• الصفحة الرئيسية

ترجمة آية الله العاملي :

المركز :

بحوث فقهيّة وعقائديّة/ اردو :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • مجلّة لسان الصدق الباكستانيّة (3)
  • بحث فقهي عن الشهادة الثالثة (1)

محاضرات آية الله العاملي :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • سيرة الإمام الحجّة (عج) (121)
  • مظلوميّة الصدِّيقة الطاهرة فاطمة (ع) (18)
  • شبهات وردود حول فقه السيرة الحسينية (12)
  • من هم أهل الثغور؟ (1)
  • متفرقات (4)
  • التطبيرالشريف ... شبهات وردود (1)
  • رد الشبهات عن الأئمة الأطهار (ع) (0)
  • الشعائر الحسينية - شبهات وردود (محرم1435هـ/2014م) (7)
  • زيارة أربعين سيّد الشهداء (ع) (2)
  • البحث القصصي في السيرة المهدوية (22)
  • سيرة الإمام زين العابدين عليه السَّلام (6)

أدعية وزيارات ونعي :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • أدعية (13)
  • زيارات (9)
  • نعي، لطميّات (4)

العقائد والتاريخ :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • شبهات وردود (358)
  • عقائدنا في الزيارات (1)

الفقه :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • إستفتاءات وأجوبة (637)
  • أرسل سؤالك

علم الرجال :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • البحث في الأسانيد (65)

مواضيع مشتركة ومتفرقة :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • فقهي رجالي (9)
  • فقهي عقائدي (26)
  • فقهي أصولي (11)
  • فقهي تاريخي (4)
  • عقائدي أخلاقي (1)
  • فقهي تفسيري (3)
  • أصولي تاريخي (1)
  • عقائدي رجالي (10)
  • فقه الزيارات (2)
  • فقهي شعائري (9)
  • طبّي روحاني (1)
  • عقائدي تفسيري (6)
  • أصولي رجالي (3)
  • فقهي سياسي (1)
  • فقهي - عقائدي - رجالي (2)
  • منطقي وأصولي ورجالي وتفسيري وفقهي (1)
  • عقائدي توحيدي (1)
  • عقائدي قرآني (1)
  • قصص (1)
  • ولائي / عرفاني (1)
  • جيولوجي تكويني (1)

فلسفة ومنطق :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • فلسفة ومنطق (2)

تفسير :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • رسائل تحقيقيّة (3)

مؤلفات آية الله العاملي :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • مؤلفات عقائديّة (12)
  • مؤلفات فقهيّة (10)

نصائح :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • نصائح (3)

بيانات :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • بيانات وإعلانات (22)

مراسلات :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • مراسلات زوّار الموقع للمركز (5)

أخلاق :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • مواضيع أخلاقيّة (3)

آراء خاصّة :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • آراء (1)

المؤلفات والكتب :

 
 
 

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية لهذا القسم
  • أرشيف مواضيع هذا القسم
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا

 
 • يا مهدي مدد . يا قائم آل محمّد أغثنا من النواصب . يا كهفنا الحصين أغثنا . كهيعص . ألم . يا كهف الورى انصرنا بحق جدّتك الطاهرة الزكيّة سيّدة نساء العالمين الزهراء البتول (عليها السلام) وبحق عمّتك الطاهرة الزكيّة الحوراء زينب (عليها السلام) • 
  • القسم الرئيسي : مواضيع مشتركة ومتفرقة .

        • القسم الفرعي : فقه الزيارات .

              • الموضوع : هل زيارة سيِّد الشهداء الإمام المعظَّم الحسين بن أمير المؤمنين سلام الله عليهما وبقية أهل بيت العصمة والطهارة واجبة أم مستحبة ؟ .

هل زيارة سيِّد الشهداء الإمام المعظَّم الحسين بن أمير المؤمنين سلام الله عليهما وبقية أهل بيت العصمة والطهارة واجبة أم مستحبة ؟

 الإسم:  *****

النص: «أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»
«بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ» و به نستمدّ و نستعين
«السَّلَامُ عَلَيْكِ أَيَّتُهَا الصِّدِّيقَةُ الشَّهِيدَةُ السَّلَامُ عَلَيْكِ أَيَّتُهَا الرَّضِيَّةُ الْمَرْضِيَّةُ السَّلَامُ عَلَيْكِ أَيَّتُهَا الْفَاضِلَةُ الزَّكِيَّةُ السَّلَامُ عَلَيْكِ أَيَّتُهَا الْحُورِيَّةُ الْإِنْسِيَّةُ السَّلَامُ عَلَيْكِ أَيَّتُهَا التَّقِيَّةُ النَّقِيَّةُ السَّلَامُ عَلَيْكِ أَيَّتُهَا الْمُحَدَّثَةُ الْعَلِيمَةُ السَّلَامُ عَلَيْكِ أَيَّتُهَا الْمَظْلُومَةُ الْمَغْصُوبَةُ السَّلَامُ عَلَيْكِ أَيَّتُهَا الْمُضْطَهَدَةُ الْمَقْهُورَةُ؛ اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى فَاطِمَةَ وَ أَبِيهَا وَ بَعْلِهَا وَ بَنِيهَا وَ السِّرِّ الْمُسْتَوْدَعِ فِيهَا بِعَدَدِ مَا اَحَاطَ بِه عِلْمُكَ»
السلام عليکم و رحمة الله و برکاته؛
سماحة المرجع الديني الأعلى العلّامة البحّاثة الفهّامة المحقّق المدافع عن ولاية أهل البيت سلام الله عليهم أجمعين صاحب علم الولاء آية الله الحجّة الشيخ محمّد جميل حَمُّود العامِلي حفظه الله تعالى:
من فقه الزيارة -استفتاءات في فقه المشّاية-
صغيراً و احتوى قلبي هواك * حسيناً وا حسيناً وا حسيناه
تركت الأرض كي أرجوا رضاكَ * حسيناً وا حسيناً وا حسيناه
و جئتُ اليوم زحفاً كي أراكَ * حسيناً وا حسيناً وا حسيناه
ـــــــــ1 هل التأكيد الكثير على زيارة الإمام الحسين عليه السلام في الروايات مختصّ بالرجال أم يشمل النساء أيضاً؟
2ــــ هل توجد مشروعيّة لزيارة الإمام الحسين عليه السلام سيراً على الأقدام؟
3ــــــــ ورد في روايات أهل البيت عليهم السلام أنّ الأنبياء على نبيّنا و آله و عليهم السلام حتّى رسول الله الأعظم محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه و آله و سلّم يستأذنون الله عزّ و جلّ في زيارة الإمام الحسين عليه السلام، فما العلّة الّتي من أجلها يزورون الإمام الحسين عليه السلام؟
4ـــــــ إنّ الإمام الحسين عليه السلام استشهد و هو عطشان و مكروب و لهفان و مظلوم، فهل يوجد فرق بين من يزوره و هو عطشان و لهفان و مكروب و من يزوره و هو في حالة طبيعيّة؟
5 ــــــ ما هي زيارة العارف بحقّ الإمام الحسين حيث ورد في الروايات: «مَنْ أَتَى الْحُسَيْنَ عليه السلام عَارِفاً بِحَقِّهِ غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَ مَا تَأَخَّرَ [الكافي، طبع دار الكتب الإسلاميّة، ج4، ص582، ح8؛ كامل الزيارات، طبع دار المرتضويّة، ص140، ح15؛ وسائل الشيعة، طبع مؤسّسة آل البيت عليهم السلام، ج14، ص410، ح19478؛ هداية الأمّة إلى أحكام الأئمّة عليهم السلام، العتبة الرضويّة المقدّسة على مدفونها آلاف التحيّة و الثناء، ج5، ص477، ح1؛ مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول عليهم السلام، طبع دار الكتب الإسلاميّة، ج18، ص309، ح8]»؟
6ـــ في التاريخ الماضي فرض بعض الظالمين عقوبات صارمة على من يزور الإمام الحسين عليه السلام كقطع اليد و ربّما القتل، فهل التأكيد على الزيارة يشمل هذا الحدّ أيضاً، أم أنّ التأكيد خاصّ بما لم يكن ضرر بالغ أو نقص عضو أو قتل؟
7ـــــ ورد في بعض الروايات الّتي تحثّ المؤمنين على زيارة أبي عبد الله الحسين عليه السلام -كما مضى ذكره في السؤال الخامس- أنّه من زاره غفر الله له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر، فما معنى غفران ما تأخّر؟
8 ــــــ كيف يكون حال زائر الإمام الحسين عليه السلام يوم القيامة؟
9 ـــــــ هل يمكن إعطاء فكرة و لو بسيطة عن منشأ زيارة الأربعين، و أوّل من ابتدأ بهذه الزيارة؟
 10ــــــــ ما المطلوب فعله من الجماهير الزاحفة إلى كربلاء المقدّسة سيراً على الأقدام حتّى يكونوا مصداقاً لقوله تعالى: «... وَ لا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغيظُ الْكُفَّارَ وَ لا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنينَ [سورة التوبة (9)، الآية 121]»؟
11 ــــــ قام البعض بالدعوة إلى تحديد الزيارات المليونيّة، لأنّها تربك الوضع و تعطل مسيرة الإعمار!، و ناشدت العلماء بالتدخّل لذلك، فما هي أسباب هذه الدعوة؟ و ما موقف محبّي الإمام الحسين عليه السلام من ذلك؟
 12 ــــــ لقد حرص أعداء أهل البيت عليهم السلام على وضع العراقيل و الشبهات في طريق الزائرين منذ استشهاد الإمام الحسين عليه السلام و ليومنا هذا، فهل يمكن أن توضحوا لنا ما هو السبب الّذي يجعل هؤلاء يخافون من هذه الزيارات و يحاولون منعها بكلّ السبل؟
13 ــــــ بسبب طول المسافة بين بعض المدن الّتي يسير منها الزائرون إلى الإمام الحسين عليه السلام قد يحدث عند البعض تقرحات دمويّة بين الفخذين و ربّما يسيل الدم، فـ
أ) هل يؤثر هذا الدم على الصلاة؟
ب) هل يجب تبديل اللباس الداخلي المدمي لأجل الصلاة؟
ت) هل يجب غَسل الموضع بالماء قبل الصلاة، علماً أنّ غسله في بعض يسبّب أذىً لذهاب العلاج الموضوع عليه؟
ث) ما حكم من لم يقدر على الصلاة من قيام بسبب التعب من كثرة السير، هل يجوز له الإتيان بالصلاة من جلوس؟
14 ــــ يسير كلّ عام الملائين سيراً على الأقدام لزيارة أبي عبد الله الحسين عليه السلام من مختلف مدن العراق، فما حكم صلاتهم من حيث القصر و التمام، علماً بأنّ مدّة السير قد تصل أحياناً إلى عشرة أيّام أو أكثر، فـ
أ) هل يؤدّون صلاتهم قصراً أو تماماً؟
ب) كم المسافة الّتي يقطعونها لكي تكون صلاتهم قصراً؟
15 ــــــ بعض الأسئلة حول موظّفو الدولة و الطلبة:
أ) ما حكم مدير الدائرة الّذي يمنع الموظّفين من الذهاب لزيارة الإمام الحسين عليه السلام، مع قدرته على مساعدتهم و لا يؤثر ذهابهم على سير الدوام؟
ب) هل يجوز لأحد موظّفي الدولة أن يقدّم على إجازة مرضيّة، مع أنّه مريض بمرض بسيط لا يستحقّ الإجازة؟
ت) يسأل جمع كبير من الطلبة المحبّين للذهاب سيراً إلى الإمام الحسين عليه السلام، خاصّة حال نذرهم السير للإمام عليه السلام، و تتزامن أحياناً هذه الزيارة أيّام الإمتحانات فما هو الحكم؟
ث) يقوم بعض مدراء المدارس بالتضييق على الطلبة الّذين يرغبون بالذهاب إلى كربلاء المقدّسة سيراً على الأقدام، كأن يقوم بخصم خمس درجات لكلّ طالب يذهب لكربلاء المقدّسة، أو التشدّد في إعطاء الإجازة و عدم تأجيل الإمتحانات و إن كان بمقدوره ذلك؟
16 ــــــ قد يصل كثير من السائرين لزيارة الإمام الحسين عليه السلام إلى كربلاء المقدّسة قبل العشرين من صفر، فهل تجوز الزيارة و الرجوع، و هل تحسب لهم زيارة الأربعين؟
17 ـــــ ما ذا يحصل المؤمنون الّذين يقومون بخدمة و إيواء الزوّار و السائرين إلى كربلاء المقدّسة من الثواب و الآخرة؟
18 ــــــ عند ما تقرب أيّام زيارة أبي عبد الله الحسين عليه السلام يكثر الكلام حول ذهاب النساء لهذه الزيارة:
أ) فهل يجوز للنساء الذهاب؟
ب) ما هو حدّ الواجب الشرعي لحجابهنّ؟ و هل يشمل حجابهنّ ستر الوجه و الكفّين؟
ت) هل للنساء من الأجر مثل أجر الرجال؟
ث) ما حكم من يتكلّم عليهنّ بكلام بذيء و يحاول منعهنّ من الذهاب؟
ج) ما نصيحتكم لمثل هؤلاء المشكّكين؟
19 ــــــ هل يجوز لنا ترك إقامة الشعائر الحسينيّة عليه السلام مداهنة و تقرّباً لأبناء النواصب كما يقول البعض: \"لا نقوم بالعزاء المتضمّن للسلاسل و اللطم بل نخرج و نهتف هتافات حضاريّة فقط لكي نجنع شمل المسلمين\"؟
20 ــــ أثناء استعراض المواكب الحسينيّة عليه السلام في الشوارع المؤدّية للإمام الحسين عليه السلام و أخيه المولى أبي الفضل العبّاس عليه السلام، يوجد في هذه المواكب بعض الشباب المؤمن الّذي يلطم و هو نازع لقميصه، مع وجود نساء ربّما ينظرن إليهم فهل يجوز ذلك؟
21 ــــــ يقوم بعض ضعفاء النفوس بتشويه سمعة السائرين للإمام الحسين عليه السلام و يتّهم بعضهم بأنّه لا يصلّي و لا يصوم، فما ذا تقولون لهؤلاء، و ما ذا تقولون للسائرين؟
22 ــــ هل من موعظة أو نصيحة تقدّمونها لزائري أبي عبد الله الحسين عليه السلام، خاصّة مع هذه الحملة الظالمة الّتي يقودها أعداء أهل البيت عليهم السلام ضدّ الشعائر الحسينيّة المقدّسة عليه السلام؟
و ندعوا إلى الله أن يجعلنا و إيّاكم من خدّام بنت رسول الله الصدّيقة الشهيدة سلام الله عليها و أن يجعلنا و إيّاکم من المستشهدين في سبيلها...
«اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ أَعْدَاءِ آلِ مُحَمَّدٍ وَ مُعَانِدِيهِمْ وَ ظَالِمِيهِمْ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُمْ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُمْ وَ انْصُرْ مَنْ نَصَرَهُمْ وَ اخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُمْ عِبَادَكَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارَ الْأَتْقِيَاءَ الْبَرَرَةَ اللَهُمَّ احْشُرْنِي مَعَ مَنْ أَتَوَلَّى وَ أَبْعِدْنِي مِمَّنْ أَتَبَرَّأُ وَ أَنْتَ تَعْلَمُ مَا فِي ضَمِيرِ قَلْبِي مِنْ حُبِّ أَوْلِيَائِكَ وَ بُغْضِ أَعْدَائِكَ وَ كَفَى بِكَ عَلِيماً»
و السلام على قلب زينب الصبور
جعلکم الله ذخراً للمذهب و إنتصاراً للحقّ
12 شهر رمضان المبارك 1435 هـ
«وَ کَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذَرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ» و تراب اقدام أهل بيت العصمة و الطهارة سلام الله عليهم أجمعين عبدهم الفقير إليهم ***** بن ***** عفى الله عن جرائمهما
 
 
 
