|
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مولانا.
أخي ترك عندي غرضاً، وطلب مني أن أحافظ عليه وألا أعطيه لأي شخص.
واليوم طلبه مني شخص آخر، فتلبكت في الكلام ولم أعرف ماذا أقول. شعرت أنه إذا قلت له: لن أعطيك إياه، قد يزعل، وإذا قلت له: أخي لا يقبل، قد يزعل منه أيضاً ويحدث خلاف، فاضطررت أن أكذب عليه وقلت له: ليس عندي، أخي أعطاه لشخص آخر...فهل هذا يُعدّ حراماً ؟ وإذا كان حراماً، الآن لا أستطيع أن أخبره أني كذبت عليه، فماذا أفعل؟
ــــــ
الموضوع الفقهي: (كان وفيّاً مع أخيه في الحفاظ على الأمانة ولكنه خان الله تعالى فكذَّب..!) .
بسم الله جلَّت عظمته
وعليكم السلام ورحمته وبركاته
الجواب:نعم إن فعلكم المتقدم الذكر في سؤالكم يعدُّ حراماً باعتباره كذباً صريحاً لا داعي له سوى الخوف من المواجهة بالحق والحقيقة والصدق، كان من الواجب عليكم المجاهرة بالصدق، وقد عرّفوا الصدق بأنه (مطابقة القول للواقع، والخبر عن الشيء كما هو عليه في الحقيقة) أو هو (الخبر عن الشئ على ما هو عليه في نفسه ) وما عداه فهو الكذب، والصادق ممدوح عند العقلاء فضلاً عند المتدينين، وعكسه الكذاب فإنه مبغوض عندهم وينفرون منه، لأنهم لا يأمنون عليه بقول وفعل، لذا فهو منبوذ إجتماعياً وحقيرٌ نفسياً ودينياً، فهو إباحيٌّ بمقدوره أن يفعل كلّ شيء بأكاذيبه وأضاليله...ففي أصول الكافي بإسناده عن جماعة عن البرقي عن عثمان عن ابن مسكان عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال: إن اللَّه تعالى خصَّ رسله بمكارم الأخلاق فامتحنوا أنفسكم فإن كانت فيكم فاحمدوا اللَّه واعلموا أن ذلك من خير، وإن لم تكن فيكم فاسألوا اللَّه وارغبوا إليه فيها، قال: فذكرها عشرة: اليقين والقناعة والصبر والشكر والحلم وحسن الخلق والسخاء والغيرة والشجاعة والمروة ) قال وروى بعضهم بعد هذه الخصال العشر وزاد فيها: الصدق وأداء الأمانة .
وجاء في الكافي ج 2 ص 56 عن البرقي عن بكر بن صالح عن جعفر بن محمد الهاشمي عن إسماعيل بن عباد قال بكر وأظنني قد سمعته عن إسماعيل عن عبد اللَّه بن بكير عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : (إنَّا لنحبّ مَن كان عاقلاً فهماً فقيهاً حليماً مدارياً صبوراً صدوقاً وفياً، إن اللَّه تعالى خص الأنبياء بمكارم الأخلاق فمن كانت فيه فليحمد اللَّه على ذلك ومن لم تكن فيه فليتضرع إلى اللَّه تعالى وليسأله إياها قال: قلت جعلت فداك وما هن ؟ قال: هنَّ الورع والقناعة والصبر والشكر والحلم والحياء والسخاء والشجاعة والغيرة والبر وصدق الحديث وأداء الأمانة ) .
وفي الكافي أيضاً روى عن محمد عن أحمد عن بكر بن صالح عن الحسن بن علي عن عبد اللَّه بن إبراهيم عن علي بن أبي اللهبي عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال: قال رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله وسلّم : (أربع من كن فيه وكان من قرنه إلى قدمه ذنوبا بدلها اللَّه حسنات الصدق والحياء وحسن الخلق والشكر ) .
وفي الكافي أيضاً باب الصدق وأداء الأمانة: عن محمد عن ابن عيسى عن أبي طالب رفعه قال: قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام ( لا تنظروا إلى طول ركوع الرجل وسجوده فإن ذلك شيء اعتاده فلو تركه استوحش لذلك ولكن انظروا إلى صدق حديثه وأداء أمانته ) .
وروى أيضاً عن محمد عن ابن عيسى عن السراد عن ابن أبي كهمش قال: قلت لأبي عبد اللَّه عليه السّلام: عبد اللَّه بن أبي يعفور يقرئك السلام، قال عليه السلام: ( وعليك وعليه السلام إذا أتيت عبد اللَّه فأقرئه السلام وقل له إن جعفر بن محمد يقول لك: انظر ما بلغ به عليٌّ عليه السّلام عند رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله وسلّم فالزمه فإن عليّاً عليه السّلام إنما بلغ ما بلغ به عند رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله وسلّم بصدق الحديث وأداء الأمانة ).
وعن أحمد عن الوشاء عن علي عن أبي بصير قال سمعت أبا عبد اللَّه عليه السّلام يقول ( إن العبد ليصدق حتى يكتب عند اللَّه من الصادقين ويكذب حتى يكتب عند اللَّه من الكاذبين فإذا صدق قال اللَّه تعالى صدق وبر وإذا كذب قال اللَّه تعالى كذب وفجر ).
أنتم وفيتم بأداء الأمانة فلم تسلموها لأحد ولكنكم كذبتم في طريقة أدائها.. ووظيفتكم حالياً أن تخبروا الشخص الآخر بأنكم كذبتم عليه، وأن أخي أوصاني بكذا وكذا..فما ضرك عزيزي السائل لو جهرت بالصدق..؟ فإنك أرضيت أخاك ولم ترضِ ربَّك، وإذا وصل بك إخباره عن أنك كذبت عليه إلى الإضرار بك، فيسقط عنك ساعتئذٍ إخباره بأنك كذبت عليه، شريطة أن يكون الإضرار بدنياً، ولا عبرة بالإضرار النفسي ما دمت تائباً من ذنبك ولا تلتفت إلى ما يظنه الآخرون فيك، وإلا لو عرف في المستقبل أنك كنت كاذباً معه فماذا سيكون موقفك تجاه فعلتك الشنعاء..؟؟!!
في أمان الله تعالى
عبد الإمام الحجة القائم عليه السلام
محمد جميل حمود العاملي
بيروت/ بتاريخ 27 شوال 1447 هجري
|