ما مقدار دية قتل العمد؟ وهل تجزي الدية والكفارة عن إقامة الحدّ عليه ؟ وما هو مقدار دية القتل غير العمدي ؟
السلام عليكم
ما مقدار دية قتل العمد؟ وهل تجزي الدية والكفارة عن إقامة الحدّ عليه ؟ وما مقدار دية قتل الغير عمد ؟
الموضوع الفقهي: (ما مقدار دية قتل العمد؟ وهل تجزي الدية والكفارة عن إقامة الحدّ عليه ؟ وما هو مقدار دية القتل غير العمدي ؟)
وعليكم السلام
الجواب: أن الثابت بقتل العمد هو القصاص، فإن عفا الوليّ أو رضي بالدية أو أكثر أو أقلّ جاز؛ روى المحدّث الجليل الحر العاملي أعلى الله مقامه في الوسائل( الوسائل 19 : 38 / ح 6 وهداية الأمة إلى أحكام الأئمة الطاهرين عليهم السلام ج 8 ص 472 ح ) عن مولانا وإمامنا المعظَّم جعفر الصادق عليه السلام قال: (من قتل مؤمناً فإنّه يقاد به إلَّا أن يرضى أولياء المقتول أن يقبلوا الدية، أو يتراضوا بأكثر من الدية أو أقلّ، فإن فعلوا ذلك جاز، وإن تراجعوا أقيدوا ) والقصاص رادع عن الجرأة على قتل الناس، فقد جاء عن إمامنا وسيّدنا المعظَّم عليّ بن الحسين عليهما السلام قال في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة 179: (ولَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولي الألباب لعلّكم تتقون ) ولكم يا أمّة محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله في القصاص حياة ، لأنّ من همّ بالقتل فعرف أنّه يقتصّ منه فكفّ لذلك عن القتل، كان ذلك حياة الذي همّ بقتله، وحياة لهذا الجاني الذي أراد أن يقتل، وحياة لغير هما من الناس ، إذا علموا أنّ القصاص واجب لا يجترؤون على القتل مخافة القصاص ).
وقال عليه السلام في قوله : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ( البقرة178 ) : يعني المساواة وأن يسلك بالقاتل في طريق المقتول المسلك الذي سلكه من قتله: « الْحُرُّ بِالْحُرِّ والْعَبْدُ بِالْعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى » تقتل المرأة بالمرأة إذا قتلتها ).
والحاصل:إذا لم يقم القصاص على القاتل العمدي أو عفا وليُّ المقتول عن القاتل فهنا تجب الدية وكفارة الجمع وهي: عتق رقبة مؤمنة وصيام شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكيناً مؤمناً؛ والجناية على ثلاثة أنواع : عمد محض، وخطأ محض، وشبه عمد، ويسمى أيضاً عمد الخطأ .
والعمد: هو أن يكون عامداً في فعله وقصده، أي يقصد الفعل والقتل، أو يقصد الفعل القاتل .
والخطأ المحض: أن يكون مخطئاً في قصده وفعله، كما إذا رمى حيوانا فأصاب إنساناً؛ قال العلامة السيد محمد جواد العاملي أعلى الله مقامه في كتابه النفيس مفتاح الكرامة: « وكذا إذا رمى إنسان فأصاب غيره، وهذا من الخطأ المحض، ومرجعه إلى عدم قصد الشخص » .
وشبه العمد: أن يكون عامداً في فعله مخطئاً في قصده، كمن ضرب صبياً للتأديب فمات، فالضرب مقصود، أما الموت فغير مقصود .
قال الإمام الصادق عليه السّلام : العمد كلّ من اعتمد شيئاً فأصابه ، والخطأ من اعتمد شيئاً فأصاب غيره . وفي رواية ثانية : ان ضرب رجل رجلاً بعصا أو بحجر فمات من ضربة واحدة قبل أن يتكلم فهو شبه العمد .
وبالجملة: العمد المحض أن يتعمد القتل مباشراً أو تسبيباً، والخطأ أن يتعمد شيئاً فيصيب غيره، وشبه العمد وهو ما يسمى بـ (عمد الخطأ) أن لا يتعمد القتل فيقع القتل .