 
المواضيع العقائدية الخاصة بفقه الزيارات
 
هل زيارة سيِّد الشهداء الإمام المعظَّم الحسين بن أمير المؤمنين سلام الله عليهما وبقية أهل بيت العصمة والطهارة واجبة أم مستحبة ؟ / تأسيسنا لأصل وجوب زيارة أهل بيت العصمة والولاية سلام الله عليهم كوجوبها في المرة الأولى على كلِّ مؤمن ومؤمنة / لاتقييد في  زيارته سلام الله عليه بالرجال بل تعم النساء أيضاً / زيارة الإمام الحسين عليه السلام مشياً على الأقدام لها مشروعية في الأخبار الشريفة/ الردُّ على عابد العجل كمال الحيدري (خذله المولى عز وجلَّ) المتهكم على المطينين وجوههم في العاشر أو التاسع من شهر محرم الحرام/ نحن ترابيون يا عابد الصنم/ ما العلَّة التي من أجلها يزور الأنبياءُ سيِّدَ الشهداء عليه السلام ؟ تقسيمنا لأنواع الشفاعة بزيارة سيِّد الشهداء وهي مما أفاضها المولى عزَّ وجلَّ على قلب عبدهم الحقير الملتجئ إلى كهفهم المقدَّس/ ثمانية أنواع من الشفاعة/ من يزوره عطشاناً أفضل ممن يزوره رياناً/  الحدُّ التام في تعريف العارف بمقام الإمام الحسين عليه السلام/ المراد بمعرفة حقهم عليهم السلام/ صفات المتولّي والمتبرِّي/ عليكم بدين العجائز/ درجات العرفان بآل محمد عليهم السلام/ تجب زيارة سيِّد الشهداء عليه السلام حتى لو أدت إلى القتل في سبيله/ لو تزاحم المِلاكان يقدّم الملاكُ الأهم وهو إقامة الشعائر الحسينية المقدَّسة / قاعدة إحياء الشعائر الحسينية حاكمة على قاعدة لا ضرر/ هل الضرر الشخصي أو النوعي مانع عن الشعائر الحسينية المقدَّسة ؟/ ثلاثة وجوه لعدم المانعية/ الشواهد التاريخية على صحة حاكمية الشعائر الحسينية على قاعدة الضرر/ عدم إزالة الضرر الشخصي لحكم الشعائر الحسينية/ الشعائر الحسينية أهم مِلاكاً من الضرر الشخصي والنوعي والشواهد التاريخية المؤيدة لذلك/ دعوى صاحب البحار والردّ عليها/ الشعائر الحسينية من الأركان الأُصولية لا الفرعية/ الشعائر الحسينية داخلة في مفهوم التولي والتبري/ التهلكة المحرّمة هي الخالية من الفائدة وليس منها الشعائر الحسينية المقدسة/ معنى الضرر إصطلاحاً ؟ / ما معنى غفران الذنوب المتقدمة والمتأخرة لمن زار الإمام المعظم الحسين عليه السلام ؟ / كيف يكون حال الزائر يوم القيامة/ الكرامات التي سيتصف بها زائر الإمام الحسين عليه السلام ؟ / المنشأ التاريخي لزيارة الأربعين/ ما هو المطلوب من الجماهير الزاحفة إلى كربلاء المقدّسة سيراً على الأقدام ؟ / الصفات المطلوبة في الزائر/ الإيراد على دعوى تحديد الزيارة المليونية/ تنزل الملائكة بالموائد على زوار الإمام الحسين عليه السلام/ كيف نقرأ قوله عليه السلام (وينزل الله على زوار الحسين عليه السلام) ؟ / لماذا يخاف الأعداء من الزيارات والشعائر الحسينية؟/ الأهداف الداعية إلى منع الظالمين من زيارة سيد الشهداء سلام الله عليه.
 
 
المواضيع الفقهية في فقه الشعائر الحسينية المقدَّسة
 
  أحكام التقرحات الدموية خلال المسير إلى زيارة سيد الشهداء عليه السلام/ هل يؤثر الدم على الصلاة خلال الزيارة مشياً على الأقدام؟/ هل يجب تبديل اللباس الداخلي المدمى لأجل الصلاة؟/ هل يجب غسل الموضع بالماء قبل الصلاة؟/ ما حكم من لم يقدر على الصلاة من قيام بسبب التعب من كثرة المسير؟/ هل يجوز الإتيان بالصلاة من جلوس؟/ هل يجب غسل الموضع بالماء قبل الصلاة...؟/ ما حكم الصلاة من حيث القصر والتمام خلال المسير للزيارة ؟ كم المسافة التي يقطعونها لكي تكون صلاتهم قصراً؟/ ما حكم مدير الدائرة الذي يمنع الموظفين من الذهاب لزيارة الإمام الحسين عليه السلام مع قدرته على مساعدتهم؟/ تزاحم الزيارة مع الإمتحان المدرسي؟ إذا تعارضت زيارة سيِّد الشهداء عليه السلام مع مخالفة قوانين المدرسة تقدم الزيارة/ هل تحسب زيارة الأربعين فيما لو وصل الزائر قبل الأربعين ثم يرجع إلى وطنه ؟/ ما هو ثواب من قام بخدمة الزوار والسائرين إلى كربلاء ؟/ هل يجوز للنساء الذهاب إلى الزيارة ؟/ جواز سفر المرأة للزيارة من دون محرم مشروطٌ بشرطين/ ما هو حدّ الواجب الشرعي لحجابهنَّ ؟ وهل يشمل حجابهن ستر الوجه والكفين ؟ / هل للنساء من الأجر مثل أجر الرجال؟/ ما حكم من يتكلم عليهنّ بكلام بذيء ويحاول منعهنّ من الذهاب إلى الزيارة ؟/ ما نصيحتكم لمثل هؤلاء المشككين ؟/ هل يجوز لنا ترك إقامة الشعائر الحسينية مداهنة وتقرباً لأبناء النواصب ؟/ ما حكم مَنْ نزع قميصه حال اللطم على الصدور بمرأى من النساء ؟/ ماذا تقولون لمن يشّوه سمعة السائرين لزيارة الإمام الحسين عليه السلام بأنهم لا يصومون ولا يصلون...؟/ ست نصائح لزوار سيدنا المعظم الإمام أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه .
 
 
 
الجواب
بسمه تعالى
 
 
     الحمد لله كما هو أهله والصلاة والسلام على سادة خلقه ، سفن النجاة والعروة الوثقى وقادة الأمم وشفعاء الدنيا والآخرة، ولعن الله ظالميهم ومبغضيهم والمنكرين لفضائلهم ومعارفهم وأحكامهم ومعاجزهم وكراماتهم وظلاماتهم من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين، وبعد.
جناب العَلّامة الفاضل الشيخ ***** سدده الله تعالى....السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تفضلتم علينا بأسئلتكم الكريمة حول فقه زيارة سيّد الشهداء الإمام المعظم أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه، وها نحن نتشرف بالإجابة عنها سائلين المولى تبارك اسمه في أن يجعلها ذخراً لنا ولكم يوم الممات وأن يحشرنا مع سيِّد الشهداء أرواحنا فداه بحق محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين...وها نحن نستعرض أسئلتكم الكريمة مع الإجابة عليها الواحدة تلو الأخرى.
 
(1) ــــ هل التأكيد الكثير على زيارة الإمام الحسين عليه السلام في الروايات مختصّ بالرجال أم يشمل النساء أيضاً؟
 
بسمه تعالى
الجواب: قبل البدء بالجواب على سؤالكم الكريم لا بدّ من تأسيس أصلٍ يدل على نوع الزيارة للإمام المعظم أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه وبقية اهل بيت العصمة والطهارة سلام الله عليهم هل هي واجبة أم مستحبة ؟ وهي مسألة قلما تعرض لها فقهاء الإمامية إلا نادراً عند بعض المتقدمين لا سيّما الشيخ الصدوق على وجه الخصوص حيث عقد باباً في علل الشرائع تحت عنوان:"  العلة التي من أجلها وجبت زيارة النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام بعد الحج " والحق معه فيما ذهب إليه، وبقية الفقهاء ذهبوا إلى استحباب زيارتهم ولم يتطرق أحد من المتأخرين إلى وجوب زيارة الإمام الحسين عليه السلام إلا الشيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق أعلى الله مقامه الشريف، وبقية الفقهاء اقتصروا على استحباب زيارة الإمام الحسين عليه السلام مع بقية أهل البيت سلام الله عليهم، لذا اقتضى الأمر أن نلفت النظر إلى أهمية نوع الزيارة من حيث الوجوب والاستحباب سواء له أو لغيره من آبائه وأبنائه الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين...ولم يظهر لنا من أحد الفقهاء المتأخرين ومتأخري المتأخرين ـــ كما في عصرنا الحاضر وما سبقه إلى أيام صاحب البحار ـــ من تعرض لنوع زيارتهم إلا على نحو الاستحباب، ولكنَّ الأقوى عندنا أن زيارتهم واجبة لا سيّما زيارة سيّد الشهداء (سلام الله عليه وعليهم) واجبة في أول مرة على كلّ مؤمن ومؤمنة، وبعدها تكون الزيارة مستحبة استحباباً مؤكداً، وإليكم التفصيل:
   هناك طائفتان من الأخبار كاشفة عن أصل زيارة الإمام المظلوم سيّد الشهداء عليه السلام: الطائفة الأولى تكشف عن استحباب الزيارة لهم جميعاً، والطائفة الثانية تكشف عن وجوب الزيارة، والطائفة الأولى  فاقت حدّ التواتر، وأما الطائفة الثانية فقد تجاوزت الإستفاضة، وأثبت قسماً منها الشيخ الأقدم أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه القمي أعلى الله مقامه في كتابه الشريف"كامل الزيارات" في الباب 43 :" أن زيارته فرض وعهد لازم ولجميع الأئمة عليهم السلام على كل مؤمن ومؤمنة" وظاهرها وجوب زيارته وزيارة أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام، وها نحن ننقل قسماً منها هي التالي:
    (الخبر الأول): حدثني أبي ومحمد بن الحسن ، عن الحسن بن متيل ، وقال محمد بن الحسن : وحدثني محمد بن الحسن الصفار ، جميعا ، عن أحمد ابن أبي عبد الله البرقي ، قال : حدثنا الحسن بن علي بن فضال ، قال : حدثني أبو أيوب إبراهيم بن عثمان الخزاز ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) ، قال : مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين ( عليه السلام )  فان اتيانه مفترض على كل مؤمن يقر للحسين ( عليه السلام ) بالإمامة من الله عز وجل .
 (الخبر الثاني):حدثني أبي وأخي وعلي بن الحسين ومحمد بن الحسن رحمهم الله  جميعاً ، عن أحمد بن إدريس ، عن عبيد الله بن موسى ، عن الوشاء ، قال : سمعت الرضا ( عليه السلام ) يقول: إن لكلِّ إمامٍ عهداً في عنق أوليائه وشيعته ، وإن من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة قبورهم ، فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقاً لما رغبوا فيه كان أئمتهم شفعاءهم يوم القيامة .
 (الخبر الثالث): حدثني محمد بن جعفر الرزاز ، قال : حدثني محمد بن الحسين بن أبي الخطاب ، عن أبي داود المسترق  عن أم سعيد الأحمسية ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قالت : قال لي : يا أم سعيد تزورين قبر الحسين عليه السلام، قالت : قلت : نعم ، فقال لي : زوريه فان زيارة قبر الحسين واجبة على الرجال والنساء .
  (الخبر الرابع): حدثني أبي ومحمد بن الحسن رحمهم الله جميعا ، عن الحسن بن متيل ، عن الحسن بن علي الكوفي ، عن علي بن حسان الهاشمي ، عن عبد الرحمان بن كثير مولى أبي جعفر ( عليه السلام ) ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام )  قال : لو أن أحدكم حج دهره ثم لم يزر الحسين بن علي ( عليهما السلام ) لكان تاركا حقا من حقوق رسول الله صلى الله عليه وآله  ، لان حق الحسين ( عليه السلام ) فريضة من الله واجبة على كل مسلم.
  (الخبر الخامس): عن الصدوق في علل الشرائع قال:حدثنا محمد بن أحمد السناني رضي الله عنه قال حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن زكريا القطان قال : حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن حبيب قال : حدثنا تميم بن بهلول عن أبيه عن إسماعيل بن مهران عن الإمام جعفر بن محمد عليه السلام قال :" إذا حج أحدكم فليختم حجه بزيارتنا لان ذلك من تمام الحج ".
 فقوله الشريف سلام الله عليه" فليختم حجه بنا " ظاهره الوجوب أي يجب أن يختم بنا، لا الاستحباب كما ذهب إليه المشهور.
  (الخبر السادس): عن الصدوق رحمه اللهحدثنا محمد بن علي ماجيلويه رضي الله عنه قال : حدثنا محمد بن يحيى العطار عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن محمد بن سنان عن عمار بن مروان عن جابر عن الإمام أبي جعفر عليه السلام قال : تمام الحج لقاء الامام" .
لا يخفى على البصير في الأحاديث أن قوله الشريف سلام الله عليه " تمام الحج لقاء الإمام عليه السلام" ظاهر في الوجوب وليس الإستحباب لأن التمامية إنما هي قرينة على الوجوب لا على الإستحباب، فالعجب كيف حملوها على الإستحباب، نعم تكون زيارة قبورهم مستحبة فيما لو كان الحج مستحباً كما تكون واجبة عندما يكون الحج واجباً على المؤمنين..فتأمل.
(الخبر السابع): عنه أيضاً قال: حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال : حدثنا محمد بن الحسن الصفار عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن علي الوشاء قال : سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام يقول : إن لكل إمام عهدا في عتق أوليائه وشيعته...إلخ. وقد تقدم الخبر.
 (الخبر الثامن): عنه أيضاً قال: حدثني أبي رضي الله عنه قال : حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن محمد بن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن زرارة عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : إنما أمر الناس ان يأتوا هذا الأحجار فيطوفوا بها ، ثم يأتوا فيخبرونا بولايتهم ويعرضوا علينا نصرتهم" .
  إنَّ الأخبارَ المتقدمة بكلا شقيها ظاهرةٌ في وجوب زيارته على كلّ متمكن من الرجال والنساء، وفي مقابلها أخبار مطلقة ليست ظاهرة في الوجوب بل هي أقرب إلى الاستحباب من الوجوب، وهو ما أوجب تشويشاً في نتائج استنباطاتهم الفقهية عند أكثر الأعلام، فحملوا الأخبار الظاهرة في الوجوب على تأكيد الاستحباب الوارد في أخبار الطائفة الأولى الظاهرة في الاستحباب إلا أننا نخالفهم بالجمع المذكور، ونحمل كلَّ واحدة من هاتين الطائفتين على ما هي عليه، فنُبقي الواجبَ على وجوبه والاستحبابَ على استحبابه، فالواجبة دلالة واضحة على وجوب زيارة الإمام الحسين عليه السلام في العمر مرّة واحدة للقادر، والبقية محمولة على الاستحباب، فأول زيارة للإمام عليه السلام تكون واجبة، وباقي الزيارات تكون مستحبة استحباباً مؤكداً تماماً كحج البيت الحرام فالحج الأول يكون واجباً، والبقية تندرج تحت الحج المستحب...فالمستحب يندك في الواجب ويؤكده لا أن الواجب يضمحل ويندك في المستحب كما توهم المشهور...وهو ما غفلوا عنه، سبحان من لا يغفل ولا ينسى..!
  وبعبارةٍ أُخرى: إن الحمل على الاستحباب ــــ كما توهم المشهور ـــ جمعاً بين الأخبار، ليس فيه ما يؤيده سوى كونه جمعاً تبرعياً وهو خلاف الجمع العرفي الدال على حملِ كلِّ طائفة على ظاهرها بما هو هو، فالواجب يُحْمَلُ على الواجب، والمستحب يُحملُ على الاستحباب، ولا نخرج من هذا الحمل إلا بقرينة لبيّة قطعية أو لفظية روائية صارفة تصرف الواجب عن وجوبه إلى الاستحباب، وحيث لا توجد قرينة صارفة من الواجب إلى الاستحباب، فيبقى الواجب منعقداً في الوجوب، والاستحباب يبقى ظاهراً في الاستحباب، ومقتضى الجمع بين الطائفتين أن نحمل الواجب على المرة، والمستحب على مرة أُخرى، وهكذا يحمل على المرات المتعددة حتى لو وصل إلى الإدمان في زيارته كما هو ظاهر بعض الأخبار الدالة على استحباب الإدمان على زيارة سيّد الشهداء أرواحنا فداه وصلى الله عليه وآله، فالوجوب المنصب على زيارة الإمام أبي عبد الله عليه السلام في الطائفة الظاهرة في الوجوب هي القدر المتيقن الذي لا يجوز العدول عنه إلى الاستحباب إلا بدليل قطعي تفرغ به ذمة المكلف، والله العالم. 
    وعلى كلِّ حال: لا فرق في زيارة سيّد الشهداء الإمام المعظَّم أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه ـــ وجوباً واستحباباً ـــــ بين أن تكون للرجال أو للنساء، بمعنى أنها شاملة لكلا الجنسين، وذلك لأمرين مهمين هما التالي:
 (الأمر الأول): الأوامر الخاصة منهم صلوات الله عليهم بزيارته صلوات الله عليه الشاملة للرجال والنساء معاً كما مرَّ في الخبر الثالث المتقدم في صحيحة أبي داوود المسترق عن أُم سعيد الأحمسية بقوله الشريف:" زوريه فإن زيارة قبر الحسين عليه السلام واجبة على الرجال والنساء "، وكذلك العموم الوارد بلفظ"أوليائه وشيعته"  في صحيحة الوشاء عن إمامنا الرضا سلام الله عليه قوله الشريف:" إن لكلِّ إمام عهداً في عنق أوليائه وشيعته..." وهو عموم شامل لعامة شيعته وأوليائه من الرجال والنساء، وكذلك ما مرَّ في صحيحة عبد الرحمان بن كثير عن مولانا الإمام أبي جعفر عليه السلام بقوله الشريف:"... لأن حق الحسين عليه السلام فريضة من الله واجبة على كلّ مسلم".
 ولا يخفى على الفقيه اللبيب: أن المرادَ بكلِّ مسلمٍ يشملُ: الرجلَ والمرأة، نظير عامة التكاليف الشاملة للرجال والنساء بلفظ" يجب على المسلم" ما ورد في الكثير من الأخبار الكاشفة عن وجوب الإلتزام بالواجبات والمحرمات لكلا الجنسين لعدم اختصاص أحكام الله تعالى بالرجال دون النساء، والخطاب الشرعي بالمسلم آبٍ عن التخصيص عقلاً وشرعاً.
  هذه الصحاح واضحة الدلالة في شمول التكليف بالزيارة للرجال والنساء لا سيّما صحيحة الوشاء وصحيحة أبي داوود المسترق، فهما نصان صريحان في الدلالة على تعميم الزيارة للرجال والنساء من دون تخصيص بفئة على أخرى...يرجى التأمل.
 (الأمر الثاني): العمومات والإطلاقات الواردة في الأخبار الشريفة الآمرة بزيارته عليه السلام وزيارة آبائه المطهرين سلام الله عليهم أجمعين، فقد ورد فيها لفظ" من زاره " أو " من خرج من منزله يريد زيارته عليه السلام" أو " من أتى قبر الحسين عليه السلام " أو " ما أدنى ما لزائر الحسين عليه السلام" أو" ما لمن أتاه من الثواب" أو " ما من أحد يوم القيامة إلا وهو يتمنى أنه من زوار الحسين عليه السلام أو " مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين عليه السلام" أو "... إلخ ، فإنها إطلاقات وعمومات كاشفة عن استحباب زيارته صلوات الله عليه من دون تخصيص بالرجل فقط بل عممت الثواب لكلّ من زاره من المؤمنين الموالين رحمهم الله تعالى، نعم، ورد في بعضها تخصيص الزيارة بالرجل كما في كامل الزيارات حيث أورد خبرين يشيران إلى التخصيص بالرجال هما:
 (الخبر الأول): بإسناده عن بشير الدهان عن إمامنا الصادق عليه السلام قال:" ان الرجل ليخرج إلى قبر الحسين ( عليه السلام ) فله إذا خرج من أهله بأول خطوة مغفرة ذنوبه ، ثم لم يزل يقدس بكل خطوة حتى يأتيه ، فإذا اتاه ناجاه الله تعالى فقال : عبدي سلني أعطك ، ادعني أجبك ، اطلب مني أعطك ، سلني حاجة اقضها لك ، قال : وقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : وحق على الله ان يعطي ما بذل.
 (الخبر الثاني): بإسناده عن صالح ، عن الحارث بن المغيرة ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال: إن لله ملائكة موكلين بقبر الحسين ( عليه السلام ) فإذا همَّ بزيارته الرجل أعطاهم الله ذنوبه ، فإذا خطا محوها ، ثم إذا خطا ضاعفوا له حسناته ، فما تزال حسناته تضاعف حتى توجب له الجنة ، ثم اكتنفوه وقدسوه وينادون ملائكة السماء ان قدسوا زوار حبيب حبيب الله فإذا اغتسلوا ناداهم محمَّدٌ ( صلى الله عليه وآله ) : يا وفد الله أبشروا بمرافقتي في الجنة ، ثم ناداهم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : انا ضامن لقضاء حوائجكم ودفع البلاء عنكم في الدنيا والآخرة ، ثم التقاهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن ايمانهم وعن شمائلهم حتى ينصرفوا إلى أهاليهم.
هاتان الروايتان الصحيحتان خصصتا الزيارةَ في الرجل من دون التعرض للمرأة، ولكنهما لا يدلان على نفي التعميم في استحباب الزيارة لكلٍّ من الرجل والمرأة ، إذ إن إثبات شيء لشيءٍ لا ينفي ما عداه، والحصر هنا إضافيٌّ وليس حقيقياً ، والتعميم للرجال والنساء هو ما دلت عليه الأخبار الخاصة فضلاً عن العمومات والإطلاقات التي أشرنا إليها، فالجمع العرفي يقتضي حملَ المطلق على المقيَّد، فالتخصيص المزبور محمول على الأعم الأغلب، بمعنى أن الزائرين للإمام الحسين عليه السلام هم في الأعم الأغلب من الرجال دون النساء اللاتي لا يتحملن مشقات السفر وتبعاته من الحرج الشديد بترك أولادهنَّ بلا معيل أو كفيل أو بسبب الخوف مِنَ الأعداء مِنْ أنْ يتعرضوا لهنَّ في الطريق لا سيّما في تلك الأزمنة الموحشة التي كان الزائر فيها يلاقي الحتوف من قبل الظالمين، فما يتحمله الرجل من تبعات السفر للزيارة لا تتحمله المرأة في أغلب الأوقات...فكان من المناسب التخصيص بالرجل دون المرأة، والله تعالى هو العالم.
 
