات والعياذ بالله تعالى..أم أن ذلك حرام تتنزه عنه النفوس الطيبة من المؤمنين فضلاً عن نفوس الأنبياء والأوصياء والأولياء عليهم السلام..؟
     (الأمر الثاني):لقد وردت أخبار كثيرة تمدح الخبز وشددت على إكرامه باعتباره مادة غذائية مهمة ومشبعة ومفيدة، فلا تخلو مائدة إلا ويزينها الخبز فهو سيّد الموائد على مر العصور والأزمان..فقد روي في فضله الكثير من المديح نظير ما جاء عن أحدهم عليه السلام قال: (اللهم بارك لنا في الخبز )، وقال عليه السلام: (أكرموا الخبز فإنّه قد عمل فيه ما بين العرش إلى الأرض، والأرض وما فيها ). أي إن القمح والشعير عمل فيهما حتى صارا خبزاً عدة عوامل غيبية ومادية: منها الملائكة{فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً }النازعات5، {فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً }الذاريات4، والمدبرات أمراً فيهم المدبرات السماوية والأرضية، فالله تعالى يأمر الملائكة المدبرات أمراً بأن يأمروا ويدبروا ملائكة البحار والبخار والسحاب حتى ينزلوا الغيث فيبسط الرزق بانبات النباتات الحسنة حتى تكون أغذية للحيوانات فيحيى الحيوان والانسان معاً. ومنها بذور القمح أو الشعير، ومنها الفلاح الذي بذرها في الأرض واعتني بسقايتها بعد الملائكة، ومنها حصاده لها ثم غربلتها وطحنها ثم عجنها وخبزها..وأمَّا المقسمات أمراً فهي التي توزع الأرزاق على العباد، قال إمامنا جعفر الصادق عليه السلام: في قول الله عز وجل: " فالمقسمات أمراً " قال ( الملائكة تقسم أرزاق بني آدم ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فمن ينام فيما بينهما نام عن رزقه ).
  ونهى إمامنا المعظّم جعفر الصادق عليه السلام عن وضع الرغيف تحت القصعة، وقال عليه السلام: ( في إكرام الخبز إذا وضع فلا تنتظروا غيره، ومن كرامته أن لا يوطأ ولا يُقطع ). وورد عنه عليه السلام في خبرٍ آخر النهي عن تقطيعه بالسكين .
وفي الصحيح عن يونس عن الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: ( لا تقطعوا الخبز بالسكين، ولكن اكسروه باليد خالفوا العجم ).
   وورد عن النبيّ صلَّى الله عليه وآله ( إياكم أن تشموا الخبز كما تشمه السباع فإن الخبز مبارك أرسل الله له السماء مدراراً وله أنبت الله المرعى وبه صليتم وبه صمتم وبه حججتم بيت ربكم )، وقال أيضاً صلى الله عليه وآله وسلم: إذا أتيتم بالخبز واللحم فابدؤا بالخبز فسدوا به خلال الجوع ثمَّ كلوا اللحم ).
 وقال عليه السلام: (صغروا رغفانكم فإنّه مع كلّ رغيف بركة). وعن الإمام المعظم عليّ الرضا عليه السلام قال عليه السلام: ( فضل خبز الشعير على البرّ كفضلنا على الناس، ما من نبيّ إلَّا وقد دُعي لأكل خبز الشعير وبارك عليه، وما دخل جوفاً إلَّا وأخرج كلّ داء فيه، وهو قوت الأنبياء وطعام الأبرار ).
ثواب أكل كسرة الخبز:
   ورد الكثير من الثواب في أكل الخبز حتى الكسرة الصغيرة، فقد ورد في بعض الأخبار أن آكلها هو مهر زوجاته في الجنة لكثرة ما فيه من الثواب قال عليه السلام: (الذي يسقط من المائدة مهور الحور العين ) . وجاء عن رسول الله قال (ومن وجد كسرة فأكلها كانت له حسنة، ومن وجدها في قذر فغسلها ثم رفعها كانت له سبعين حسنة ) . وورد أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد دخل على عائشة فرأى كسرة كادت أن تطأها فأخذها فأكلها، ثم قال : يا حميرا " أكرمي جوار نعم الله عليك، فإنها لم تنفر من قوم فكادت تعود إليهم " .