وحكم القتل الخطئي أنه لا يقاد للقصاص بل تجب عليه الدية والكفارة وإن كانا يشتركان في القتل إلا أن النية مختلفة، والمراد بالقتل الخطأ ما كان عن غير عمد للقتل بل كان صدفة وعن جهل في التشخيص كما ألمحنا إليه أعلاه، قال تعالى(ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبة مؤمنة..) فالمتعمد والجاهل كلاهما قاتلان إلا أن المتعمد يقتل عن قصد وإذا لم يُقتل فيجب أن يدفع الدية والجمع في الكفارة (وهي العتق وصوم شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكيناً ) ؛ بينما الجاهل يقتل من دون قصد القتل فلا يقاد بالقتل ولكن يدفع الكفارة المرتبة (وهي عتق رقبة مؤمنة، أو صوم شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً ). والأصل في الدية قوله تعالى: ( وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً ومَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ الله وكانَ الله عَلِيماً حَكِيماً ) النساء 92.
والروايات في وجوب الدية كثيرة منها قول مولانا وسيّدنا الإمام المعظم جعفر الصادق صلوات الله عليه وآله الطاهرين (إن شاء أولياء المقتول أن يعفوا عن القاتل فعلوا وإن شاؤوا قبلوا الدية ) إلى غيرها من الروايات .
وأصول الديات في ستة:إبل / بقر/ غنم/ درهم/ دينار/ حلّة يمانية) أما الحلة وهي: (ثوبان من برد اليمن ). ولا واقع لها اليوم؛ فتبقى الديات الأخرى على وجه التخيير، فإذا كان القاتل من ذوي الإبل دفع الدية من الإبل، وهكذا إذا كان من أهل البقر أو الغنم دفع ابقاراً أو أغناماً وإن كان من أهل الذهب دفع دراهم أو دنانير وما يساويها من الاوراق النقدية المتداولة..ومقدار دية القتل العمدي في الإبل مائة بعير أو ناقة (100)؛ وفي البقر مأتا بقرة (200)؛ وفي الغنم ألف شاة (1000)؛ وفي الدرهم عشرة آلاف درهم وفي الدينار ألف دينار يستعاض عنه ذهباً أو ما يعادله وتدفع قيمته بالذهب أو الاوراق النقدية الأخرى..قيل إن الالف دينار تبلغ ثلاث كيلوات ونصفاً و29 غراماً من الذهب الخالص..
وفي التفصيل المذكور روايات عن أهل البيت عليهم السلام منها ما جاء عن إمامنا الصادق عليه السلام قال:( كانت الدية في الجاهلية مائة من الإبل فأقرها رسول الله صلى الله عليه وآله ثم فرض على أهل البقر مأتي بقرة، وعلى أهل السياه ألف شاة ثنية، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق (الدراهم) عشرة آلاف درهم، وعلى أهل الحلل مأتي حلية). والحلة هي:ثوبان من برد اليمن...هذا كله فيما لو كان القتل في بقية الأشهر غير الاربعة الحرم: رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم، فإن الدية تزاد بالثلث .
فالدية كاملة لأجل القتل، وثلث الدية لأجل ان القاتل انتهك حرمة الأشهر الحرم .
والخيار بين هذه الستة للجاني وليس لولي المجني عليه، ويعطي الجاني مهلة سنة كاملة لتأديتها منعاً للمماطلة وحفظاً للحقوق ولا تجب المبادرة كما لا يجوز التأخير عن السنة إلا برضا من يستحق الدية، وتستأدى دية الخطأ في ثلاث سنين، في كل سنة ثلثها بلا خلاف أجده فيه على حدّ تعبير صاحب الجواهر رحمه الله، بل عن المهذب وغيره الاجماع عليه وخلاف ربيعة لا يعتد به حيث حدد المهلة بخمس سنين، والتحديد في السنة والثلاث، فقد ورد في صحيح أبي ولاد عن إمامنا الصادق عليه السلام قال: " كان علي عليه السلام يقول: ( تستأدى دية الخطأ في ثلاث سنين وتستأدى دية العمد في سنة ) فالحكم حينئذ مفروغ منه سواء كانت الدية تامة كدية المسلم الحر، أو كانت الدية ناقصة كدية المرأة التي هي نصف دية الرجل .