(2) ـــ هل توجد مشروعيّة لزيارة الإمام الحسين عليه السلام سيراً على الأقدام؟.
 
بسمه تعالى
الجواب
  لم تفرِّق النصوص الشريفة في الوصول إلى زيارة الإمام سيّد الشهداء سلام الله عليه وآله بين أنْ يكونَ الوصولُ ماشياً أو راكباً، ولكلِّ زائرٍ فضلٌ عظيمٌ من الثواب إلا أن الزائر الماشي له زيادة فضل وثواب ، وهو ما أشارت إليه الأخبار الكثيرة وقد عقد المحدّث الحر العاملي أعلى الله مقامه باباً خاصاً في وسائل الشيعة وكذلك المحدّث الجليل أبو القاسم جعفر ابن محمد بن قولويه القمي أعلى الله مقامه الشريف باباً خاصاً أيضاً، وإليكم ما رواه الحر العاملي رحمه الله:
(الخبر الأول) ــــ صحيحة أبي الصامت : عن علي بن الحسين بن بابويه وجماعة عن سعد بن عبد الله ، عن الحسن بن علي بن عبد الله بن المغيرة ، عن العباس بن عامر ، عن جابر المكفوف ، عن أبي الصامت قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام وهو يقول : من أتى قبر الحسين عليه السلام ماشياً كتب الله له بكل خطوة ألف حسنة ، ومحى عنه ألف سيئة ورفع له ألف درجة ، فإذا أتيت الفرات فاغتسل وعلِّق نعليك ، وامشِ حافياً ، وامشِ مشي العبد الذليل ، فإذا أتيت باب الحائر فكبر أربعاً ، ثم امش قليلاً ، ثم كبر أربعاً ، ثم ائتِ رأسه فقف عليه فكبر أربعا ، وصل عنده وسل الله حاجتك .
(الخبر الثاني): صحيحة عبد الله بن مسكان عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام قال:" قال :من زار الحسين عليه السلام  من شيعتنا لم يرجع حتى يغفر له كل ذنب ، ويكتب له بكل خطوة خطاها وكل يد رفعتها دابته الف حسنة ومحى عنه الف سيئة وترفع له الف درجة ".
 لقد دلت هاتان الصحيحتان على أن لكلِّ ماشٍ للزيارة ألف حسنة لكلِّ خطوة إلا أنه يعارضهما الأخبار الأخرى التي حددت الفضل بكلِّ خطوة حسنة، ولكنه تعارض بدوي ينحل بالجمع العرفي بحمل الطائفتين على التفاوت النسبي بالفضل، فالدرجة العليا منه ألف حسنة لمن أتى بالزيارة كاملة من حيث الإخلاص والتوجه والمحبة والمعرفة أي تحمل على من زاره عارفاً بحقه، والدرجة الدنيا بحسنة واحدة لمن لم يكن بتلك الدرجة من الإخلاص، ولا تعارض في البَين لعدم تحقق أحد شروط التعارض في تينك الطائفتين التي منها عدم التكاذب  بينهما على نحو السلب والإيجاب، بل كلُّ طائفة تثبت فضلاً يختلف عن الأُخرى، يرجى التأمل.
  مضافاً إلى ذلك: إن الطائفتين المتقدمتين من المثبتات للثواب الدال على التفاوت والتفاضل في الدرجات بحسب القابليات، ومن المعلوم في الأُصول أنه لا تعارض في المثبتات، يرجى التأمل.
  (الخبر الثالث) ــــ محمد بن الحسن بإسناده عن سعد بن عبد الله ، ومحمد بن يحيى وعبد الله بن جعفر وأحمد بن إدريس جميعا ، عن الحسين بن عبيد الله ، عن الحسن بن علي بن أبي عثمان ، عن عبد الجبار النهاوندي ، عن أبي إسماعيل ، عن الحسين بن علي بن ثوير بن أبي فاختة قال : قال لي أبو عبد الله عليه السلام : يا حسين من خرج من منزله يريد زيارة الحسين ابن علي بن أبي طالب عليهما السلام إنْ كان ماشياً كتب الله له بكل خطوة حسنة ، وحط بها عنه سيئة ، ( وإن كان راكبا كتب الله له بكل حافر حسنة ، وحط عنه بها سيئة )  حتى إذا صار بالحائر كتبه الله من الصالحين ، وإذا قضى مناسكه كتبه الله من الفائزين ، حتى إذا أراد الانصراف أتاه ملك فقال : له : أنا رسول الله ربك يقرئك السلام ويقول لك : استأنف فقد غفر لك ما مضى .
  (الخبر الرابع) ــــ عن سعد ومحمد بن يحيى ، عن محمد بن الحسين ، عن محمد بن إسماعيل ، عن صالح بن عقبة ، عن بشير الدهان عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إن الرجل ليخرج إلى قبر الحسين عليه السلام فله إذا خرج من أهله بأول خطوة مغفرة ذنبه ، ثم لم يزل يقدس بكل خطوة حتى يأتيه ، فإذا أتاه ناجاه الله فقال : عبدي سلني أعطك ادعني أجبك . . . الحديث .
  ملاحظة هامة: الخبر وإن دل على "الخطوة " الشاملة للراكب والماشي إلا أن القدر المتيقن منها هو الماشي وذلك لأن الراكب يصدق عليه أنه قطع المسافة لا أنه خطاها بقدميه وهو ما دلت عليه كلمات اللغويين حيث فسروا " خَطا" على الماشي، قال صاحب المنجد:" خطا الرجلُ خطواً: فتح ما بين قدميه ومشى" وهذا لا ينطبق على الراكب على بعير أو الراكب في سيارة أو وسيلة أخرى...يرجى التأمل.
 (الخبر الخامس) ــــــــ وعن أبيه ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن محمد بن أورمة ، عن رجل عن علي بن ميمون الصائغ ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : يا علي زر الحسين ولا تدعه قلت : ما لمن زاره من الثواب ؟ قال : من أتاه ماشياً كتب الله له بكل خطوة حسنة ومحا عنه سيئة ، وترفع له درجة ، ثم ذكر حديثا طويلا يتضمن ثوابا جزيلا .
  (الخبر السادس) ــــ وعن أبيه ، عن سعد والحميري عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ، عن عبد العظيم الحسني ، عن الحسين بن الحكم النخعي ، عن أبي حماد الاعرابي عن سدير الصيرفي ، عن أبي جعفر عليه السلام في زيارة الحسين عليه السلام قال : ما أتاه عبد فخطا خطوة إلا كتب الله له حسنة ، وحط عنه سيئة .
 (الخبر السابع) ــــــ وعن محمد بن جعفر الرزاز ، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب ، عن أحمد بن بشير ، عن أبي سعيد القاضي قال : دخلت على أبي عبد الله عليه السلام في غرفة له فسمعته يقول : من أتى قبر الحسين عليه السلام ماشياً كتب الله له بكل خطوة وبكلِّ قدم يرفعها ويضعها عتق رقبة من ولد إسماعيل . . الحديث .
(الخبر الثامن) ــــــ روى ابن قولويه القمي بإسناده عن - حدثني أبي رحمه الله ، عن الحسين بن الحسن بن ابان ، عن محمد بن أورمة ، عمن حدثه ، عن علي بن ميمون الصائغ ، عن أبي عبد الله عليه السلام ) ، قال : يا علي زر الحسين ولا تدعه ، قال : قلت : ما لمن أتاه من الثواب ، قال : من أتاه ماشيا كتب الله له بكل خطوة حسنة ومحى عنه سيئة ورفع له درجة ، فإذا أتاه وكل الله به ملكين يكتبان ما خرج من فيه من خير ولا يكتبان ما يخرج من فيه من شر ولا غير ذلك ، فإذا انصرف ودعوه وقالوا : يا ولي الله مغفورا لك ، أنت من حزب الله وحزب رسوله وحزب أهل بيت رسوله ، والله لا ترى النار بعينك أبداً ، ولا تراك ولا تطعمك ابداً.
وثمة طائفة أخرى من الأخبار تدل على فضل الزيارة راكباً إلا أنها ليست بالفضل كالزيارة ماشياً منها:
 (الخبر الثاني):حدثني محمد بن جعفر القرشي الرزاز ، عن خاله محمد بن الحسين بن أبي الخطاب ، عن أحمد بن بشير السراج ، عن أبي سعيد القاضي ، قال : دخلت على أبي عبد الله ( عليه السلام ) في غريفة له وعنده مرازم ، فسمعت أبا عبد الله ( عليه السلام ) يقول : من أتى قبر الحسين ( عليه السلام ) ماشيا كتب الله له بكل قدم يرفعها ويضعها عتق رقبة من ولد إسماعيل ، ومن أتاه في سفينة فكفأت بهم سفينتهم نادى مناد من السماء : طبتم وطابت لكم الجنة .
 (الخبر الثالث):حدثني أبي رحمه الله وعلي بن الحسين ، عن سعد بن عبد الله ، عن محمد بن أحمد بن حمدان القلانسي ، عن محمد بن الحسين المحاربي ، عن أحمد بن ميثم ، عن محمد بن عاصم ، عن عبد الله بن النجار ، قال : قال لي أبو عبد الله ( عليه السلام ) :تزورون الحسين ( عليه السلام ) وتركبون السفن ، فقلت : نعم ، قال : أما علمت أنها إذا انكفت بكم نوديتم : ألا طبتم وطابت لكم الجنة .
   تنبيه هام: إن أخبار الطائفة الأولى واضحة الدلالة في بيان استحباب أن تكون زيارة الإمام عليه السلام ماشياً لا مرفهاً بالركوب على بعير أو مركب وما شابه ذلك إلا لمن كان بعيداً عن المراقد الطاهرة فيركب السفينة، فمثل هذا لا ريب في أنه من أهل الجنة وله حسنات كثيرة، فالماشي أكثر أجراً لأنه أغبر أشعث بسبب تعفيره بالتراب خلال المشي حافياً بخلاف الراكب المرفه، فالماشي أفضل من الراكب على قاعدة" الأجر على قدر المشقة" والراكب لا يصدق عليه أنه أتاه أشعثاً أغبراً بل هو معزز مكرم في مركبه كالطيارة والسيارة والقطار إلا أن المشي يكون أقرب إلى المذلة والإستكانة والتواضع، ولا تقدم له السفر والموائد كما هو الحال في الطائرة والقطار وهو ما دلت عليه بعض الأخبار على كراهة حمل السفر والموائد من الحلوى والأخبصة وأشباهها كما أشارت الأخبار الآتية التي أشار إلى قسمٍ منها الشيخ الجليل ابن قولويه تحت عنوان:" ما يكره اتخاذه لزيارة الإمام الحسين بن علي ( عليهما السلام ". وإليكموها:
  (الخبر الأول) ـــــ حدثني أبي رحمه الله وعلي بن الحسين وجماعة مشايخي رحمهم الله ، عن سعد بن عبد الله بن أبي خلف  عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن علي بن الحكم ، عن بعض أصحابنا ، قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : بلغني ان قوما إذا زاروا الحسين ( عليه السلام ) حملوا معهم السفر ، فيها الحلاوة والاخبصة وأشباهها ، ولو زاروا قبور أحبائهم ما حملوا معهم هذا .
  (الخبر الثاني) ــــ وحدثني محمد بن الحسن بن أحمد وغيره ، عن سعد بن عبد الله ، عن موسى بن عمر ، عن صالح بن السندي الجمال ، عن رجل من أهل الرقة يقال له : أبو المضا ، قال : قال لي أبو عبد الله ( عليه السلام ) : تأتون قبر أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، قلت : نعم ، قال : أفتتخذون لذلك سُفَراً ، قلت : نعم ، فقال : أما لو اتيتم قبور آبائكم و أمهاتكم لم تفعلوا ذلك ، قال : قلت : اي شئ نأكل ، قال : الخبز واللبن ، قال : وقال كرام لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : جعلت فداك ان قوما يزورون قبر الحسين ( عليه السلام ) فيطيبون السفر ، قال : فقال لي أبو عبد الله ( عليه السلام ) : أما انهم لو زاروا قبور آبائهم ما فعلوا ذلك  .
  (الخبر الثالث) ـــــ حدثني حكيم بن داود ، عن سلمة بن الخطاب ، عن أحمد ابن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن بعض أصحابنا ، قال : قال أبو عبد الله عليه السلام ) : بلغني ان قوما إذا زاروا الحسين بن علي حملوا معهم السفر ، فيها الحلاوة والاخبصة وأشباهها ، لو زاروا قبور أحبائهم ما حملوا ذلك.
 (الخبر الرابع) ــــ حدثني محمد بن أحمد بن الحسين ، قال : حدثني الحسن ابن علي بن مهزيار ، عن أبيه ، عن الحسين بن سعيد ، عن زرعة بن محمد الحضرمي ، عن المفضل بن عمر ، قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : تزورون خير من أن لا تزورون ولا تزورون خير من أن تزورون ، قال : قلت : قطعت ظهري ، قال : تالله ان أحدكم ليذهب إلى قبر أبيه كئيبا حزينا ، وتأتونه أنتم بالسفر ، كلا حتى تأتونه شعثاً غبراً.
   إن الأخبار المتقدمة كاشفة عن الكيفية التي ينبغي أن يكونَ عليها الزائرُ من الحزن والكآبة وعدم التلذذ بالأطعمة والأشربة، وعدم وضع الطيب المعبر عنه بالأشعث(وهو ترك استعمال الطيب) وأن يكون أغبراً (أي ملوثاً بالطين)... وكلها تشير إلى استحباب أن تكون الزيارة ماشياً للمتمكن من ذلك، وهل يستحب للزائر المشي من بيته حافياً أم منتعلاً ؟ ظاهر هذه الأخبار هو استحباب الزيارة ماشياً منتعلاً إلى أن يصل إلى نهر الفرات للإغتسال بقرينة ما جاء في صحيحة أبي الصامت قال: سمعت أبا عبد الله ( عليه السلام ) وهو يقول: من أتى قبر الحسين ( عليه السلام ) ماشيا كتب الله له بكل خطوة الف حسنة ومحا عنه الف سيئة ورفع له الف درج، فإذا أتيت الفرات فاغتسل وعلق نعليك وامشِ حافياً ، وامشِ مشي العبد الذليل ، فإذا أتيت باب الحائر فكبر أربعاً ، ثم امش قليلا ثم كبر أربعا ، ثم ائتِ رأسه فقف عليه فكبر أربعا وصل عنده ، واسأل الله حاجتك ".
  ملاحظة هامة: هنا ينبغي أن نلفت نظر المؤمنين الزوار إلى شيء مهم هو: أنه في حال مشوا حفاة لزيارة تلك المراقد المطهرة يجب عليهم شرعاً أن يحافظوا على أحكام الطهارة وأن يجتنبوا المشي على النجاسات والمتنجسات حتى لا يؤدي ذلك إلى إدخال النجاسة إلى الحرم المطهر وهو حرام شرعاً ويعتبر هتكاً لحرمة المعصوم عليه السلام، ولو أدى المشي حافياً إلى تنجيس القدمين وعدم القدرة على تطهيرهما قبل الدخول للحرم فلا يجوز للزائر الدخول إليه مادامت قدماه متنجستين، والمطلوب من المؤمن الزائر المحافظة على طهارة الحرم الشريف ونظافته تماماً كما هو الحال في بقية المساجد الشيعية، مع أن المراقد المطهرة أهم بكثير من المساجد، إذ لولا تلك الجسوم المطهرة صلوات الله عليها لما قام للدين عمود ولا اخضر له عود، فلولاهم ما عُبد الله ولولاهم ما وحِّد الله تعالى..والله العالم.
(الردُّ على عابدِ العِجْلِ كمالِ الحيدري خذله اللهُ تعالى)
   دلت الأخبار الشريفة ـــ والتي منها الخبر الرابع المتقدم ـــ على أن المطلوب من الزائر أن يكون أشعثاً أغبراً أي أنْ يكون تاركاً التطيب وأن يكون مغبراً بالغبار أو عليه شيءٌ من الطين بسبب قطع المسافة الطويلة لأجل الزيارة، وهنا لا بد من لفت النظر إلى أمر مهم جداً وهو الآتي: إن كمال الحيدري البتري شكَّك في فعل بعض المؤمنين الغيارى المخلصين للشعائر الحسينية (على صاحبها آلاف الصلاة والسلام والتحية) حينما يطيِّنون وجوهَهم كلَّ عامٍ في اليوم العاشر من محرم الحرام في قم والنجف وكربلاء...ولم يكتفِ بالتشكيك فحسب حتى تهكم عليهم وعلى شعائرهم بحجة أن تطيين الوجه ليس له أساسٌ في الشعائر الحسينية على صاحبها آلاف السلام والتحية وسماها بالشعائر التطينية من باب الإزراء بفاعليها والتعييب عليهم والإنتقاص منهم وممن يقلّدونهم من مراجع التقليد بجواز التطيين حزناً على سيّد الشهداء عليه السلام وتأسياً بتلك الوجوه الطاهرة التي غطَّاها الرملُ أو الطينُ على أرض كربلاء حيث صبغت لحية الإمام الحسين وأبي الفضل عليهما السلام بدمائهما الطاهرة مع الطين على أرض كربلاء الطيبة، وأُسوة بوجوهِ أخواتِ وبناتِ ونساءِ الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام التي هي أجمل وأنور من نور الشمس والقمر حيث عفَّرها الترابُ على صحراء كربلاء المقدسة....
 لذا نقول لذاك البتري الحيدري الجربزيّ خذله المولى ومن معه من نواصب الشيعة: إن إزراءَك وتعييبَك على المطينين لوجوههم الطيبة في سبيل التأسي بتلك الوجوه الشريفة ورفضاً للأنانية والكبرياء المانع من هتك المرء لكبريائه في أيام محرم لا ينقصهم من أُجورهم شيئاً على الإطلاق بل واللهِ سيزيد أجرهم بسبب تطيينهم لوجوههم يوم العاشر من محرم بسبب تعييبك عليهم أنت ومن يقف وراءك من عمائم بترية ناصبية، وقد اقتبسوا عادة التطيين من الأخبار الكاشفة عن أن المطلوب من الزائر أن يكون أشعثاً أغبراً أي تاركاً لاستعمال الطيب، ومغبراً وجهه بالطين أو غبار الرمل اضطراراً بحكم السفر المستلزم لتلوث الوجه بالرمال وغبار الطين الجاف أو اختياراً بوضع الطين على وجوههم هتكاً للأنانية والكبرياء والعجرفة والإختيال والعظمة... ونتأسى بصعصة بن صوحان الذي روي عنه ــــ كما في مفاتيح الجنان للشيخ عباس القمي رحمه الله في أعمال مسجد السهلة ــــ أنه لما لحّد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وقف صعصعة على القبر وأخذ كفاً من التراب فأهاله على رأسه وقال : بأبي أنت وأمي يا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) هنيئا لك يا أبا الحسن ( عليه السلام ) فلقد طاب مولدك وقوي صبرك وعظم جهادك وبلغت ما أمّلت وربحت تجارتك ومضيت إلى ربّك ، ونطق بكثير من مثلها وبكى بكاءً شديداً وأبكى كلّ من كان معه ".
  وورد أيضاً نظيره في دعاء الندبة الشريف المروي عن إمامنا الحجة القائم أرواحنا لتراب مقدمه الفداء على يد السفير الثاني محمد بن عثمان رضي الله عنه :" فعلى الأطائب من أهل بيت محمد وعلي صلى الله عليهما وآلهما ، فليبك الباكون ، وإياهم فليندب النادبون ، ولمثلهم فلتذرف الدموع ، وليصرخ الصارخون ، ويضج الضاجون ، ويعج العاجون.." .
فالضجُّ والعَجُّ أي الصَّخَبُ ورفع الصوت بشدّة أو كثرة الغبار من شدّة الحركة ، العجاج هو الغبار الذي تثيره الريح؛ وأعجَّت الريح: اشتد هبوبها وساقت العجاج أي الغبار.... والضج لغةً هو: الصياح عند عند المكروه والمشقة والجزع...
 والمعنى: أين الّذين يندبون ويذرفون الدّموع مع الصّراخ والصّخب المرافق للصياح مع الجلبة والحركة المرافقة لإثارة الغبار من شدّة وقع المصيبة على المؤمن الذي يفقد السيطرة على أعصابه فينثر التراب على رأسه كما يفعل المصابون بفقدان أحبتهم. 
   إن الشيعة عندما يطينون وجوههم فإنهم يُظهرون الندبة والحزن والتفجع والعجيج والضجيج كما ورد في دعاء الندبة الشريف... يفعلون ذلك لوجود مستند للتطيين في أخبارنا الشريفة التي ادعى البتري الحيدري بأن تسعين بالمئة منها هي من صنع أحبار اليهود يا يهودي هذا الأُمة وفصيل عجلها الذي ما ترك شيئاً لآل محمد إلا وخربه وطمسه ونسفه من أساسه...فتعساً لك ولمن يقف وراءك يا عابد العجل....!! يدَّعي عابدُ العِجْلِ ومن يقف خلفه أنهما مجتهدان ولا يدريان ما معنى الأشعث والأغبر..! ولا يدري أننا ترابيون نتأسى بأبي تراب مولانا أمير المؤمنين علي سلام الله عليه عندما ناداه النبي الأعظم وكان نائماً على التراب:" قم أبا تراب" فيوم القيامة ينادي الظالمون لآل محمد وشيعتهم والكافرون بظلاماتهم وأخبارهم بقوله:( إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً )، نعم نحن ترابيون نصبغ وجوهنا يوم العاشر من محرم أو ليلة الحادي عشر، تاركين للزينة والطيب بل طيبُـنا إنَّما هو الدم بالتطبير والطين من طين كربلاء تأسياً بأبي تراب الذي نام على الأرض فصبغ نفسه بالتراب تواضعاً لله تعالى تاركاً الطيب والتلذذ بالنوم على وسائد الحرير، فهو قدوة لنا... وأنت قدوتك من يحرضك على الشعائر التي شوشت عليه حياته وأدخلت الهمّ والغمَّ على قلبه....ونتمنى على المؤمنين والمؤمنات في هذه السنة أن يزيدوا من التطبير على رؤوسهم وأن يطينوا وجوههم حداداً على سيّد الشهداء وأُسوة بالصدّيقة الطاهرة الحوراء زينب سلام الله عليها وأُختها وبنات أخيها ونسائه وبقية النساء المسبيات اللاتي اكتسى جمال وجوههن الشريفة الطين والدماء من تلك الأرض الطيبة والدماء الطاهرة الزكية ليرغموا أُنوف المستكبرين الذين ليس لهم شغل في كل موسم عاشورائي إلا محاربة المطبرين والمطينين....وآ علياه وآ زهراء وآ حسناه وآحسيناه وآ زينباه وآ عباساه... سنبقى نقيم الشعائر حتى تُحزَّ رقابنا في سبيل إقامة الشعائر الحسينية المقدسة نبتغي ذلك القربة غلى الله تعالى وإلى حجته المطلقة سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين وآبائه الغر الميامين...فمهما تجبرتم علينا أيها القرود فلن تثنونا عن الشعائر الحسينية على صاحبها آلاف السلام والتحية...فإمَّا النصر وإمَّا الشهادة...!
 
(3) ــــ السؤال الثالث: ورد في روايات أهل البيت عليهم السلام أنّ الأنبياء على نبيّنا وآله وعليهم السلام حتّى رسول الله الأعظم محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه و آله و سلّم يستأذنون الله عزّ و جلّ في زيارة الإمام الحسين عليه السلام، فما العلّة الّتي من أجلها يزورون الإمام الحسين عليه السلام؟.
 