   وقال أبو عبد الله عليه السلام: (إذا أردت أن تأخذ في حاجة، فكلّ كسرة بملح فهو أعز لك، وأقضى للحاجة ). وجاء عن أمير المؤمنين علي عليه السلام قال: ( كلوا ما يسقط من الخوان، فإنّه شفاء من كلّ داء بإذن اللَّه لمن أراد أن يستشفي به ) وأكثر ما يسقط هو كسرات الخبز.. وقال عليه السلام : (من وجد تمرة أو كسرة ملقاة فأكلها لم تستقرّ في جوفه حتّى يغفر اللَّه له ). وقال الإمام الصادق عليه السلام في التمرة والكسرة تكون في الأرض مطروحة فيأخذها إنسان ويأكلها :( لا تستقرّ في جوفه حتّى تجب له  الجنّة ). وعنه أيضاً ( عليه السلام ) عن آبائه قال: قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : من وجد كسرة أو تمرة فأكلها لم تفارق جوفه حتى يغفر الله له . وقال عليه السلام : ( إنّي لألحس أصابعي في المأدوم حتّى أخاف أن يرى خادمي أنّ ذلك من الجشع ، وليس ذلك كذلك ، ثمّ ذكر عقوبة الذين كانوا ينجون صبيانهم بالخبز ). 
وروى النوري في المستدرك (ج 1 ص 283 ح 610 ) مرسلاً عن الإمام جعفر بن محمد ( عليه السلام ) أنه سئل عن الصلاة على كدس الحنطة فنهى عن ذلك فقيل له فإذا افترش وكان على السطح فقال: لا يصلى على شئ من الطعام فإنما هو رزق الله لخلقه ونعمته عليهم فعظ موه ولا تطؤوه ولا تتهاونوا به فإن قوماً ممن كان قبلكم وسع الله عليهم في ارزاقهم فاتخذوا من الخبز النقي مثل الأنهار فجعلوا يستنجون به فابتلاهم الله عز وجل بالسنين والجوع فجعلوا يتتبعون ما كانوا يستنجون به فيأكلونه وفيهم نزلت هذه الآية ( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ) .
قال عليه السلام : ( أكرموا الخبز، فإنّه قد عمل فيه ما بين العرش إلى الأرض ، والأرض وما فيها من كثير من خلقها ). وروي : أنّ قوماً أهانوا الخبز فابتلاهم اللَّه بالقحط حتّى ذبحوا أولادهم وأكلوهم .
وسئل الإمام الصادق عليه السلام عن صاحب لنا يكون على سطحه الحنطة والشعير فيطؤونه يصلَّون عليه، فغضب وقال: ( لولا أنّي أرى أنّه من أصحابنا للعنته، أما يستطيع أن يتّخذ لنفسه مصلَّى يصلَّي فيه ؟ ). 
يكره أن يكون الخبز تحت القصعة، وجاء فيه عن إمامنا الصادق عليه السلام قال عليه السلام: لا يوضع الرغيف تحت القصعة .
وتغدّى الإمام أبو الحسن عليه السلام عند رجل ، فجيء بقصعة وتحتها خبز، فقال : أكرموا الخبز أن يكون تحتها، وقال: مر الغلام أن يخرج الرغيف من تحت القصعة .
