|
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شيخنا الفاضل العزيز.
هل يجوز إجراء عقد الزواج من دون مهر؟ وإذا كان ذلك جائزًا، فهل يجوز أن يتفق الزوجان على مهرٍ معيّن عند العقد، ثم تتنازل الزوجة عنه لزوجها بعد إتمام العقد؟
****
الموضوع الفقهي: ( لا نكاح مطلقاً من دون مهر..).
بسم الله جلَّت عظمته
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الجواب على الشق الأول من السؤال هو التالي: إن الأقوى عندنا هو - الأحوط وجوباً في الفروج والحقوق – أن يكون المهر ثابتاً في عقد الزواج سواء أكان زواجاً منقطعاً أو بالدائم، والجميع اتفقوا على وجوب تعيينه في العقد المنقطع واعتبروه من أركان شروط العقد المنقطع، ولكنهم لم يجعلوه من الأركان في العقد الدائم، وهو ضعيف ولا نميل إليه، وما فهموه من الأخبار ليس على حقيقته نظير اعتمادهم على موثقة منصور بن حازم قال : « قلت لأبي عبد اللَّه عليه السّلام في رجل يتزوج امرأة ولم يفرض لها صداقاً ؟، قال عليه السّلام : لا شيء لها من الصداق، فإنْ كان دخَلَ بها فلها مهر نسائها » .
وهذه الموثقة محمولة على ما لو صرحت بعدم المهر - بأن قالت : زوجتك نفسي بلا مهر ، فقال : قبلت – صح العقد بسبب تنازلها عنه، فالتنازل شيء، وسقوطه من الأساس شيء آخر، فلا ملازمة بينهما.. وليس لأن العقد صحيح من دون مهر.. أي أن الأصل في العقد كونه مشروطاً بالمهر - وهو ثمن البضع كما جاء في بعض الأخبار- ولكن الزوجة تنازلت عنه لا أنه ليس شرطاً في العقد..ويقال لهذا أي : إيقاع العقد بلا مهر أنه من باب « تفويض البضع » أو الهبة أي هبة المرأة مهرها لزوجها قبل العقد برضا منها من دون اشتراط زوجها عليها بذلك، وللمرأة التي لم يذكر في عقدها مهر « مفوّضة البضع »؛ وهناك ما يقابله كما جاء في صحيحة زرارة عن إمامنا المعظم الباقر عليه السلام قال: ( لا يصلح نكاح إلا بمهر )، فالمراد عدم خلوه منه ولو بعنوان مهر المثل في مقابل الهبة المختصة..لذا قالوا: إن من لم يُذكر لها مهر في العقد الدائم ودخل بها ثم طلقها يجب على الزوج أن يعطيها مهر المثل، وإن لم يدخل بها يعطيها شيئاً بحسب حاله من الغنى والفقر والعسر واليسر في مقابل الاستمتاعات الأخرى كاللمس والتقبيل والتفخيذ وما شاكله..ومما يشهد بوجوب ذكر المهر في العقد باعتباره ثمناً للبضع عدة أخبار منها: ما جاء عن إمامنا المعظم الرضا عليه السلام قال: علَّة المهر ووجوبه على الرجال ولا يجب على النساء أن يعطين أزواجهنّ لأنّ على الرجل مؤنة المرأة، لأنّ المرأة بائعة نفسها، والرجل مشتري، ولا يكون البيع إلَّا بثمن، ولا الشراء بغير إعطاء الثمن مع علل كثيرة .
ومنها ما جاء عن إمامنا المعظم الصادق عليه السلام سُئِلَ عن الرجل يتزوّج امرأة فدخل بها، ولم يفرض لها مهراً ثمّ طلَّقها، قال : ( لها مهر مثل مهور نسائها ..). ومثله ما سئل عنه عليه السلام عن رجل تزوّج امرأة ولم يفرض لها صداقاً، قال : لا شيء لها من الصداق، فإن كان دخل بها فلها مهر نسائها ). فقوله (ولم يفرض لها صداقاً) محمول على أنها لم تشترط عليه المهر ، أو لأنها قد وهبته المهر..ولو لم يكن المهر شرطاً في العقد باعتباره ثمن البضع، لما صح وجوب إعطائها مهر المثل بعد الدخول بها ثم طلاقها..
فالخبر المتقدم عن الإمام المعظَّم عليّ الرضا عليه السلام وكذلك صحيحة زرارة عن إمامنا المعظَّم الصادق عليه السلام واضحان في وجوب إعطاء المهر للزوجة بالدائم والمنقطع، فالفصل بين الدائم والمنقطع كما عليه عمل غيرنا من فقهاء الإمامية حيث أوجبوه في المنقطع دون الدائم، ليس عليه دليلٌ يثبته، بل المهر الواجب في كلا العقدين (الدائم والمنقطع)، وظواهر بعض النصوص التي استنبطوا منها عدم كون المهر شرطاً في العقد الدائم، محمول على غير ما استنبطوه.. فتأملوا.
وأمَّا السؤال عمَّا إذا اتفق الزوجان على مهرٍ معيّن عند العقد، ثم تتنازل الزوجة عنه لزوجها بعد إتمام العقد؟ فجوابه: إذا كان الإتفاق مبنياً على عدم إعطائها مهراً من الأساس ففي ذلك إشكال عندنا وكأنه يريد نكاحها من دون مهر، وهو خلاف الإحتياط بالفروج والحقوق (لا يصلح نكاح من دون مهر ) كما أشرنا إليكم أعلاه، نعم إذا بادرت الزوجة عن طيب خاطر وصرحت له بأنها ستهبه المهر بعد العقد، فلا إشكال فيه، لأن العقلاء مسلَّطون على أموالهم، ولا يحق مال امرءٍ لآخر إلا عن طيب خاطر كما هو مضمون الأخبار الشريفة..ويبدو لنا أن السائل المحترم يريد أن يجعل لها مهراً باهظاً للوجاهة بين أهلها ثم يشترط على المسكينة في أن تهبه المهر لاحقاً..فلماذا كلّ هذا..؟!! فإذا اشترط صدق عليه قول إمامنا المعظَّم الصادق عليه السلام في الرجل يتزوّج المرأة ولا يجعل في نفسه أن يعطيها مهرها : فهو زنا .
وقال عليه السلام : من أمهر مهراً لا ينوي قضاءَه كان بمنزلة السارق .
وقال عليه السلام : إنّ الإمام يقضي عن المؤمنين الديون ما خلا مهور النساء .
وقال عليه السلام : السرّاق ثلاثة: مانع الزكاة، ومستحلّ مهور النساء، وكذلك من استدان ديناً ولم ينو قضاءه .
نعم يستحب للمرأة أن تهب المهرَ لزوجها فيما لو كان معسراً لا يقدر على إعطائها حقها، فهي تبادر بنفسها وتهبه المهر لا أن يشترط عليها الزوج فيدخل في ضمن دائرة من لا ينوي إعطاء المهر من الأساس..وعندنا حلٌّ لمن لا يريد إتعاب نفسه بكثرة المهور - فلا يدري كيف تصبح عليه مصائب الدهور - هو : أن يجعل لها مهرَ السُّنَّة وهو خمسمائة درهم من الفضة ويعادله بالدولار الأميركي حدود ثلاثة آلاف دولار أو أدنى بقليل تقريباً..والله العالم وهو وليُّ الصالحين.
عبد الإمام المعظَّم الحجَّة القائم عليه السلام و روحي فداه
غريب الديار محمَّد جميل حمُّود العاملي/ بيروت/ 7 جمادى
الأولى 1448 هجري قمري/ 2026ميلادي.
|