بسمه تعالى
الجواب:
 لقد دلت النصوص على أن الله تعالى يعطي المؤمنين الزائرين للإمام الحسين عليه السلام الثواب الجزيل والدرجة الكريمة عنده تعالى كما أن لهم خصائص أخرى كالنجاة من البلاء وسعة الرزق وتطويل العمر وغفران الذنوب وتفريج الكروب وأنهم مشفعون وأنهم أحباء الله تعالى، إلا أن زيارة الأنبياء للإمام الحسين عليه السلام تختلف بطبيعتها عن زيارة عامة المؤمنين، فهم ليسوا بحاجة إلى غفران الذنوب باعتبارهم معصومين عن الخطايا والجرائر، نعم هم بحاجة إلى شفاعة الأئمة الطاهرين عليهم السلام في غفران ترك الأولى الذي وقعوا فيه، فزيارتهم للإمام الحسين سلام الله عليه تكتسب أهمية كبرى لهم من حيثيات أُخرى أفاضها الله تبارك شأنه علينا بفضل آ له المطهرين سلام الله عليهم حيث أصبغنا عليها مصطلحات كلامية لم يسبقنا إليها أحد من الأعلام؛ وهي التالي:
(الحيثية الأولى): الشفاعة الوجاهية العليائية؛ وهي إشارة إلى تشفع الأنبياء عليهم السلام بالنبي الأعظم وأهل بيته الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين لا سيّما الإمام المعظم والنور الأعظم سيّد الشهداء سلام الله عليه لكي يكون لهم وجيهاً عند الله تعالى في زيادة درجاتهم بالثواب والقرب من الله تعالى، فتشفعه لهم عند الله تعالى لعلو قدره عنده تعالى توجب علو درجاتهم ومنازلهم في الجنة، لما للإمام الحسين عليه السلام من عظيم المنزلة عند الله تعالى باعتباره إمامهم الأعظم وسيدهم الأكبر وذلك لأن الإمام عليه السلام أحبّ إلى الله تعالى منهم عليهم السلام وهو ما أشارت إليه النصوص منها ما جاء في زيارة آل ياسين قول الإمام عليه السلام:(لا حبيب إلا هو وأهله)، فضلاً عن أن إمامته العظمى أعظم من إمامة الأنبياء من أولي العزم إلا إمامة جده النبي الأعظم صلى الله عليه وآله فإنها نفس إمامته وولايته الكبرى على عامة الكائنات ومنها الأنبياء العظام فضلاً عمن دونهم عليهم السلام، وقد فصّلنا الموضوع في كتابنا( الفوائد البهية) فليراجع.
 ويدخل في هذا القسم من الشفاعة تشفع الملائكة به للتقرب إلى الله تعالى والوصول إلى المقامات العالية عنده، وما التفاوت في منازلهم إلَّا من حيث التفاوت بمحبة سيّد الشهداء وجده وأبيه وأمه وأخوته وبنيه المطهرين سلام الله عليهم كما دلت عليه النصوص الكثيرة التي فاقت التواتر بمرات منها : أنه لولا آل محمد سلام الله عليهم ما خلق الله تعالى ملكاً ولا بشراً ولا عرشاً وفرشاً ولا شمساً ولا قمراً (لولاك ما خلقت الأفلاك) و(لولاكم ما خلقت الأفلاك) و (وروح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة)...وللمزيد يراجع المصادر الحديثية المتعلقة بفضل آل محمد سلام الله عليهم أجمعين.
  (الحيثية الثانية): الشفاعة الإسقاطية الدالة على تشفع الأدنى بالأعلى لإسقاط العقاب والآثار الوضعية المترتبة على ترك الأولى، وهذا القسم من الشفاعة يشمل صنفين من الخلق، أحدهما: هم عامة الناس المحتاجين للشفيع عند الله تعالى لكي يسقط عنهم العذاب عما اقترفوه من ذنوب وجرائر، وثانيهما: هم الأنبياء والأولياء عليهم السلام يطلبون شفاعة الإمام عليه السلام لكي يسقط عنهم الله تعالى تبعات ترك الأولى الذي ارتكبوه في حياتهم، فيتوسطون عند من هو أعلى كعباً منهم عند الله تعالى وهو الإمام سيّد الشهداء سلام الله عليه، ومن هذا القبيل ما ورد عن خواص الأنبياء الذين توسلوا بالنبي وأهل بيته الطيبين سلام الله عليهم لكي يغفر لهم الله تعالى ترك الأولى كما فعل النبي آدم عليه السلام حيث بكى أربعين سنة لأجل أن يغفر له الله تعالى ترك الأولى فلم يغفر له حتى أمره بالتوسل بالأنوار الخمسة المطهرين سلام الله عليهم أجمعين وهو مفصل في كتب التفسير والحديث فليراجع.
  (الحيثية الثالثة): الشفاعة الإنقاذية الدالة على أن التشفع بالشفيع الإمام عليه السلام يستلزم النجاة من الشرور اللاحقة بالأنبياء من الأعداء والظالمين فكانوا يتوسلون بالأئمة الطاهرين سلام الله عليهم لكي ينقذهم الله تعالى من البلايا والمحن المتوجهة عليهم ولها شواهد كثيرة منها: توسل النبي نوح عليه السلام يوم الطوفان وتحصين سفينته بالأسماء الخمسة المباركة، وكتوسل النبي إبراهيم عليه السلام لما رماه نمرود في النار، وكتوسل النبي يوسف ويونس وموسى وعيسى عليهم السلام عند الشدائد والمحن وهو مفصل في كتب التفسير والحديث القصصي في حياة الأنبياء عليهم السلام.
  (الحيثية الرابعة): الشفاعة العرفانية؛ وهي إشارة إلى طلب المؤمن الموالي من الله تعالى في أن يرزقه عمق العرفان والمحبة للإمام الحسين سلام الله عليه لما قدمه من تضحيات عظمى عجز عنها الأنبياء الكرام، فكأن زيارتهم له من باب تقدير الجميل وأداء الشكر له وتقديم طاعتهم له والإنقياد إليه سلام الله عليه باعتباره أفضل منهم نصاً وإجماعاً، وقد فصّلنا ذلك في بحوثنا العقائدية الأخرى فلتراجع.
   (الحيثية الخامسة): الشفاعة الإستمدادية؛ وهي إشارة إلى تقرب المؤمنين إلى الله عزَّ وجلَّ بزيارتهم له سلام الله عليه للإستمداد منه في أن يهبهم روحي فداه ــــ بإذن الله تعالى ــــ الهمةَ والنشاطَ والروحَ والراحة...كيف لا ؟ وهو الإكسير الأعظم لكل السائرين إلى الله تعالى بقدم العبودية، فهو قبلتهم إلى الله تعالى في العروج الروحي إلى الله تعالى تماماً كما اتخذت الملائكة آدم عليه السلام قبلة إلى الله تعالى بسجودهم له.
   (الحيثية السادسة): الشفاعة الكَرْبية؛ وهي إشارة إلى زيارتهم له للبكاء والنوح على قبره الشريف الذي هو أعظم من الكعبة والعرش والفرش، فإن من كان لله تعالى بكامل وجوده صار الكونُ كلُّه أسيراً له يدور معه حيثما دار يحيى بحياته ويموت بموته بمقتضى ما جاء عنهم سلام الله عليهم: (لولا الحجة لساخت الأرض بأهلها).
  (الحيثية السابعة): الشفاعة الإلهية الأمرية؛ وهي إشارة إلى الأمر الإلهي بزيارته صلى الله عليه وآله الطيبين، فقد أمر الله تعالى بزيارة سيّد الشهداء عليه السلام لأن في زيارته تعظيم لله تعالى وتعظيم للإمام عليه السلام لأن زيارته هي زيارة لله تعالى، وقد عقد ابن قولويه القمي أعلى الله مقامه باباً خاصاً في كتابه الجليل(كامل الزيارات) تحت عنوان" من زار الإمام الحسين عليه السلام كان كمن زار الله في عرشه وكتب في عليين" منها:
 بإسناده عن محمد بن الحسين ، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع ، عن الخيبري ، عن الحسين بن محمد القمي قال : قال لي الرضا ( عليه السلام ) : من زار قبر أبي ببغداد كان كمن زار رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأمير المؤمنين ، الا ان لرسول الله وأمير المؤمنين عليهما السلام  فضلهما ، قال : ثم قال لي : من زار قبر أبي عبد الله بشط الفرات كان كمن زار الله فوق كرسيه ". 
 وروى بإسناده عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري ، عن أبيه ، قال : حدثني محمد بن الحسن بن شمون البصري ، قال : حدثني محمد بن سنان ، عن بشير الدهان ، قال : كنت أحج في كل سنة فأبطأت سنة عن الحج ، فلما كان من قابل حججت ودخلت على أبي عبد الله ( عليه السلام ) فقال لي : يا بشير ما أبطأك عن الحج في عامنا الماضي ، قال : قلت : جعلت فداك مال كان لي على الناس خفت ذهابه ، غير اني عرفت عند قبر الحسين ( عليه السلام ) ، قال : فقال لي : ما فاتك شي مما كان فيه أهل الموقف ، يا بشير من زار قبر الحسين ( عليه السلام ) عارفا بحقه كان كمن زار الله في عرشه".
  تنبيه هام: لا يخفى على العالم بحقائق القدس الرباني في أن الله تعالى لا يجلس على عرش ولا يحيط به مكان وزمان كما هو مفصل في البحوث العقلية العقائدية فلا بد ههنا من صرف ما ورد في الحديثين بأن الله تعالى على العرش إلى المعنى المجازي وهو الجلوس على عرش القدرة والجبروت أي أن الله تعالى مهيمن على العرش لا أنه جالس عليه فإنه من صفات الممكنات المحتاجة إلى من أوجدها من العدم .
 (الحيثية الثامنة): الشفاعة الإرتقائية؛ وهي إشارة إلى أن زيارته سلام الله عليه توجب علو الدرجات عند الأنبياء بتشفعهم عند الإمام سيِّد الشهداء أرواحنا فداه وعليه السلام، وحيث إن الأنبياء لم يصلوا إلى مقامات محمد وآله فإنهم بحاجة إلى من يرقيهم إلى الوصول إلى خدمة تلك العتبات المقدسة من آل الله تعالى التي توصلهم إلى رفيع الدرجات كما دلت عليه الأخبار منها ما رواه ابن قولويه القمي بإسناده عن أبيه عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن فضال ، عن عبد الله بن مسكان ، عن أبي عبد الله عليه السلام ) ، قال : من أتى قبر الحسين ( عليه السلام ) كتبه الله في عليين".
وبإسناده أيضاً عن أبيه رحمه الله وجماعة مشايخي ، عن سعد بن عبد الله ، عن الحسن بن علي الكوفي ، عن عباس بن عامر  عن ربيع بن محمد المسلي ، عن عبد الله بن مسكان ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، قال : من أتى قبر الحسين ( عليه السلام ) كتبه الله في عليين.
 هذا ما تيسر لنا من التدبر في زيارة الأنبياء عليهم السلام ومن دونهم من عباد الله الصالحين لمولانا سيّد الشهداء سلام الله عليه ولو سرحنا النظر أكثر لكانت الوجوه أكثر من ثمانية؛ ولله الأمر من قبل ومن بعد وهو حسبي عليه توكلت وإليه أُنيب.
 
(4 ) ـــــ السؤال الرابع: إنّ الإمام الحسين عليه السلام استشهد و هو عطشان و مكروب ولهفان ومظلوم، فهل يوجد فرق بين من يزوره و هو عطشان و لهفان و مكروب و من يزوره و هو في حالة طبيعيّة؟
 
الجواب
بسمه تعالى
 لا ريب في أن الزائر للإمام المعظم أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه وهو عطشان ومكروب أفضل من الزائر الممتلئ والمرتوي، إدراجاً للزيارة في الأعمال العبادية التي يشترط فيها خواء المعدة من الطعام حسبما دلت عليه الأخبار من استحباب الإقبال على الله تعالى بمعدة فارغة وكراهة الإقبال على الله تعالى بالمعدة الممتلئة ذلك لأن المعدة الممتلئة تجف الدمعة وتقسي القلب وتمنع من الإقبال على الله تعالى وعلى الأعمال العبادية والفكرية أيضاً فقد ورد عن الإمام أبي عبد الله ( ع ) ما من شئ أضر لقلب المؤمن من كثرة الأكل وهي مورثة شيئين قسوة القلب وهيجان الشهوة والجوع أدام للمؤمن وغذاء للروح وطعام للقلب وصحة للبدن "، كما أن الأخبار الشريفة دلت على استحباب زيارة إمامنا المعظم سيِّد الشهداء عليه السلام بمعدة خاوية وقلب حزين على مصائب سيِّد الشهداء صلوات الله عليه، والعارف بالإمام الحسين روحي فداه وعليه السلام لا يزوره إلا عطشاناً وجائعاً تأسياً بإمامه الذي قُتل عطشاناً، فضلاً عن أن المؤمن بطبيعته ــــ كما دلت عليه الأخبار لا سيما خطبة المتقين كما في فقرة قول أمير المؤمنين عليه السلام لهمام:(  يا همام المؤمن هو الكيس الفطن ، بشره في وجهه ، وحزنه في قلبه ، أوسع شيء صدراً ، وأذل شيء نفساً ، زاجر عن كل فإن ، حاض على كل حسن ، لا حقود ، ولا حسود ، ولا وثاب ، ولا سباب ، ولا عياب ، يكره الرفعة ويشنأ السمعة ، طويل الغم ، بعيد الهم كثير الصمت ، وقور ، ذكور ، صبور ، شكور ، مغموم بفكره مسرور بفقره ، سهل الخليقة لين العريكة رصين الوفاء ) ـــــ خائف من عذاب الله تعالى ومكروب حزين على ما جرى على سادة الورى عليهم السلام لا سيما الإمام المظلوم أرواحنا فداه الذي لا يفتأ إمامنا المعظم الحجة القائم سلام الله عليه من البكاء على جده صباحاً ومساءً إلى أن يموت بغصة الإكتئاب ولوعة المصاب تلهفاً عليه وشوقاً إليه، كما جاء في الزيارة المقدسة عنه أرواحنا فداه:" فلئن أخرتني الدهور ، وعاقني عن نصرك المقدور ، ولم أكن لمن حاربك محاربا ، ولمن نصب لك العداوة مناصبا ، فلأندبنك صباحاً ومساءً ، ولأبكينَّ عليك بدل الدموع دماً ، حسرة عليك وتأسفاً على ما دهاك وتلهفاً ، حتى أموت بلوعة المصاب وغصة الاكتياب ".
 فينبغي للمؤمن العارف بحق سيّده الإمام المظلوم عليه السلام أن يكون متأسياً بإمام الزمان سلام السلام عليه في الحزن على سيّد الشهداء صلوات الله عليه، كما ينبغي أن يكون أشعثاً أغبراً عند زيارته لسيد الشهداء عليه السلام، وقد كشفت الأخبار الشريفة عن ذلك منها ما رواه صاحب كامل الزيارات باب 47"ما يكره اتخاذه لزيارة الإمام الحسين عليه السلام" منها:
 ما رواه بإسناده عن محمد بن أحمد بن الحسين ، عن الحسن بن علي بن مهزيار ، عن أبيه ، عن الحسين بن سعيد ، عن زرعة بن محمد الحضرمي ، عن المفضل بن عمر ، قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : تزورون خير من أن لا تزورون ولا تزورون خير من أن تزورون ، قال : قلت : قطعت ظهري ، قال : تالله ان أحدكم ليذهب إلى قبر أبيه كئيبا حزينا ، وتأتونه أنتم بالسفر كلا حتى تأتونه شعثاً غبراً .
  وروى عن أبيه وأخيه وعلي بن الحسين وغيرهم رحمهم الله ، عن سعد بن عبد الله بن أبي خلف ، عن أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري ، عن علي بن الحكم ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام قال : إذا أردت زيارة الحسين (عليه السلام ) فزره وأنت كئيب حزين مكروب ، شعث مغبر ، جائع عطشان ، فان الحسين قتل حزينا مكروبا شعثا مغبرا
جائعا عطشانا ، وسله الحوائج ، وانصرف عنه ولا تتخذه وطنا .
  وبهذا الاسناد عن سعد بن عبد الله ، عن موسى بن عمر ، عن صالح بن السندي الجمال ، عمن ذكره ، عن كرام بن عمرو ، قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) لكرام : إذا أردت أنت قبر الحسين ( عليه السلام ) فزره وأنت كئيب حزين شعث مغبر ، فان الحسين ( عليه السلام ) قتل وهو كئيب حزين ، شعث مغبر جائع عطشان.
 
(5) ـــ السؤال الخامس: ما هي زيارة العارف بحقّ الإمام الحسين عليه السلام حيث ورد في الروايات: «مَنْ أَتَى الْحُسَيْنَ عليه السلام عَارِفاً بِحَقِّهِ غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَ مَا تَأَخَّرَ [الكافي، طبع دار الكتب الإسلاميّة، ج4، ص582، ح8؛ كامل الزيارات، طبع دار المرتضويّة، ص140، ح15؛ وسائل الشيعة، طبع مؤسّسة آل البيت عليهم السلام، ج14، ص410، ح19478؛ هداية الأمّة إلى أحكام الأئمّة عليهم السلام، العتبة الرضويّة المقدّسة على مدفونها آلاف التحيّة و الثناء، ج5، ص477، ح1؛ مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول عليهم السلام، طبع دار الكتب الإسلاميّة، ج18، ص309، ح8]»؟
 