عذّب الله قوماً لإهانتهم الخبز :
  روى المحدّث الكليني في فروع الكافي ج 6 ص 303 ح 1 نقلاً عن عليّ بن إبراهيم علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن هارون بن مسلم ، عن مسعدة بن صدقة ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ( قال النبي صلى الله عليه وآله: أكرموا الخبز فإنه قد عمل فيه ما بين العرش إلى الأرض وما فيها من كثير من خلقه، ثم قال لمن حوله: ألا أخبركم؟  قالوا : بلى يا رسول الله فداك الآباء والأمهات، فقال: إنه كان نبي فيمن كان قبلكم يقال له: دانيال وإنه أعطى صاحب معبر رغيفاً لكي يعبر به فرمى صاحب المعبر بالرغيف، وقال: ما أصنع بالخبز هذا الخبز عندنا قد يداس بالأرجل فلما رأى ذلك منه دانيال رفع يده إلى السماء ثم قال: اللهم أكرم الخبز فقد رأيت يا رب ما صنع هذا العبد وما قال، قال: فأوحى الله عز وجل إلى السماء أن تحبس الغيث وأوحى إلى الأرض أن كوني طبقا كالفخار، قال: فلم يمطروا حتى
أنه بلغ من أمرهم أن بعضهم أكل بعضاً فلما بلغ منهم ما أراد الله عز وجل من ذلك قالت امرأة لاخرى ولهما ولدان: يا فلانة تعالي حتى نأكل أنا وأنت اليوم ولدي وإذا كان غدا أكلنا ولدك، قالت لها: نعم، فأكلتاه فلمَّا أن جاعتا من بعد راودت الأخرى على أكل ولدها فامتنعت عليها فقالت لها: بيني وبينك نبي الله فاختصما إلى دانيال عليه السلام فقال لهما: وقد بلغ الامر إلى ما أرى ؟ قالتا له: نعم يا نبي الله وأشد قال: فرفع يده إلى السماء فقال: اللهم عد علينا بفضلك وفضل رحمتك ولا تعاقب الأطفال ومن فيه خير بذنب صاحب المعبر وأضرابه لنعمتك، قال: فأمر الله عز وجل السماء أن أمطري على الأرض وأمر الأرض أن انبتي لخلقي ما قد فاتهم من خيرك فإني قد رحمتهم بالطفل الصغير ).
  وروى العلامة المجلسي نقلاً عن المحدث عليّ بن إبراهيم في تفسير القمي علي بن إبراهيم في تفسيره قوله تعالى ( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ) سورة النحل، قال نزلت في قوم كان لهم نهر يقال له الثرثار (وفي نسخة: الثلثان) وكانت بلادهم خصبة كثيرة الخير وكانوا يستنجون بالعجين ويقولون هو ألين لنا فكفروا بأنعم الله واستخفوا بنعمة الله فحبس الله عليهم الثرثار فجدبوا
حتى أحوجهم الله إلى ما كانوا يستنجون به حتى كانوا يتقاسمون عليه..)  يتقاسمون عليه " أي يحلفون أو يقسمون أو يقرعون عليه في القاموس تقاسما تحالفا، والمال اقتسماه بينهم ..
  وجاء في المحاسن: عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن عمرو بن شمر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إني لألعق أصابعي من المآدم حتى أخاف أن يرى خادمي أن ذلك من جشع، وليس ذلك كذلك، إن قوما أفرغت عليهم النعمة وهم أهل الثرثار، فعمدوا إلى مخ الحنطة فجعلوه خبزاً هجائاً فجعلوا ينجون به صبيانهم حتى اجتمع من ذلك جبل، قال: فمر رجل صالح على امرأة وهي تفعل ذلك بصبي لها، فقال: ويحكم اتقوا الله لا تغير ما بكم من نعمة، فقالت: كأنك تخوفنا بالجوع؟  أمَّا ما دام ثرثارنا يجري فإنَّا لا نخاف الجوع، قال: فأسف الله عز وجل وضعف لهم الثرثار، وحبس عنهم قطر السماء ونبت الأرض، قال: فاحتاجوا إلى ما في أيديهم فأكلوا ثم احتاجوا إلى ذلك الجبل، فإن كان ليقسم بينهم بالميزان ). والأسف السخط قال اللَّه تعالى « فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ ..أي لمّا أسخطونا انتقمنا منهم..
وأخرج السيوطي في الدر المنثور عن ابن أبي شيبة عن الحسن قال كان أهل قرية أوسع الله عليهم حتى كانوا يستنجون بالخبز فبعث عليهم الجوع حتى أنهم كانوا يأكلون ما يتغدون به ). 
