• الموقع : مركز العترة الطاهرة للدراسات والبحوث .
        • القسم الرئيسي : العقائد والتاريخ .
              • القسم الفرعي : شبهات وردود .
                    • الموضوع : ما المقصود بالتقية المداراتية؟ .

ما المقصود بالتقية المداراتية؟

الموضوع:ما المقصود بالتقيَّة المداراتية؟

بسمه تعالى
 

مصطلح التقيّة المداراتيّة، هل تقبل به أم تردّه؟ وما هي الأضرار المتوقعه منه أو الأخطاء التي قد يقع فيها الانسان نتيجة تطبيقه؟ وما منشأة وهل هذا المصطلح قديم أم مستحدث ومن أول من أطلقه؟ وهل أسيء استخدامه؟ ونتج عنه ما نراه الآن في مجتمعنا الشيعي؟

والجواب:
هذا المصطلح حديثٌ ولا حقيقة له في المصطلح الفقهي والكلامي من قبل ولا انَّه موجود في كلمات قدامى الفقهاء،بل هو مبتدع من بعض الكتَّاب المعاصرين ، ولعلّ من استحدثه ظنّ مشابهته لمفهوم المداراة التي وردت بشأنها الأخبار الكثيرة ولكنّها مشابهة بعيدة نوعاً ما ،لأنّ معنى التقيّة هو:" كتمان المعتقد في مواضع الإحساس بالخطر على نفسه أو ماله أو عرضه أو كلّ ما يهمه أمره " والتقيّة واجبة لدفع الضرر المتوجه إلى النفس أو الآخرين من المؤمنين،ومكروهة حيث يخاف الإلتباس على العوام ،والتقية –كما ورد عن مولانا الإمام الباقر (عليه السلام)ـإنّما حُلت ليحقن بها الدم ،فإذا بلغ الدم فلا تقية...وأما المداراة فهي:" ملاينة الناس وحسن صحبتهم وإحتمالهم لئلا ينفروا عنك " والمداراة مستحبة بعنونها الأوّلي بعكس التقية فإنّها واجبة كما قلنا آنفاً،وموضوع المداراة هو كتمان السرّ عن الاغيار سوآءٌ كانوا من أبناء جلدته أم من غيرهم،بحيث يخفي عنهم بعض العلوم بسبب عدم إيمانهم أو انّ ذلك يؤدي إلى جلب الضرر إلى نفسه فيما لو قال لهم أنّكم كفار وما شابه ذلك بل يسكت أو أنّه يستعمل التورية في الكلام،وهذا نظير ما فعله النبيُّ موسى على نبينا وآله وعليه السلام مع فرعون لمّا سأله فرعون عن قومه السابقين هل هم في النار أم لا بقوله:"فما بال القرون الأولى" فلم يحكم النبيُّ موسى عليه السلام بشقاوتهم وكونهم في النار بل أجمل وقال:"علمها عند ربي في كتاب لا يضلُّ ربي ولا ينسى" ...فهنا قد أجمل النبيّ عليه السلام بجوابه وهو مصيب في مداراته باللفظ دون أن يقع في الضرر..والمداراة أعمّ من كونها مع المؤمنين بل تشمل الكافرين أيضاً بشرط عدم المداهنة على الحقّ وعدم الإضطرار إلى المقاتة والمحاربة،كما كان دأب النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فإنّه كان يداري المشركين والمنافقين كبعض أصحابه ما أمكن ،فإذا لم يكن ينفع الوعظ والمداراة كان يقاتلهم ،كان ذلك قبل أن يؤمر بالجهاد...
وبالجملة:

فإنَّ المداراة يراعى فيها جانب المداري،والتقيّة يراعى فيها جانب المتقى منه حذراً من أن يعتدي على المتقي،وبمعنى آخر :التقية إظهار الكفر من المتقي ليأمن على نفسه...والمداراة إظهار اللين واللطف بالقول...وبتعبيرٍ ثالث: التقية إظهار الكفر ولوازمه،والمداراة إظهار الخير واللطف،وبه ورد الخبر عن مولانا الإمام أبي جعفر عليه السلام قال:في التوراة مكتوبـفيما ناجى الله عزّ وجلّ به موسى بن عمران عليه السلامـ:يا موسى غكتم مكتوم سرّي في سريرتك وأظهر في علانيتك المداراة عنّي لعدوي وعدوك من خلقي ولا تستسبّ لي عندهم بإظهار مكتوم سرّي فتشرك عدوك وعدوي في سبيّ..
معنى الحديث:لا تظهر عندهم من مكتوم سرّي ما يصير سبباً لسبّهم وشتمهم لي أو لك فيكون بمنزلة سبيّ كما ورد هذا في قوله تعالى:"ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم"...  أي لا تبادر إلى السبّ فيسبوكم،وليس معناه أن لا تسبوهم لو سبوكم،وإن كان الأولى عدم السبّ في حال سبونا حتى لا يؤخذ علينا ممسك في ذلك،ولقول امير المؤمنين عليه السلام بما معناه :"لو انّكم ذكرتم أفعالهم كان أبلغ في العذر.." ..وللاسف قد أساء البعض إستعمال المداراة التي أُخذ في موضوعها الإضطرار أيضاً كالتقية وإن كان ثمة تمايز بين التقية والمداراة قد ذكرناه في بحوث الفقه،فصاروا يدارون المخالفين بل وكلّ منحرف بكلّ ما هبَّ ودبَّ حتى ضاعت العقائد والقيم والمبادىء ومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،فالمداراة بهذا الشكل توقع صاحبها في المهالك الدنيوية والأخروية ولها آثار سلبية على الدين وأهله،وهي مناهضة لأحكام القرآن والسنّة الشريفة لكونهما أكّدا على أهميّة قول الحقّ وإن أدّى إلى تضرر صاحبه ما دام في ذلك إحياءً لشعائر الدين وسنن سيّد المرسلين وآله الطاهرين(عليهم السلام)..فحفظ الدين بعقائده أهمُّ من حفظ النفس،فلا تجوز المداراة أو التقيّة في العقائد والأصول لأنّ ذلك يؤدي إلى محقّ الدين من الأساس وهو أمرٌ ورد النهي عنه مطلقاً....

والسلام عليكم.


  • المصدر : http://www.aletra.org/subject.php?id=33
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2010 / 03 / 01
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 09 / 17