بسمه تعالى
(الجواب): دلت الأخبار الشريفة على أن الزائر للإمام الحسين عليه السلام العارف بحقه له الدرجات العُلى عند الله تعالى وأن الله تبارك شأنه يجعله مع العليين في جنة النعيم، وكتبه الله في أعلى عليين كما جاء في الخبر المستفيض، فضلاً عن الكرامات الكثيرة التي أعدها الله تعالى للزائرين، وهذا لا كلام فيه أصلاً وإنما الكلام حول تعريف العارف بحقه عليه السلام فمن هو العارف بحق الإمام عليه السلام ؟. 
والجواب: إن معرفة الإمام سيِّد الشهداء عليه السلام بحقيقة المعرفة غير متوفرة لكلّ الشيعة بل ليست متوفرة حتى للأنبياء والمرسلين والملائكة الكروبيين كما دلت عليه الأخبار الكاشفة عن أن أمرهم صعب مستصعب لا يحتمله لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا عبد امتحن الله قلبه بالإيمان...قيل من يحتمله؟ قال عليه السلام: من شئنا.
فإذا ما كان أمرهم صعباً مستصعباً فكيف الحال بذواتهم التي لا يدركها إلا الله تعالى بمقتضى الحديث الشريف عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله:" يا عليّ : ما عرف الله إلا أنا وأنت وما عرفني إلا الله وأنت ، وما عرفك إلا الله وأنا".
وجاء في الزيارة الجامعة الكبيرة على صاحبها آلاف السلام والتحية عن مولانا الإمام المعظم عليّ الهادي سلام الله عليه قال:" ومن وحّده قبل عنكم ومن قصده توجه بكم، مواليَّ لا أُحصي ثناءكم ولا أبلغ من المدح كنهكم ومن الوصف قدركم وأنتم نور الأخيار وهداة الأبرار وحجج الجبار بكم فتح الله وبكم ينزّل الغيث...".
 وقد أجاد المحدِّث العاملي محمد تقي المجلسي الأول أعلى الله مقامه في شرح الفقرة المتقدمة: (وأنتم نور الأخيار) فقال رحمه الله: « أي كيف أحصي ثناءكم وأمدحكم كنه مدحكم وأصف قدركم والحال أنكم نور الأخيار أي منورهم ومعلمهم وهاديهم مع أنه لا يمكنني معرفة الأخيار من النبيين والمرسلين والملائكة المقربين ( أو ) أنتم كالشموس من بينهم ولا يمكن رؤية الشمس كما أن البصر عاجز عن رؤية الشمس ، كذلك البصيرة عاجزة عن إدراك مراتبهم وكمالاتهم وصفاتهم فإنهم مرائي كماله تعالى وصفاته تقدس ذكره « بكم يفتح الله » أي في جميع الفيوض والخيرات كما يشعر به الصلاة أو في الخلق فإنهم أول ما خلق أرواحهم كما في الأخبار المتكثرة وتقدم بعضها ( أو ) لكم خلق الله الخلق ( أو ) أنتم وسائط الفيوض الإلهية « وبكم يختم » كما في الرجعة والمهدي عليه السلام أو كل خير يصل إلى أحد فإنه بسببكم لأنهم العلة الغائية « وبكم ينزل الغيث » كما ورد في الأخبار الكثيرة ، لأنهم المقصودون بالذات ( أو ) بدعائهم كما روي أيضا متواترا..".
 والمراد بمعرفة حقهم الواردة في الأخبار هي: المعرفة بالنورانية المشار إليه في حديث المعرفة بالنورانية الوارد عن أمير المؤمنين عليه السلام لسلمان وأبي ذر بقوله عليه السلام:«  يا سلمان ويا جندب :إنّ معرفتي بالنورانية معرفة اللَّه  ومعرفة الله معرفتي ، وهو الدين الخالص ». وهي المعرفة الخالصة الواردة في الزيارة الجامعة الشريفة:« فبحقهم الذي أوجبت لهم عليك أسألك أن تدخلني في جملة العارفين بهم وبحقهم وفي زمرة المرحومين بشفاعتهم...». ومعناها أي الطلب من الله تعالى أن يدخله في جملة العارفين ، أي أن لا يكون ممن يدّعي معرفتهم ويتظاهر بالتشيع لهم من دون الإعتقاد بعلو مقامهم وكمالاتهم على عامة خلق الله تعالى ، بل يجب أن يكون ممن اعتقد بمعرفتهم ، وبالاعتقاد بهم وبمعارفهم وفضائلهم وأسرارهم وكمالاتهم وعلو درجاتهم يدخل الإنسان في العارفين بهم ، ومعرفة الشيء تمييز الشيء بتمام خصوصياته بحيث يمتاز عمّا سواه .
  وبعبارة أُخرى: إن المراد من معرفتهم التي يجب على العباد أن يتصفوا بها هو الإعتقاد الكامل بولايتهم الإلهية العظمى التي حباهم الله تعالى بها دون سائر خلقه ملكاً وملكوتاً ولاهوتاً ووجوب الإعتقاد بالإمامة الكلية والخلافة الثابتة لهم بتمام معانيها من الولاية التكوينية والتشريعية التي أسهبنا في شرحها في كتابنا:(الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية)، فهذه المعرفة الكائنة فيهم عليهم السّلام كالجبلة الأصلية لهم الواردة في أحاديث الخلق الأول وأحاديث" أمرنا صعب مستصعب.." التي لا يمكن المعرفة بها لأحد كما هي هي إلا لهم عليهم السّلام كما هو مقتضى قوله عليه السّلام : " إن أمرنا لا يحدّ . . ." وأمَّا غيرهم فكلٌّ بحسبه وعلى مقدار ما منحوها له  ومع ذلك تكون معرفتنا بالنسبة إليهم وما هم فيه كنسبة القطرة إلى البحر .
 ووجه التخصيص في" أن يدخله اللَّه تعالى في العارفين بهم دون العارفين به تعالى لا يخلو من أمور ثلاثة:
 إمَّا لأجل أن معرفتهم مما يترتب عليها معرفته تعالى بالنحو الأوضح كما ورد في الزيارة الجامعة الصغيرة : " ومن عرفهم فقد عرف اللَّه ، " وفي هذه الزيارة : " السلام على محالّ معرفة اللَّه ".
 وكيف كان؛ فمن عرف أنهم العرفاء باللَّه علماً وصفةً وحالاً ، فهم عليهم السّلام يقدرون بيان معرفته علماً ، وبيان كيفية تحصيل معرفته وإظهار حقيقة معرفته ، فمن عرفهم هكذا فقد عرف اللَّه تعالى  .
وإمَّا لأجل أنّ معرفته تعالى حيث إنها لا يمكن إلا بعد معرفتهم فكان سؤال الزائر منصباً على  أن يدخله في جملة العارفين بهم ، وهذا الوجه هو الوجه السابق إلا أنه فيه بيان الانحصار كما لا يخفى .
وإمَّا لأجل أنه لا يمكن لأحد معرفته تعالى بكنهها ، والممكن للخلق هو معرفتهم ، لأنهم أقرب الخلق إليه تعالى بالحقيقة النورانية .
وتقدم قول أمير المؤمنين عليه السّلام لسلمان وجندب : " إنّ معرفتي بالنورانية معرفة اللَّه " أي من عرفني بالنورانية فقد عرف اللَّه ، فلا يقدر أحد أن يعرفه كما هو إلا بمعرفتي ، أي حاصل معرفة الخلق معرفتي ، فمنها يعرف اللَّه تعالى بما عرف نفسه في الأئمة عليهم السّلام ولهذا الكلام مجال واسع في محله ، ثم إنّ المعرفة لمّا كانت هي التمييز ، والمميز هو العقل والقلب ، وتمييزهما يتعلق بالشيء الخارجي الممكن تعلق التمييز به .
 ومن المعلوم أنه تعالى تجلى في الخلق بصفاته لا بذاته المحجوبة عن كلّ عينٍ ، ويكون تجلَّيه تعالى هو حقيقة محمد وآل محمد صلَّى اللَّه عليه وآله وهو تعالى بتجليه عرَّف نفسه للخلق ، فلا محالة لا يمكن لأحد التمييز والمعرفة به تعالى إلا بما تجلَّى به ، والتجلي منه تعالى ليس إلا بمحمد وآله صلَّى اللَّه عليه وآله وهم عين تجليه ، ومن المعرفة بحقيقتهم يعرف العارف بهم عليهم السّلام ربّه بالوجه والإجمال بالمعبود الحقيقي .
والمعروف الحقيقي من معرفة الأئمة عليهم السّلام هو ذاته المقدسة تباركت أسماؤه بنحو الإجمال والوجه كما لا يخفى ، لذا قال إمامنا المعظم الحسين بن أمير المؤمنين عليّ عليهما السّلام بعد ما سئل عن معرفة اللَّه : ( معرفة أهل كل زمان إمامهم الذي تجب عليهم طاعته).
 والوجه في اختصاص المعرفة بمعرفة إمام الزمان سلام الله عليه في زمان العارف به أن التجلي الذي يحصِّل المعرفة الإلهية ولو بالإجمال ، إنما هو في الإمام الحاضر الموجود في زمان العارف كما لا يخفى .
  وأما تفسير قوله عليه السّلام : " وبحقهم  ": أي أسألك أن تدخلني في جملة العارفين بحقهم ، ومعرفة حقهم هو الذي يستلزم التسليم لذواتهم المقدسة وصفاتهم المطهرة بنفسه وماله بحيث لا يرغب بهما عنهم سلام الله عليهم أجمعين ، فإنه بعد ما عرف العبد أنهم عليهم السّلام أولياء اللَّه وخلفاؤه على العباد ، واستبصر ذلك بحقيقة قلبه ، وعرفهم بهذه المعرفة ، فعليه لا محالة أن يبذل نفسه وماله ، وأن يخلع نفسه عن السلطنة والتصرف في شيء من أموره وشؤونه في قبالهم وفي عرضهم من أموره وشؤونه بل يجعلها وفقاً على طاعتهم عليهم السّلام بل يجب عليه أن يكون اتجاههم كالعبد بين يدي سيّده لا يخالفه في صغيرة وكبيرة فيصير معهم كالميّت بين يدي المغسِّل، يرجى التأمل فإنه دقيق كدقة الصراط .
 وبعبارة أُخرى: إن المراد بــ "العارف بحقهم" هو: أن يكون المؤمن عالماً متبصراً بحقائق إمامتهم ووجوب الطاعة لهم وأنهم حججه على بريته ووجوب الإعتقاد بولايتهم الكليَّة على عامة الكائنات والتولي لهم والتبري من أعدائهم والإعتقاد بمعارفهم وفضائلهم والتسليم لهم في كلّ شيء، وهذه المعرفة يجب أن تكون تفصيلية لا إجمالية كما هو في أكثر الشيعة اليوم حتى المتجلببين بثوب العلم والفقاهة ــــ وما أكثرهم في هذا الزمان ـــــ حيث بدأت الفتنة منهم وعادت إليهم فكم من تشكيكات روجوها وهنات ارتكبوها بحق سادة الخلق عليهم السلام فتقمصوا ألقابهم وتسنموا منازلهم وادعوا درجاتهم وفضائلهم...! فالواجب في المعرفة هو المعرفة التفصيلية النابعة عن الإعتقاد العلمي بإمامتهم وولايتهم بحيث يصل هذا الإعتقاد إلى حالة كشف علمي وعملي بمنازلهم العالية التي تتفاوت بمعرفتها الأنبياء والأولياء والاوصياء عليهم السلام، فينبغي على العارف بأهل البيت سلام الله عليهم أن يسأل الله تعالى في أن يهبه المعرفة الكاملة نسبياً التي وصل إليها أكابر الأولياء من أصحاب أهل البيت عليهم السلام كسلمان المحمدي وأبي ذر وعمار والمقداد وجابر الأنصاري وميثم التمار ورشيد الهجري وهشام بن الحكم وأبي هاشم الجعفري وأمثالهم من حملة الأسرار من أصحاب الأئمة الطاهرين عليهم السلام...ولا يراد من المعرفة : المعرفة الإجمالية التي تتفاوت فيها الشيعة أيضاً، فربما تكون معرفة الحق سماعية من غير عيان ولا دليل، وربما تكون إجمالية على نحو  الإجمال بتحصيل الدليل الظني، وكلا المعرفتين لا تفيان بالغرض ولا يسمى صاحبها بالعارف لهم ما دام المؤمن لم يصل إلى التفصيل اليقيني الاعتقادي بحقهم صلوات الله عليهم، وقد دلت إحدى الروايات على القسمين المتقدمين  كما في خبر كامل بن إبراهيم المروي في كتاب الغيبة للطوسي بإسناده عن الحميري ، عن أبي نعيم محمد بن أحمد الأنصاري قال : وجه قوم من المفوضة والمقصرة كامل بن إبراهيم المدني إلى أبي محمد عليه السلام قال كامل فقلت في نفسي : أسأله ، لا يدخل الجنة إلا من عرف معرفتي وقال بمقالتي ، قال : فلما دخلت على سيدي أبي محمد عليه السلام نظرت إلى ثياب بياض ناعمة عليه فقلت في نفسي ولي الله وحجته يلبس الناعم من الثياب ويأمرنا نحن بمواساة الإخوان وينهانا عن لبس مثله ؟ فقال متبسماً : يا كامل وحسر عن ذراعيه ، فإذا مسح أسود خشن على جلده فقال : هذا لله وهذا لكم فسلمت وجلست إلى باب عليه ستر مرخى فجاءت الريح فكشفت طرفه ، فإذا أنا بفتى كأنه فلقة قمر من أبناء أربع سنين أو مثلها فقال لي : يا كامل بن إبراهيم فاقشعررت من ذلك وألهمت إن قلت : لبيك يا سيدي فقال جئت إلى وليّ الله وحجته وبابه تسأله هل يدخل الجنة إلا من عرف معرفتك وقال : بمقالتك ؟ فقلت : أي والله ، قال : أذن والله يقل داخلها والله إنه ليدخلها قوم يقال لهم الحقية . قلت : يا سيدي ومن هم ؟ قال : قوم من حبهم لعلي عليه السلام يحلفون بحقه ولا يدرون ما حقه وفضله، ثم سكت ساعة عني ، ثم قال : وجئت تسأله عن مقالة المفوضة ، كذبوا عليهم لعنة الله ، بل قلوبنا أوعية لمشيئة الله ، فإذا شاء الله شئنا ، والله ( عز وجل ) يقول :( وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ) ثم رجع والله الستر إلى حالته ، فلم أستطع كشفه . ثم نظر إلي أبو محمد ( عليه السلام ) مبتسما وهو يقول : يا كامل بن إبراهيم ، ما جلوسك وقد أنبأك بحاجتك حجتي من بعدي ؟ ! فانقبضت وخرجت ، ولم أعاينه بعد ذلك ..".