  (الأمر الثالث): خبر الإمام الباقر عليه السلام يعارضه خبران هما: 
  الأول:خبر الكافي ج6 / 300 / 5 / 1 حميد عن الخشاب عن ابن بقاح عن عمرو بن جميع قال: قال رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله وسلّم « من وجد كسرة فأكلها كانت له حسنة ومن وجدها في قذر فغسلها ثم رفعها كانت له سبعين [ سبعون - خ ل ] حسنة » .
 الثاني:خبر هداية الأمة للحر العاملي ج 8 ص 127 عن مولانا الإمام المعظم أبي جعفر الثاني قال: ( لغلام يرفع ( ما وقع )  من فتات  الطعام: ما كان في الصحراء فدعه ولو فخذ شاة، وما كان في البيت فتتبّعه وألقطه ). وقال الإمام الرضا عليه السلام: ( من أكل في  منزله طعاماً فسقط منه شيء فليتناوله، ومن أكل في الصحراء أو خارجاً فليتركه للطير والسبع ).
     نلاحظ أن خبر الخشاب فيه ما هو صريح في رفع الخبز عن الأرض القذرة وتطهيره أو غسله لوجوب إكرامه وليس فيه ما يدل على أكله..ويؤكده خبر إمامنا الجواد أبو جعفر الثاني عليه السلام إذ ليس فيه ما يدل على الأكل، لأن الإلتقاط أعم من الأكل، فيحمل على جمعه للطيور والدجاج وللأكل ما دام لم يتلوث بقذر.. فحمل الإلتقاط هنا لأجل أكله يحتاج إلى قرينة صارفة وهي مفقودة ههنا وإن كان لأجل الأكل قريباً باعتباره غير ملوث بقذر ففي أكله ثواب عظيم، فتأمل.
  (الأمر الرابع): معالجة كلمة "قذر" التي هي محط الإشكال، لذا نقول: 
  إن معنى كلمة "قذر" في اللغة هو الوسخ قال الجوهري في الصحاح  ج 2 ص 787  "القذر : ضد النظافة. وشئ قذر بين القذارة . وقذرت الشئ بالكسر وتقذرته واستقذرته: إذا كرهته ". والقذارة في مقابل النظافة، قال في لسان العرب ج 5 ص 81 " القَذَرُ: ضدّ النظافة؛ وشئ قَذِرٌ بَيِّنُ القَذارةِ . قَذِرَ الشيءُ قَذَراً وقَذَر وقَذُرَ يقْذُرُ قَذارةً ، فهو قَذِرٌ وقَذُرٌ وقَذَرٌ وقَذْرٌ ، وقد قَذِرَه قَذَراً وتَقَذَّره واسْتَقْذره ". والقذر يأتي بمعنى العذرة والفعل السيء والقبيح..إلخ.
والحاصل: إن القذر أعم من الغائط، فلا ملازمة بين القذر والغائط، فربما يكون الشيء قذراً ولكنه ليس عذرةً، وبناءً عليه فإن كلمة "قذر" الواردة في الخبر ليست متعينة بالغائط وإلا لا يصح تطهيرها ثم أكلها فإن ذلك فعل تتقزز منه النفوس ولا يفعله إلا الشذاذ من الخلق، فضلاً عن الإمام عليه السلام وحاشاه أن يلتقطها من الغائط ويغسلها لكي يأكلها، فبمقدوره إلقائها للطيور أو دفها في التراب..إذاً لا بُدَّ من حمل القذر في الرواية على الوسخ  حيث اتسخت  كسرة الخبز بالتراب ومواد أُخرى، فهي بهذه الكيفية أصابها القذَر أي الوسخ، فمن هنا أخذها وغسلها ودفعها إلى مملوكه..وليس في حدود اطلاعنا على الأخبار كهذين الخبرين اللذين أشرنا إليهما ما يشير من قريبٍ أو بعيدٍ إلى أن الإمام عليه السلام التقط خبزاً من المستراح وغسله ثم أكله..نعم ورد أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد دخل على عائشة فرأى كسرة كادت أن تطأها فأخذها فأكلها، ثم قال: يا حميرا " أكرمي جوار نعم الله عليك، فإنها لم تنفر من قوم فكادت تعود إليهم ". وأين هذا من كسرة كانت في المستراح..؟!! قياس مع الفارق..!!