وتشترك الديات الثلاث: العمد والخطأ وشبه العمد في التخيير بين الستة، وهي الإبل، والبقر، والغنم ، والحلل والدراهم والدنانير . وأيضا تشترك دية العمد مع دية شبه العمد في أن كلاً منهما تستوفي من مال الجاني، لا من العاقلة وهي (عائلة الجاني) فلا علاقة للعاقلة بما ارتكبه الجاني من باب التشديد إلا إذا كان مفلساً ويترتب على دفع الدية مفاسد كثيرة فتتحمَّل العاقلةُ الدية دفعاً للمفاسد بالعنوان الثانوي.
توضيح حول ضمان العاقلة في الخطأ المحض: لقد أشكل بعض العلمانيين على ضمان العاقلة بأنه تكليف على العاقلة بما لا دخل لها فيه فعلى أي أساس تكون العاقلة ضامنة للدية التي سببها لهم ولنفسه أحد أفراد عائلتهم بسبب فعله الخاطئ وقد قال الله تعالى ( ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) ؟
والجواب: إن الآية الشريفة ترتبط بالجزاء والعقاب الأخروي لا الضمان، فالمراد أنّ أحداً لا يعاقب ويجازى بدلاً عن الآخر، لا أنه لا يضمن الآخر في بعض الموارد وفي ظلّ بعض الظروف الخاصة به، كما أن المسألة ستتضح في الجهة العقلية والعرفية السائدة في مجتمعاتنا المعاصرة وهي (التأمين على الحياة والعقارات والمؤسسات) من حيثية أن شركات التأمين توفر التعويض على الفرد المتضرر، فهي شبيهة بمسألة العاقلة التي تعتبر نوعاً من التّأمين العائلي، إذ إن التأمين في الوقت الراهن هو من المسائل المقبولة والمعقولة والمشروعة في كل المجتمعات، وفلسفة التأمين هي حفظ الأشخاص والمؤسسات أو الشركات الصغيرة والكبيرة من خطر التلاشي والاضمحلال حال تعرضها لبعض الحوادث ذلك لأنّ الخسارة لو نزلت بشخص واحد أو شركة واحدة فإنّها قد تسبب له كإرثه، أمّا لو قسمت تلك الخسارة، أمكن تحملها .
فمثلا لو شبّ حريق في بيت شخص ، ولم يكن البيت مؤمّناً عليه في شركات التأمين ، فإنّ صاحب البيت سيتضرر كثيراً فيما إذا تحمل خسارة ذلك بمفرده ، وقد يؤدي ذلك إلى إفلاسه نهائياً .
إنَّ مسألة ضمان العاقلة في الواقع هي نوع تأمين عائلي إلزامي من قبل الشارع الإسلامي المقدس، لأنّ قتل الخطأ المحض محتمل دائماً في حق كل إنسان، ولما كانت دية القتل تثقل كأهل الإنسان بمفرده، وليس كلُّ الناس بإمكانهم تحمل ذلك بسهولة، دعا الإسلام أقرباء القاتل في هذه الموارد لإعانة صاحبهم بشرطين هما: (الأوّل) أن يكونوا أقرباءه لأبيه، و(الثّاني): أن يكونوا رجالاً، فأوجب عليهم تحمّل الدّية . ومن البديهي أن هذه الحادثة التي أصيب بها هذا الشخص يمكن أن يبتلى بها غداً أحد أفراد العاقلة - الذي يتحمل اليوم قسطاً من الدّيّة .