  دلالة الخبر واضحة في بيان المعرفة الإجمالية سواء أكانت بالسماع والتقليد الموجب لليقين أم بالمعرفة الإجمالية الإستدلالية الضعيفة، نعم ثمة معرفة إجمالية يقينية ترتكز على الأدلة الإجمالية في تثبيت الإيمان بولايتهم وإمامتهم وعلو قدرهم، فالمهم في المعرفة الإجمالية هو حلول الإيمان في القلب من دون النظر والكسب في تحصيلها، نظير ما ورد في الخبر المشهور عن إيمان العجائز  بقوله:" عليكم بدين العجائز" ، أي اعتقاد الطاعنين أو الطاعنات في السن، والمراد من دين العجائز هو ترك النظر في تحصيله بل لو حصل من أي سببٍ كان مطلوباً، فلو كان واجباً لم يكن منهياً عنه، فإنَّ من نشأ على عقيدة وشبَّ وشاب عليها تكون في أقصى مراتب الرسوخ والقوة ، ولا تزيله كلّ الشبهات والتشكيكات عنها ، حتى لو كانت العقيدة عنده مجردة عن كلِّ دليلٍ بل تلقاها من الآباء والأمهات ولا يشمله دليل التقليد المنهى عنه في قوله تعالى ( إنّا وجدنا آباءنا على أُمَّةٍ وإنّا على آثارهم مقتدون) فإنها في مقام بيان ذم التقليد الأعمى الخالي من اليقين بالمعارف الإلهية ، ولعل في الكلمة ( العجائز ) تلميحاً أيضاً إلى العجز عن إقامة الدليل ، فأن أهل الاستدلال والصناعات العلمية غالباً أقرب إلى التشكيك من أولئك البسطاء المتصلبين في عقائدهم غلطاً كانت في الواقع أو صواباً .
  لقد دلت الزيارة الجامعة الكبيرة الصحيحة سنداً ودلالةً على أن المؤمن العارف يجب أن يتصف بصفات التولي والتبري وما يتفرع عنهما من اعتقادات حقة  كما في فقرة قوله الشريف عليه السلام معلِّماً للشيعة:« أُشهد الله و أُشهدكم أنّي مؤمن بكم و بما آمنتم به، كافر بعدوّكم و بما كفرتم به ، مستبصر بشأنكم  وبضلالة من خالفكم ، موالٍ لكم ولأوليائكم ، مبغضٌ لأعدائكم ، ومعاد لهم،  سلم لمن سالمكم ، حرب لمن حاربكم ، محقّق لما حقّقتم ، مبطل لما أبطلتم ، مطيع لكم ، عارف بحقّكم ، مقرّ بفضلكم ، محتمل لعلمكم ، محتجب بذمّتكم ، معترف بكم ، مؤمن بإيابكم مصدّق برجعتكم ، منتظر لأمركم ، مرتقب لدولتكم آخذ بقولكم ، عامل بأمركم ، مستجير بكم ، زائر لكم ، عائذ لائذ بقبوركم ، مستشفع إلى الله عزّ و جلّ بكم ، و متقرّب بكم اليه ، و مقدّمكم أمام طلبتي و حوائجي و إرادتى في كلّ أحوالي  وأموري ، مؤمن بسرّكم  وعلانيتكم ، وشاهدكم وغائبكم ، وأوّلكم وآخركم ، ومفوّض في ذلك كلَّه إليكم ومسلَّم فيه معكم ، وقلبي لكم مسلَّم ، ورأيي لكم تبع ونصرتي لكم معدّة حتى يحيى الله دينه بكم ، ويردّكم في أيّامه ، ويظهركم لعدله و يمكَّنكم في أرضه ، فمعكم ، معكم ، لا مع غيركم ، آمنت بكم ، و تولَّيت آخركم بما تولَّيت به أوّلكم ، و برئت إلى الله عزّ و جلّ من أعدائكم ومن الجبت و الطَّاغوت ، والشّياطين ، وحزبهم الظَّالمين لكم ، الجاحدين لحقّكم ، و المارقين من ولايتكم والغاصبين لإرثكم ، الشّاكَّين فيكم ، والمنحرفين عنكم ، ومن كلّ وليجة دونكم ، وكلّ مطاع سواكم ، ومن الائمّة الَّذين يدعون إلى النّار ، فثبّتنى الله أبدا ما حييت على موالاتكم ومحبّتكم  ودينكم  ووفّقنى لطاعتكم ، ورزقني شفاعتكم ، وجعلني من خيار مواليكم التّابعين لما دعوتم اليه ،  وجعلني ممّن يقتصّ آثاركم ويسلك سبيلكم ويهتدى بهداكم و يحشر في زمرتكم  ويكرّ في رجعتكم و يملَّك في دولتكم ، و يشرّف في عافيتكم ، و يمكَّن في أيّامكم ، و تقرّ عينه غدا برؤيتكم . )
 ولا يخفى على الخبير: أن درجة العرفان بهم سلام الله عليهم فوق درجة العمل بأوامرهم ونواهيهم، لأن معرفتهم أصل، والعمل بأوامرهم فرع، والفرع تابع للأصل، فيجب الإعتقاد بهم أولاً وأصلاً ثم العمل بأوامرهم ثانياً وتبعاً ، ولا نعني بالعرفان هنا ما راج واشتهر في ألسنة الصوفية من الشيعة والأشاعرة بل المراد به هو معرفتهم سلام الله عليهم بالمعرفة النورانية بمقتضى قول إمامنا المعظم علي الهادي سلام الله عليه في الزيارة الجامعة الشريفة:(عارفٌ بكم.... واجعلني من العارفين بهم وبحقهم)،أي عارف بذواتهم ولو بنحو الإجمال وعارف بصفاتهم وأنهم مفترضو الطاعة والإنقياد المطلق لهم أرواحنا فداهم..!. 
  الفقرة الشريفة السابقة:(أُشهد اللهَ وأُشهدُكم...) باب جامع مانع؛ جامعٌ لعامة الاعتقادات الحقة التي يجب أن يتصف بها المؤمن العارف، ومانعٌ عن معارف غيرهم، وهي التالي:
  الأول: الإيمان بالله تعالى والاعتقاد بأنه تعالى شاهدٌ على أعمالنا وأفعالنا وأقوالنا، سرنا وجهرنا، ظاهرنا وباطننا؛ والإعتقاد بأن حججه الطاهرين عليهم السلام شاهدون على أقوالنا وأفعالنا كما هو الحال عند الله تعالى باعتبارهم عين الله الناظرة في خلقه ويده المبسوطة على عامة التكوينات والتشريعات...قال تعالى:( وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) التوبة105.
  وقد كشفت أخبارنا الشريفة عن أن رؤيتهم لأقوالنا وأفعالنا حضورية تماماً كحضورية علم الله تعالى، وقد فصّلنا المطلب بشكلٍ تفصيلي في كتابنا الجليل الموسوم بـــ ( شبهة إلقاء المعصوم نفسه في التهلكة ودحضها ) فليراجع.
  الثاني: الإيمان بهم والكفر بمن خالفهم من فرق الضلالة سواء أكانوا من المذاهب الأربعة أم من الفرق الشيعية كالواقفية والبترية.
 الثالث: أن يكون المؤمن مستبصراً بهم وبمعارفهم وعقائدهم ومعاجزهم وكراماتهم وظلاماتهم وكل شؤونهم وحاكماً بضلالة من خالفهم من العامة والشيعة المنحرفين عنهم والبراءة منهم بسبب مخالفتهم لأئمة الهدى سلام الله عليهم، والمخالف لهم كافر زنديق لا احترام له ولا تقدير لعقيدته ومسلكه الفاسدين...فالمؤمن العارف بهم يسلّم بكل ما جاؤوا به غير مرتابٍ أو مشكّكٍ بهم وبكلّ مقاماتهم ومعارفهم وشؤونهم وأسرارهم، وكلُّ مَنْ ارتاب بهم وبقيادتهم وإمامتهم وولايتهم فهو كافر بالله تعالى كما أن المخالف لهم أُصولاً وفروعاً فهو كافر بهم ويترتب عليه أحكام الكفر والضلالة والبدعة والفسق والفجور والظلم لهم...!.
 الرابع: موالٍ لهم ولأوليائهم ومعادٍ لأعدائهم حتى لو كانوا أبناءه أو أهله او أقرباءه؛ وهذه الصفة تكررت مضامينها بكثرة في الزيارة الجامعة الشريفة لأهميتها على الصعيدين: العقيدة والعمل بالأحكام التشريعية الصادرة منهم ونبذ كل ما يخالفهم عقيدة وتشريعاً.
 الخامس: التسليم لهم في كل شيء والإيمان بظاهرهم وباطنهم وبكل ما جاؤوا به من عند الله تعالى.
 السادس: الإيمان بقائمهم سلام الله عليه وبسطه التوحيد والعدل والولاية، وكذا الإعتقاد بوجوب رجعتهم وكرتهم وبسطهم العدل والتوحيد عند رجعتهم.
 السابع: الإلحاح في الطلب من الله تعالى ومنهم في أن يوفقه الله تعالى بفضلهم سلام الله عليهم وبواسطتهم ليكون عارفاً بهم للسير على خطاهم والإقتفاء لآثارهم والعمل بها. 
 الثامن: المؤمن العارف بهم هو المنتظر لإمام الزمان الحجة القائم أرواحنا فداه مترقباً ظهوره لإقامة العدل والرحمة ولا يستبدل به غيره ممن تقمص إمامته وولايته ممن يدّعي لنفسه الإمامة والولاية من أتباع ولاية الفقيه وغيرهم ممن يتسنمون عرش المرجعية فظنوا أنهم أئمة ينوبون عن إمامنا الحجة القائم عليه السلام فأطلقوا على أنفسهم لقب الإمامة دون حياء أو خوف من إمام الزمان سلام الله عليه...! بل تجرأوا أكثر فادعوا انهم آيات الله العظمى... واعلياه وافاطمتاه وامهدياه...! ونحن قد أفتينا في عدة استفتاءات بحرمة إصباغ اللقبين المذكورين( إمام ووليّ ) على غير المعصومين سلام الله عليهم لأنهما خاصان بهم دون غيرهم من الناس.
 التاسع: المؤمن العارف دائم التوسل بهم وعائذاً بقبورهم ومقدمهم أمام طلبته وحاجاته ملتمساً رضاهم مترقباً إرشاداتهم وأوامرهم ونواهيهم في كل فعل أو قول يصدر من السالك إلى الله تعالى وإليهم.
   هذا هو المؤمن العارف الكامل بالمعرفة ومن عداه فهو ناقص المعرفة بهم سلام الله عليهم، فيجب عليه أن يلحَّ في الدعاء والتوسل بهم لكي يستنقذوه من غفلة الجاهلين ونوم السكارى والمغرورين بغير آل محمد عليهم السلام.  
  وبالجملة: إن دين العجائز إنما يكون بطريق التقليد لعدم اقتدارهن على النظر فإن دينهن بالاستدلالات الإجمالية الجلية، وهؤلاء يسمون بالحقيَّة من دون أن يعرفوا التفصيلَ حقائق المعارف وطرق الإستدلال على إثباتها؛  فهذه الرواية ناظرة إلى كفاية ذلك من دون خوض في لجج بحار الشبهات التي تجعل العقول حيارى والأفكار صرعى .
 والمعرفة الإجمالية مجزية في الإعتقاد إلا أن صاحبها لا يعد من العارفين لهم  بالمعنى الكامل في المعرفة كما يليق بشأنهم، ولكن صاحبها من الناجين والفائزين بمعرفتهم الإجمالية الجلية أو الإجمالية الإستدلالية وهو ما أشار إليه خبر البعرة تدل على البعير الكاشف عن المعرفة الجلية السماعية، كقول الأعرابي : « البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير وأسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج لا يدلان على اللطيف الخبير » وأمثاله ، وهكذا الأدلة الإجمالية التي يستدل بها للنبوة والإمامة ...ويكفي في الزائر أن يكون عارفاً بحقهم بالمعرفة الإستدلالية الإجمالية والجلية، وإن كان المطلوب هو المعرفة التفصيلية، والله العالم.
 