 المتعيَّن من معاني "القذر" هو الوسخ أو الغبار والتراب :
 وبناءاً على أن القذر يعني الوسخ وهو المتعيّن عندنا؛ فالأمر بغسلها وأكلها له عدة وجوه هي التالي:
    (الوجه الأول):تعظيم النعمة لا سيَّما الخبز المبارك كما دلت الأخبار على وجوب تكريمه، ونهت عن توهينه كما لو وضِعَ تحت القصعة وكراهة تأخير البدء بالطعام عند حضور الخبز لأن التأخير خلاف التكريم..والنهي عن تقطيعه بالسكين..إلى ما سقناه من أخبار تمدح الخبز وتذم بمحتقريه وتوهينهم له وأن كلّ ذلك حرام شرعاً..وأشرنا إلى بعض الأخبار الكاشفة عن أن الله تبارك ذكره عاقب جماعة بسبب تحقيرهم للخبر.. 
    (الوجه الثاني): لأجل ترويض النفس على المهانة والإحتقار كي لا تستعلي على صاحبها..وهذا يشمل غير المعصوم المحتاج إلى المعصوم ليعلّم العباد ترويض النفس وتهذيبها، والمعصوم سواءٌ أكان نبيَّاً أو وصيّاً أو إماماً أو وليّاً، ليس بحاجة إلى هذه الطرق الترويضية لأنه معلَّم من عند الله تعالى ومسدد بإلهام الله ووحيه.. فالمعصوم خارج منها حكماً وموضوعاً فلا داعي لأن نتعب أنفسنا بتأويل فعله حول الكسرة التي أكلها العبد..هل أنه عليه السلام كان يريد أكلها أم لا ..؟ والصحيح أنه لم يكن يريد أكلها حقيقة باعتباره من القذر الذي يجب تنزيه المعصوم عن فعله حتى لا يعيَّر وحتى لا تأنف النفوس منه، فينسبونه إلى الدناءة والحقارة والنهم، وهو من ضروريات ديننا في أُصول العقيدة ومن نسب إليه فعل الدناءة فهو خارج من ملتنا وداخل في ملة غيرنا..! وبالفعل لقد نعت المخالفون إمامنا الباقر عليه السلام وغيره من أنهم كانوا يريدون أكل الكسرة القذرة فأكلها المملوك..نعوذ بالله من شطحات الأقلام وزلات اللسان..!!
  والحاصل: إن المعصوم عليه السلام لا يأكل القذر حتى لو طهره بالكر، لأن ذلك هتك له وتحقير وتوهين لذاته ولغيره من أتباعه فيعيرونهم بإمامهم آكل القذارات من بيوت الخلاء..(حاشا لنعليه الشريفتين) وفي ذلك تعييب عظيم عليه وعلى شيعته..!!
   (الوجه الثالث): لو سلّمنا بصحة صدور الخبر عن إمامنا الباقر عليه السلام من أنه أراد أكل الكسرة، وهو على يقين أنه لن يأكلها لأن العبد سيأكلها ليكون ذلك سبباً لإطلاق سراحه باعتباره آمن بما قاله الإمام عليه السلام، ولو أكلها العبد لانقلب إلى أهل الجنة لقوله عليه السلام:" أما إنها ما استقرت في جوف أحد إلا وجبت له الجنة، فاذهب فأنت حر لوجه الله، فإني أكره أن استخدم رجلاً من أهل الجنة "، هذا الوجه وإن كان صحيحاً بالعنوان الأولي إلا أنه غير تام بالعنوان الثانوي وهو عدم إقدامه على ذلك حتى لا يُعيَّر شخصياً أو يُعيَّر أتباعه وشيعته بذلك..!! 