هناك ما يشبه العاقلة في المجتمع بأشكال أخرى ، وهي من الأمور الرائجة بين الناس اليوم في بعض المجتمعات الشيعية كالعراق وإيران، فعلى سبيل المثال في مراسم الزواج، فالمعتاد أن يهدي الناس الهدايا إلى العروسين اللذين يريدان أن يبدءا حياتهما من الصفر، وهذا الأمر له أشكال تختلف باختلاف المجتمعات والطوائف، ففي بعضها تقدم الأموال بدل الهدايا العينية، ويتم ذلك في مجلس العرس من قبل الحاضرين كل حسب طاقته، وقد يصل مقدار تلك الهدايا أحياناً إلى مبلغ ضخم لا يسدّ مصارف العرس فحسب، بل يكفي كرأسمال لبداية عمل وحياة جديدة ؛ وفي بعض المناطق الشيعية، اعتاد الناس المشاركة في مراسم العزاء وإقامة مجالس الترحيم ، وهي سنّة حسنة، فكل من يشترك في مراسم الترحيم يتبرع بشيء من النقود لصاحب العزاء لتخفيف هذا العبء المالي عليه، ويتمكن من القيام بواجباته بسهولة . وصاحب العزاء نفسه سيشترك في مجالس الآخرين ويساهم بدوره في التّخفيف عن كاهل أولئك المصابين، فهو تكافل وتعاون اجتماعي حسن وممتاز..ومثال ثالث ما يروج في الوسط الشيعي في مجالس عزاء الإمام المعظم الحسين وأهل بيته الأطهار عليهم السلام يشارك المؤمنون صاحب العزاء بدفع بعض الأموال لإقامة المجالس واللوازم المترتبة عليها، فيقومون بمد يد العون لصاحب العزاء تكاتفاً معه لينالهم الأجر والثواب..فهو نوع تعاطف وتكاتف وضمان..وإن كان لا يسمى ضمان العاقلة إلا أنه قريب منه بنية أخرى غير دفع الضرر المتوجه للجاني المخطئ..
وهذا العمل المشار إليه في الأمثلة الثلاثة المتقدمة أعلاه ، يعتبر نوعاً من التأمين الاجتماعي، وهو شبيه في الواقع بضمان العاقلة، أي في الحوادث الباهظة التكاليف - ومن أي نوع كانت وبأي صورة حصلت- يتعاون أفراد العائلة مع بعضهم البعض ويأخذ بعضهم بيد البعض الآخر لحل المشاكل والمآزرة والتعاون على البر والتقوى .
وبناءً عليه: فإن مسألة ضمان العاقلة قريبة الشبه في مسألة التأمين في عصرنا الحاضر وإن اختلفتا في بعض الجوانب منها أن مسألة التأمين الإجتماعي فيه شيء من التقسيط الشهري أو السنوي الذي يتحمله المؤمّن على سيارته أو داره أو حياته، وهذا بعكس ضمان العاقلة فإنه يتحمل الدية من دون دفع مقابل إلا أنه في الواقع أشرف من التأمين المشار إليه ولكننا نطلق عليه تأمين عائلي صرف على قاعدة (تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)، وهو أمر شرعي وورد ذكره في الأخبار الشريفة وأشارت إليه الآيات ضمناً.
وتفترق دية العمد عن دية الخطأ المحض بأمورٍ هي:
1 - أن العامد يدفع الدية من ماله، والمخطئ تدفعها عنه العاقلة في حال عجز عن دفعها .
2 - أن العامد يمهل سنة للوفاء، والعاقلة تمهل ثلاث سنين .
3 - أن الخيار بين الأنواع الستة لِلعامد، أما في دية الخطأ فالخيار للعاقلة باعتبار أنها ستتحمل عن الجاني الدية فهي أولى بالإختيار.
وتفترق دية شبه العمد عن الخطأ المحض في أن الجاني في شبه العمد يمهل سنتين والخيار له. وفي قتل الخطأ تمهل العاقلة ثلاثاً والخيار لها .
والحمد لله ربّ العالمين وهو حسبنا ونعم الوكيل، الله صلّ على محمّد وآل محمّد وعجّل فرجهم واهلك أعداءهم .
عبد الإمام الحجة القائم صلّى الله عليه وآله
محمّد جميل حمُّود العاملي
جبل لبنان بتاريخ 12 ذي الحجة 1447 هجري