(6) ــــ السؤال السادس: في التاريخ الماضي فرض بعض الظالمين عقوبات صارمة على من يزور الإمام الحسين «عليه السلام» كقطع اليد و ربّما القتل، فهل التأكيد على الزيارة يشمل هذا الحدّ أيضاً، أم أنّ التأكيد خاصّ بما لم يكن ضرر بالغ أو نقص عضو أو قتل؟ 
 
بسمه تعالى
(الجواب): زيارة الإمام المعظم أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه واجبة في المرة الأولى لزيارته المقدَّسة ومستحبة في المرات الأُخرى كما أشرنا سابقاً، وإلقاء النفس في التهلكة  حرام، ولو تزاحم الدليلان: الواجب  (وهو الزيارة) مع الحرام وهو( إلقاء النفس في التهلكة) يقدَّم ملاكُ الحرامِ على ملاك الواجب إلا إذا كان ملاك الواجب أو المستحب كإقامة الشعائر الحسينية على صاحبها آلاف السلام والتحية أهم من ملاك الحرام يقدم ملاك الواجب والمستحب على الآخر، باعتبار أن ملاك الواجب يترتب عليه إحياء معالم الدين أو التشيع فيكون أولى من ملاك الحرام الذي يتعنون بعنوان دفع الضرر الشخصي المنصب على صاحبه كالزائر للعتبات المقدسة، وهو ما جرى في فترة عهد الإمامين الصادقين عليهما السلام حيث كانت أوامرهم مؤكدة لزيارة سيّد الشهداء عليه السلام حتى لو أدَّت إلى قتل الزائر له سلام الله عليه وذلك لأن إقامة الشعائر الحسينية من حيث الأهمية في أقسامها تفوق أهمية دفع الضرر الشخصي بشواهد مسندة روائية وغيرها بل إن الضرر وإن بلغ درجة التلف العضوي أو تلف النفس فهو لا يغيّر حكم الشعائر الحاكم على أدلة نفي الضرر لأن في إحياء الشعائر إحياءٌ لمعالم التشيع وهو أعظم ملاكاً من حفظ النفس من التلف، وهو ما ذهبنا إليه تبعاً لمن سبقنا كالعلامة الفذ الشيخ خضر بن شلال أعلى الله مقامه الشريف ــــ وهو من تلامذة الشيخ جعفر كاشف الغطاء وتلامذة العلامة الفذ آية الله السيد مهدي بحر العلوم أعلى الله مقامه الشريف صاحب الكرامات والمقام الخاص عند الإمام الحجة القائم أرواحنا فداه ــــ فإلقاء النفس في التلف إذا كان في سبيل فضيلة من الفضائل الدينية ـــ حتى لو أدى الإقدام على ذلك الفعل إلى تلف عضوٍ أو تلف النفس ــــ لا يكون مشمولاً لعموم حرمة الضرر قطعاً...
  وبعبارةٍ أُخرى: إن قاعدة إحياء الشعائر الحسينية أو فضيلة من الفضائل الرافعة لمعالم التشيع حاكمة على قاعدة لا ضرر وذلك لأن إحياء النوع مقدم على قاعدة وجوب تجنب الضرر الشخصي وهذا نظير ما جرى لميثم التمار ورشيد الهجري والمعلّى بن خنيس وأمثالهم ممن لاقوا الحتوف في سبيل إعلاء معالم التشيع ورفع فضائل أمير المؤمنين وأهل بيته الطيبين سلام الله عليهم أجمعين.
 وبعبارةٍ أُخرى: إن الشعائر الحسينية على صاحبها آلاف السلام والتحية أهم ملاكاً من الضرر الشخصي الذي يلحق المكلّف جراء إقامته للشعائر الحسينية، وهنا لا بدَّ من التفصيل الفقهي حول حاكمية الشعائر الحسينيَّة على قاعدة نفي الضرر، وإليكم التفصيل تحت عنوان:" الشعائر الحسينية ودعوى الضرر":
  البحث في الشعائر الحسينيّة على صاحبها آلاف السلام والتحية ،  كانت ولا تزال مثار جدل ونقض وإبرام بين الأعلام في بعض خصوصياتها العامة المستحدثة كالضرب بالسلاسل والتطبير دون ما كان رائجاً في زمن الأئمة الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين كالبكاء واللطم والصراخ والإغماء فإنه مما لا إشكال فيه وإنما وقع الإشكال في المستحدثات التي ادّعي ترتب الضرر على فاعلها لما تسببه من الضرر والهتك المزعوم على التشيع ، والجامع فيها هو الضرر الحاصل من جرّاء إقامة العزاء بالشكل الرائج في الوسط الشيعي الشعبي. .. وقد أسهبنا في النقض والإبرام حول دعوى الهتك المزعومة في كتابَينا الجليلين: " الشعائر الحسينية " و " رد الهجوم عن شعائر الإمام الحسين المظلوم عليه السلام " وكتابنا الثاني هو أول كتاب تفصيلي تُعالج فيه الإشكالات المثارة حول التطبير وكل من كتب بعده فهو عيال عليه، ولله الحمد ولأهل بيت العصمة والطهارة سلام الله عليهم الفضل والمنَّة والمدد....
  والسؤال الجدير بالإجابة عليه هو التالي: هل أن الضرر الشخصي أو النوعي مانع وعائق عن الشعائر الحسينيّة أم لا ؟ ونقرِّب عدم ممانعته ومعارضته لأقسام العزاء الحسينيّ بكافة أصنافه وأنواعه بثلاثة وجوه :
  الوجه الأّول : قصور العموم القرآني في قوله تعالى ( وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) أو عموم حرمة الضرر والإضرار عن الإستدلال على حرمة إيقاع النفس في معرض الخطر في الموارد المُمضاة من قِبل الشارع المقدس . .
  والحاصل: إنّ عموم حرمة الإلقاء في التهلكة أو الإضرار لا يشمل موارد إلقاء الإنسان نفسه في معرض قد يؤدّي به إلى تلف عضو ، أو قد يؤدّي به إلى الهلكة  في سبيل فضيلة دينيّة ، أو من أجل فضيلة سلوكيّة مُمضاة من قِبل الشارع،  والحكمة من عدم الشمول إمّا لقصور العموم عن الحرمة أو شموله للحرمة إلَّا أنه مخصَّص بهذا المورد . . 
  الوجه الثاني : مقتضى الأدلة الروائية والعقلية عدم إزالة الضرر الشخصيّ لأحكام الشعائر الحسينيّة ، سواءٌ كان على مبنى مشهور الفقهاء والعلماء المائلين إلى أنّ قاعدة « لا ضرر ولا ضرار في الاسلام . . » حاكمة على الأدلّة الأوّليّة أو أن الشعائر الحسينية خارجة عن الأدلة الأولية من باب التخصيص . 
 والإتفاق قائم بين الفقهاء الأعلام على عدم وجود فرق في الضرر المرفوع عن الشعائر الحسينية بين أن يكون ضرراً بسيطاً أو عظيماً ، ولكنَّ بعضاً منهم أدار الكلام  حول الضرر العظيم فقط وإلا فإن الضرر البسيط لا مجال فيه للنقاش لبناء العقلاء على جوازه .
 كما قد قام الإتفاق بينهم على أن ليس أيّ درجة من الضرر أو الحرج أو بقية العناوين الثانويّة تُزيل كلّ حكم من الأحكام الشرعيّة الأوّليّة وإن بلَغت أهميّة الحكم إلى درجة قصوى، فمثلا الحرج والضرر الذي يُزيل وجوب الوضوء هو غير الحرج والضرر الذي يزيل حرمة أكل المَيتة . . فدليل نفي الضرر المزيل لوجوب الوضوء يختلف عن الضرر المزيل لحرمة تناول الميتة....واختلاف مستويات ودرجات الضرر أو الحرج الرافع للأحكام الأوّليّة هو من متفرّعات مبنى مشهور الفقهاء والأُصوليّين. 
بل سواء بنينا على مبنى المشهور في « لا ضرر » أو على المبنى غير المشهور. . على كلا التقديرَين يمكن أن نستدلّ على أنّ الشعائر الحسينيّة من حيث الأهميّة في أقسامها تفوق أهميّة دفع الضرر بشواهد مسندة روائيّة وغيرها ، بل عند بعضهم كالشيخ خضر بن شلال أعلى الله مقامه الشريف أن الضرر وإن بلغ درجة التلف العضويّ أو تلف النفس ، فهو لا يغيّر حكم الشعائر وهو خيرتنا أيضاً في كتابنا الشعائر الحسينية...
 يتلخص مما ذكرنا: أنّ الضرر الذي يرفع أهميّة الشعائر الحسينيّة ليس هو الضرر اليسير أو المتوسط بل حتى الضرر العظيم على النفس لا يزيلُ حكم الشعائر الحسينية.
وبعبارة أُخرى: إنّ الضرر الشخصيّ على اختلاف درجاته ليس بمزيل ولا مؤثّر على الشعائر الحسينيّة .   
 ودعوى بعض الأعلام من أنّ الضرر لو كان على المذهب فله صلاحيّة أن يزيل رسماً أو قسماً أو لوناً أو طريقة من رسوم أو أقسام أو ألوان أو طرق الشعائر الحسينية...دونه خرط القتاد، ذلك لأن الدعوى المتقدمة مبنية على نظرية ولاية الفقيه العامة أو المطلقة التي تقصر الأدلة عن إثباتها باعتبارها حقاً خاصاً بالمعصومين من آل محمد سلام الله عليهم بل هي من لوازم ولايتهم التكوينية المطلقة المدلول عليها في الكتاب الكريم والأخبار الشريفة، ولا يجوز لأحد من العالمين تقمصها لنفسه وقد أسهبنا بالنقض والإبرام عليها في كتابنا الموسوم بـ(ولاية الفقيه العامة في الميزان" فليراجع.
 فلا بدّ من تناسب الضرر مع حجم أهميّة الشعائر الحسينيّة ليمكنه أن يزيلها . . وإلاّ فلا يمكن للضرر الشخصي مهما اختلفت درجاته أن يزيل شعيرة من الشعائر الحسينية على صاحبها آلاف السلام والتحية باعتبار أن ملاكها أهم من ملاك نفي الضرر كما سوف يأتي.
  الوجه الثالث : دعوى انتفاء الضرر موضوعاً ، فلا رافع لحكم الشعائر التي تعنون في الأقسام المختلفة المرسومة قديماً وحديثاً . . ولا تجري فيها قاعدة الضرر لانتفاء الموضوع من الأساس  لأنّ الضرر بحسب التحليل الشرعي لا يتناول - ابتداءً - مثل هذا الدرجات من النقص . . كما لا يسبّب شيئاً من النقص على المذهب . .وما زعمه من لا خبرة له في قضايا الفقه والأصول يبقى مجرد وهمٍ لا يمت إلى الحقيقة بصلة .
   وهذا الوجه يختلف عن الوجهَين السابقَين . . فدليل الضرر من رأس لا يتناول الشعائر الحسينيّة من البداية . . نظير موارد عديدة ، مثل عمليّة جراحيّة يُجريها الإنسان لغرض معين . . فلا يُقال أنّ شقّ البطن مثلا نوع من الضرر المحرّم . . بل هو نوع من المعالجة . . ومثلاً الحجامة في الرأس ، أو في البدن تعتبر نوع من المعالجة ، فهذه أشياء خارجة تخصصاً عن موضوع الضرر المحرّم، أو أنها خارجة تخصيصاً عن حكم الضرر... فدعوى الضرر من الأصل هو أول الكلام. 
  وبحث الضرر بأقسامه الثلاثة قد أفاض بشرحه الكثير من الأعلام بإسلوب معقد إلا أننا سنوضحها بشيء من التفصيل ليتسنى لطالب الحق الإلمام به.
تفصيل الوجه الأوّل:
  ينبغي الإلتفات إلى أن الوجه الأول هو بصدد بيان عدم ممانعة ومعارضة الضرر للشعائر الحسينيّة، لأنّه ينطوي على بيان قاعدة فقهيّة مرتكزة لدى علمائنا في الأبواب المختلفة وسنّوا عليها أحكاماً متعددة إلا أنّها لم تعنون كقاعدة بإطار مستقل ، وهي :قاعدة ( جواز تعريض النفس للهلكة في سبيل الفضيلة الدينية ).
 ومفادها : أن الضرر البالغ لا يمكن أن يكون دافعاً ومانعاً من إقامة الشعائر الحسينية حتى لو وصل الضرر إلى درجة إزهاق النفس . . وجعل النفس في معرض الهلكة والتلف إذا كان في سبيل فضيلة من الفضائل الدينية ، فالإقدام على ذلك الفعل الذي يعرّض النفس لتلف عضو ، أو تلفها وإقحام النفس في ذلك الفعل ، ليس مشمولا لعموم حرمة قتل النفس ، أو إلقاء النفس في التهلكة ، ولا مشمولا لعموم حرمة الضرر أيضاً . .
ولا بدّ من توضيح صورة الفرض ( الموضوع ) أوّلا ; ثمّ نقيم الدليل ( على المحمول ) بعد ذلك . .