  وبهذا يتم هدم ما تهكم به أحد العمريين على عصمة الإمام الباقر أو الإمام الحسين أو الإمام علي بن الإمام الحسين (عليهم السلام) على اختلاف الرواية في تعيين الإسم بأن ظاهر الرواية يدل على تناقض صارخ مع مفهوم العصمة؛ إذ المعصوم لا يمكن أن يقدم على التقاط طعام ملوث بالقذر، ولا أن يفكر بأكله بعد خروجه من الخلاء، فإن ذلك منافٍ للنظافة والطهارة التي يوجبها الشرع والعقل.
   (الوجه الرابع): أن بعض الرواة الملفقين سواء أكانوا من العامة العمياء أم من فرق الواقفية والزيدية الفطحية، زادوا على الرواية بكلمة (تكون معك لآكلها إذا خرجت) ليتهكموا على الإمامين الحسين والباقر عليهما السلام..وهناك أخبار بالمئات دسّها المخالفون في مصادرنا الحديثية لهدم معالم التشيع وفك ارتباط الشيعة بأئمتهم المطهرين عليهم السلام من خلال التشكيك بعصمتهم وتناولهم للقذارات غير المحرمة..!! 
   (الوجه الخامس): هاتان الروايتان تخالفان آية التطهير (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (الأحزاب: 33 )، فكلُّ رجسٍ مدفوع عن النبي وآله، والقذر من مصاديق الرجس المنفي عنهم، فلا يقتربون منه فضلاً عن التفكير فيه.. فالرواية مخالفة لآية التطهير ومتوافقة مع المخالفين الذين نسبوا إلى رسول الله المعصوم أنه كان يحتلم وأنه أخطأ في بعض الأحكام وأنه شرب الخمر حتى سكر على مزبلة فأكل الخنزير من أذنه، وأنه لم يعرف نزول جبرائيل عليه حتى عرّفته السيّدة خديجة،..وأنه كان يمني في ثوبه وتفركه عائشة بيديها من دون غسل..وكان أيام حيضها يأمرها بشد مأزرها وينهمها بالتقبيل..وأنه كان ينام ويضع رأسه بين فخذيها.. وكان يلعب معها عندما كانت صغيرة ويتراكضان وكان يستمع إلى الغناء حتى جاء عمر وقال: في بيت رسول الله مزمارة الشيطان.. وأن عمر بن الخطاب كان لا يستنجي من الغائط والبول بالماء بل كان يمسح عضوه بالحائط  ويستنجي بالعود كما في السنن الكبرى للبيهقي عن أبي إسحاق عن مولى عمر يسار بن نمير قال كان عمر رضي الله عنه إذا بال قال ناولني شيئا أستنجي به قال فأناوله العود والحجر، أو يأتي حائطاً يتمسح به أو يمس الأرض ولم يكن يغسله وهذا أصح ما روي في هذا الباب وأعلاه على حدِّ تعبير البيهقي..!! فكان عمر بن الخطّاب يمسح دبره بالحائط وفي بعض الأحيان يمسح دبره بالأرض..!! وأمّا حكايات أبي بكر فحدثوا ولا حرج..!! وعثمان بن عفان مثلهما ومعاوية شبيههم من دون اختلاف في المراتب والمثالب الخسيسة..!! فمن أراد المزيد فليرجع إلى خزعبلاتهم في صحاحهم، وليراجع البحار/ مجلدات المثالب نقل أكثرها من كتب العامة العمياء..وليرجع إلى كتابنا (علم اليقين في تنزيه سيّد المرسلين عن العبوس) طبعة مؤسسة الأعلمي...هذه أهم الوجوه التي سنحت في خاطرنا تأويلاً للخبر المذكور على فرض صحة صدوره منهم عليهم السلام .
    هذا  كله فيما يختص بالرواية المنسوبة إلى الإمام محمد الباقر عليه السلام والتي كان يهمنا فيها أنَّه أراد أكل اللقمة التي كانت في القذر..والتي قلنا أنها ملفقة عليه بالكيفية التي ذكروها، وليس بعيداً أن الأعداء أضافوا إليها كلمة " لآكلها" لتشويه سمعته والتهكم عليه وعلى بقية الحجج الأطهار عليهم السلام، وإلا لماذا لم تُذكر كلمة (لآكلها) في رواية الإمام الحسين عليه السلام، بل غاية ما تدل عليه هو أن الإمام الحسين وحفيده الإمام الباقر عليهما السلام استودعا اللقمة مع الغلام لا ليأكلاها بل ليبعدانها عن القذارة لوجوب تعظيم نعمة الله تعالى، ولا ملازمة عقلية بين استيداعهما اللقمة مع الغلام لأجل أن يأكلاها بل الأمر أعم ذلك..ولو سلَّمنا أنهما أرادا أكلها فلأنها لم تكن في القذارة المتعارف عليها وهي الغائط أو البول..فإن ذلك غير جائز لما فيها من الخبث وقد نهانا الله تعالى ورسوله والحجج الأطهار عليهم السلام عن تناول الخبائث والقاذورات، فكيف يجيزوا لأنفسهم أكل اللقمة الملوثة بالقذارة..؟!! ورواية الصدوق هذه مرسلة ليس لها شبيه من حيثية أن الإمام الباقر عليه السلام أراد أن يأكل القمة التي وجدها في القذر..فلا يجوز الإعتماد عليه كمبرر لتعظيم نعمة الله تعالى بأمر المؤمنين بأن يتناولوا الخبز الملوث بالغائط أو البول، وغسْلُها لا يخرجها من الخبيث إلى الطيب..ولم يُعهد في سيرة معصوم من الأنبياء والأوصياء والأولياء أن واحداً منهم رفع لقمة من المستراح ثم غسلها وأكلها..وإلا لكان هذا عقاباً كعقاب بعض الأقوام الذين كانوا يتمسحون بالخبز فانتقم الله تعالى منهم فأجدب ثمارهم وأمات مواشيهم فصاروا يأكلون الخبز الذي كانوا يستنجون به..!!
قرائن إضافية مهمة:
    وثمة قرينة واضحة في خبر العيون هي: أن الإمام الحسين عليه السلام روى عن جدِّه رسول الله صلَّى الله عليه وآله قال (من وجد لقمةً ملقاة فمسح منها أو غسل ما عليها ثم أكلها لم تستقر في جوفه إلا أعتقه الله من النار ) فإطلاق كلمة (ملقاة) يجب تقييده بمكان غير موضع الغائط والبول، أي ملقاة في مكانٍ غير متلوث بالبول والغائط بل هو المقطوع به، أو فليكن هو المقدار المتيقن من لحن الخطاب بقوله (لقمة ملقاة) أي لقمة ملقاة في مكانٍ ما قد تلوثت بالتراب الوسخ، أو كانت في المنزل أو المسجد أو في حديقة أو بستان أو تجمع أو طريق..أو من باب الفرض وجدها في تلك المراحيض الترابيه القديمة إلا أن الرطوبة لم تصلها كما يشهد له رواية أُخرى (من وجد تمرة أو لقمة) فمسح عنها الغبار أو التراب وغسها ثم أكلها فله ثواب كذا وكذا..أمَّا مراحيض اليوم فلا يمكن لأيّ كان أن يرفعها من المرحاض ليأكلها لصدق كونها من الخبائث وليست من الطيبات، فضلاً عن أن في أكل اللقمة الملوثة بالغائط فيها مظنة الضرر بل متيقنه حتى لو غسها مرات، بل ثمة بدائل أُخرى في تعظيم الخنز وإكرامه بأن ينتشلها من بيت الخلاء ويغسلها ثم يرميها للطيور، أو يطمرها في الأرض...ولو كانت اللقمة أو التمرة في الغائط يجب انتشالها منه وتطهيرها ثم دفنها تحت التراب أو يرميها للطيور فإنها رزقهم..
  وثمة قرينة أُخرى واضحة تشير إلى أن أن اللقمة كانت ملقاة على تراب وليس قي قاذورة الغائط أو البول وهي قوله عليه السلام في رواية عيون الأخبار ( فمسح منها أو غسل ما عليها) أي مسح منها موضع التراب أو الغبار أو غسل ما علق عليها من غبار أو تراب، ثم أكلها تواضعاً لله تعالى وتعظيماً لنعمة الله تبارك ذكره فيحولها الله تعالى إلى نورٍ في جوفه يؤهله إلى دخول الجنة إذا كان مؤمناً، وإنْ لم يكن مؤمناً فلا تؤثر فيه أخروياً ولعلّها تؤثر فيه دنيوياً فيهتدي إلى الخير والعقيدة الحقّة..يرجى التأمل جيداً.
  هذا مضافاً إلى أن الروايتين دلتا على أن كلّ واحد من البشر وجد لقمة في قذر ( من وجد لقمة / ما استقرت في جوف أحد ) ثم أكلها وجبت له الجنّة وهو خلاف فرض ما أشاروا إليه عليهم السلام إلى أن دخول الجنة مشروط بالإيمان والإعتقاد برسوله وأهل بيته الأطهار عليهم السلام، فلو فرضنا – والفرض حاصل بالوجدان وعند العرف – أن الكافر والناصبي وعبدة الأوثان وغيرهم من ملل الكفر والزندقة وجد لقمة في المرحاض وأكلها فهل ترون أن الله تعالى حرَّم عليه النار وأدخله الجنة مع ما فيه من كفر وعربدة ونصب وعداوة لآل البيت عليهم السلام فيتساوى المؤمن بغيره من عبدة الأوثان والنواصب والكفار..وهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وهل تستوي الظلمات والنور..؟؟ لا يستويان أبداً ..كلا وألف كلا..
  (الوجه السادس): لعلَّ الرواية قضية خارجية لأجل إعتاق العبد وهو غير بعيدٍ بالنظر البَدْوي، ولكن لا يعني هذا بالضرورة أن اللقمة كانت ملقاة في الغائط أو البول وأمرها الإمام عليه السلام بأكلها..كلا ! ليس ثمة ما يدل على أنَّه عليه السلام أمره بأكل اللقمة..والقضايا الخارجية لا يمكن تعميمها على عامة المكلفين، وسنّ وتقنين حكم عام عليها، فالقضية الخارجية هي قضية خاصة وردت في مورد خاص، فإن هذا لا يكون على نحو الكبرى الكية، من هنا يعبر عنها في كلمات الفقهاء بأنها قضية في واقعة... ولو صح تعميمها على نحو القضية الحقيقية الكلية، فلا يعني استحباب أكل القذر من بيت الخلاء لا سيَّما إذا كان ملوثاً بالغائط أو البول بل يحرم أكله حتى لو طُهّرَت بالماء لسريان النجاسة إلى أعماقها والتغلغل في ذراتها، ويصدق عليها أنها من الخبائث المنصوص على حرمتها بقوله تعالى ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) الأعراف157 ولا شك ولا ريب في أن اللقمة التي كانت في قاذورة الغائط والبول يحرم أكلها باعتبار أنها صارت من الخبائث وإن كانت في أصلها من الطيبات..فوظيفة المكلّف أن ينتشلها من الغائط أو البول ويطهرها بالقليل أو يضعها في الكر أو يرميها بالنهر أو البحر، أو يرميها للطيور كما أشرنا في مطاوي إجاباتنا السابقة.. 
    الخاتمة: لم نرَ حجية لرواية الشيخ الصدوق بالحيثية التي ورد فيها من أن الإمام الباقر عليه السلام وجد لقمة في بيت الخلاء وأراد أكلها..بل يبدو أنّها مدسوسة بإضافة زيادات عليها للتهكم على أئمتنا المطهرين عليهم السلام..ولو سلّمنا بصحتها فتحمل على المحامل التي ذكرناها آنفاً، والله تعالى هو المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم، والله تعالى حسبنا ونعم الوكيل. 
حررها عبد الحجج الأطهار صلوات الله عليهم
كلبهم باسط ذراعيه بالوصيد يتربص أعداءهم
غريب الديار محمد جميل حمُّود العاملي
بيروت/ بتاريخ 13 شعبان 1447 هجري

  • المصدر : http://www.aletra.org/subject.php?id=2423
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2026 / 02 / 04
  • تاريخ الطباعة : 2026 / 11 / 5