فرض القاعدة هو أن يُقدِم الإنسان على فعل فيه شيء من تعريض النفس للتلف ( وليس حتميّة التلف إلا في موارد أكثر أهمية من الحفاظ على النفس ) : تلف عضو ، أو تلف النفس ، وكان ذلك الفعل ذاته لا ينفكّ عن الإيصال إلى فضيلة دينيّة أو عقليّة راجحة عند الشارع ....فإن الوقوع في ذلك الفعل وإن أدى إلى تلف عضو أو تلف النفس ، ليس مشمولا لعموم حرمة إقدام النفس على الضرر ، بل هو مشمول لمديح تلك الفضيلة الشرعيّة أو العقليّة أو العرفية . .
  هذه الدعوى في مفاد القاعدة قد يستغربها بعض الناس إلا أننا سنذكِّرهم بكلمات الفقهاء في مسائل مشابهة كي يندفع استغراب ذلك . . وهو في الواقع استدلالٌ على القاعدة، والشواهد الفقهية على ذلك كثيرة وقد ذكرناها في كتابنا" ردّ الهجوم على شعائر الإمام الحسين المظلوم سلام الله عليه" ونعيدها مرةً ثانية هنا بشيءٍ من التفصيل وهي التالي :
 (الشاهد الأول) : ملاك الدفاع عن النفس والمال : ما ذكروه في باب الدفاع عن النفس في كتاب الحدود . . أنّ الدفاع على ثلاثة أقسام : إمّا عن النفس ، أو عن العِرض ، أو عن المال . . وكلّ قسم من هذه الاقسام إمّا أن يكون الدفاع مع ظنّ السلامة ، أو الاطمئنان إلى السلامة ، أو مع احتمال التلف . .
 أمّا الدفاع عن النفس . . ففي كلّ الشقوق الثلاثة يكون واجباً . . فمع ظنّ السلامة ، ومع الاطمئنان إلى السلامة فواضح ، مثل الدفاع في مقابل سارق أو قاطع طريق أو غاصب ، وغيرها من العناوين الطارئة... وأمّا مع احتمال أن يكون ترك الدفاع موجباً للتلف فيجب الدفاع أيضاً . . لأنّه لا يجوز تسليم النفس إلى الهلكة . . والظاهر وجوب الدفاع عن النفس في الشقوق الثلاثة المتقدمة ولا يقتصر الدفاع في موردي الظن والإطمئنان فحسب بل يتعداه إلى مورد احتمال الضرر أو القتل.... فلا يجوز الإعانة على النفس بنظر بعضهم ، فلا بدّ من المعارضة والمقاومة للظالم أو السارق . . نظير بعض التقريبات في وجوه واقعة كربلاء ، فلا يجوز التسليم بأيّ وجهٍ من الوجوه ...هذا بالنسبة للدفاع عن النفس . 
وامَّا بالنسبة للدفاع عن العِرض مع ظنّ السلامة ، والاطمئنان إلى السلامة أيضاً فقد قالوا بالوجوب . . أمّا مع احتمال التلف ، فبعضٌ قال : يُلحق بالنفس فيجب . . وبعض قال بالعدم وأنّه رخصة وليس عزيمةً أي ليس واجباً . .
على كلّ حال ، اتّفق الجميع على جواز المدافعة والوقوع في الدفاع والمعارضة للظالم وإن احتمل التلف من قبل الظالم المعتدي على العرض . .
أمّا الدفاع عن المال . . فالمنسوب إلى الأكثر هو البناء على الرخصة أو الجواز مع ظنّ السلامة والاطمئنان إليها ، ولم يوجبه أحد إلاّ إذا كان مالاً خطيراً . ...ونُسب إلى الأكثر أيضاً جواز المدافعة وإن احتمل المعرضيّة للخطر والوقوع في العطب والتلف . .
فالأكثر ذهب إلى جواز الدفاع عن المال لدلالة النصوص على الجواز لا الوجوب ، وقد ورد الدليل عن أحدهما عليهما السلام ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال : « مَن قُتل دون ماله فهو شهيد »
وقال عليه السلام : « لو كنتُ أنا لتركتُ المال ولم أُقاتل ». . وعن أبي مريم عن أبي جعفر عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « مَنْ قُتل دون مَظلَمتِه فهو شهيد . ثم قال : يا أبا مريم هل تدري ما دون مظلمتِه ؟ قلتُ : جُعلت فداك الرجل يُقتَل دون أهلِه ودون ماله وأشباه ذلك . فقال : يا أبا مريم إنّ من الفقه عرفانَ الحق ».
 ففي هذه الرواية الشريفة دلالة واضحة ، أن الدفاع دون المال والأهل أمر راجح بل يصل ثوابه إلى درجة عالية في صورة التلف . . والدفاع عن المال والأهل هو أدنى درجات الدفاع . . فكيف بنصرة الحق ، والدفاع عن المبادئ الاسلامية العليا ، في حالة تهديدها بالخطر أو الإندراس كما هو الحال اليوم من الهجمة الشرسة على الشعائر من قبل متلبسين بالتشيع .
ففي الصورة الثالثة من الدفاع عن المال يجوز المدافعة ولو مع احتمال التلف، وتمسّكوا بإطلاق صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « مَن قُتل دون ماله ، فهو شهيد، وقال: لو كنت أنا لتركت المال ولم أُقاتل » أبواب الحدود في كتاب الوسائل ، باب الدفاع/ باب 4 . .فقوله الشريف عليه السلام:" لو كنت أنا لتركت المال .." يفيد الرخصة في الدفاع عن المال لا العزيمة.
 ويشمله الإطلاق في قوله عليه السلام : « مَن قُتل دون مظلمته فهو شهيد » . . فنستخلص من هذا الفرع الذي أفتى به الفقهاء أنّ الدفاع نوع من الغيرة والإباء  والحميّة الدينية باعتبار أنّ غيرة المؤمن تمنع من تحمّل الظلامة . . وتمنع من الخنوع والذلّ . . في إباء الشرع الحنيف للمسلم والمؤمن،  وهذا التعبير فيه إشعار بالعلّة مع كون المظلمة هي مال ، ليس من جهة رجحان المال ، إذ أين النفس من المال ؟ إذ لو كان من باب التزاحم بين المال والنفس ، لحُرم حينئذ ولَما ساغ وجاز . . لأنّ المال مهما عظم لا يصل إلى أهميّة النفس . . لا سيّما أنهم لم يقيّدوا المال بكونه خطيراً . .
وقد نُسب إلى الأكثر التمسّك بعموم « مَن قُتل دون ماله فهو شهيد . . » والعموم يتناوله كما هو الصحيح ، لكن ليس من باب تزاحم حفظ المال وحفظ النفس . . فالنفس هي المعيَّنة للحفظ ، والواجب هو حفظها . . بل يُعاقب إذا لم يحفظها ، ولا يمكن جعله في عداد الشهداء باعتباره قدَّم المال على حفظ نفسه، والنفس أهم من المال . . وحيث إنه عليه السلام جعله في عداد الشهداء بسبب عدم رضوخه للذل والهوان وليس لأجل المال بما هو هو بل بما سيترتب على سلبه منه ذل وهوان....!.فهو من باب الدوران بين حفظ النفس أو حفظ الفضيلة الداعية إلى عزة المؤمن وحميته، وهي الإباء وعدم الذلّ وعدم الخنوع . . وهو نمط من إنكار المنكر . . لذلك فإنّ من قُتل دون ذلك فهو شهيد . . وهذا الفرق يوقفنا على فتاوى الفقهاء في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أنّه من قُتل في سبيل إنكار منكر أو في طريق أمرٍ بمعروفٍ  لا يُعدّ مخالفاً شرعاً . . فالضّرر إذا ترتّب في الجملة على هذا الواجب ، لا يعني أن ما فعله كان غير سائغٍ وغير جائز على قاعدة مشهور الفقهاء القائلين بأن « لا ضرر » ، رافعة لحرمة الضرر من باب التزاحم . . وليس من باب التخصيص . . فهي رافعة للتنجيز والعزيمة ، لا أنّها رافعة لشرعيّة الحكم من أساسه . .
(الشاهد الثاني) : ما سيأتي في الوجه الثاني من ورود جملة من الروايات المعتبرة في أبواب المزار المعتضدة بسيرة الطائفة في عصر الأئمة عليهم السلام ، الدالّة على ندب زيارة الإمام الحسين عليه السلام والحثّ على ذلك ولو في ظروف الخوف على النفس أو العرض أو المال ، وقد استظهر منها جملة من الأعلام عمومَ جواز الإقدام مع الخوف والرجحان في مطلق أفراد الشعائر الحسينيّة ، وسيأتي تقرير ذلك .
(الشاهد الثالث) : المصادر التي ذكرها المحدثون في البحث الروائيّ للبكاء على سيّد الشهداء سلام الله عليه . . أوّلها قصّة يعقوب في سورة يوسف . . ( وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَينَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيم * قَالُوا تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ ).
فواضح من الآيات أن النبيّ يعقوب عليه السلام حزن حزناً شديداً ، وهو فضيلة التشوّق من نبيّ لآخر لا إلى جهة البنوّة فقط . . وإلاّ فإنّ بقية أولاد يعقوب بنون أيضاً . . وإنّما من جهة تشوّق النبيّ لنبيّ آخر وحبّ في الجمال المجسَّم في ذلك النبيّ الآخر . . فإيقاع النبيّ يعقوب نفسه في الحُزن والأسى ـــــ مع أنّه حينما اشتدّ به الحزن والأسى انتقده الآخرون حتّى أهله وبنوه بحسب تصوّرهم الخاطئ  بأنّ هذا الفعل يؤدّي به إلى أن يكون حرَضاً ــ أي فاسد العقل ــ أو يكون من الهالكين . . ( وَابْيَضَّتْ عَينَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيم ) وفي البكاء الشديد والحزن المستمر  ــــ كان في معرضيّة التلف الذي يؤدي إلى الحَرَض أو إلى الهلاك . .  وقد حصل بياض العينين فعلا ، وقد عميت العين . . ومع ذلك يقرّر القرآن قول يعقوب ، وهو قول نبيّ من الأنبياء أن هذا أمرٌ فضيليّ يوجب المدح والإطراء ، وليس بأمر مذموم يستحق الذم والتوبيخ واللوم . .
  زبدة المخض: إنّ إيقاع النبيّ يعقوب عليه السلام نفسه في هذه المعرضيّة للتلف والضرر ليس فيه أيّة حريجة توجب التأنيب والتأديب الإلهي لأنبيائه الكرام، بل بالعكس كان ذلك منه فضيلة وإطراء وبالتالي الإمضاء والتقريربمقتضى قوله تعالى : ( وَابْيَضَّتْ عَينَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيم ) ومن ثمَّ  أعطى النبي يوسف عليه السلام  قميصه لإخوته كي يسلّموه لأبيهم ليرتدّ بصيراً . . فهذا فعلُ نبيٍّ مقرّر من الشريعة الإسلاميّة وليس فعلا منسوخاً في آية أو رواية ، بل فعلٌ مقرَّر عُدّ قدوة لنا ، كما قال تعالى في ذيل سورة يوسف : ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأولي الألباب مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيء وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْم يُؤْمِنُونَ ). . ومن ثمّ استشهد به الإمام السجّاد عليه السلام . . وهذا الشاهد مطابق تقريباً لنفس الفرض الذي نريد الوصول إليه ، وهو أنّ البكاء نوع من الفضيلة الدينية والإنسانية الصافية التي تستحق الإطراء والمديح . .
نفس بكاء النبي يعقوب على ابنه النبي يوسف عليهما السلام فيه تدليل على عظمة النبوّة في خصوص يوسف . . وعظمة النبوّة بصورة عامّة ، وليكون نوعاً من التنبيه والإشارة للأسباط من بني يعقوب على مقام النبوّة ثمّ لينتشر في نسل بني إسرائيل . .
فإلقاء النبيّ يعقوب نفسه في معرضيّة التلف ، أو تعريضه لأشرف وأكرم عضو من أعضاء الإنسان - وهو العين - للتلف أوضح دليل على المطلوب . .
  ونظيره ما ذكره المفسرون عن النبيّ شعيب مُسنَداً في كتاب علل الشرائع ، أنّه بكى من خشية الله فعميت عيناه ، ثمّ ردّ الله عليه بصره ، ثمّ بكى من خشية الله ، فعميت ، ثمّ ردّ الله عليه بصره . . ( مع التسليم بأنّ البكاء الشديد هو في المعرضيّة الإختيارية لعمى العين ) وهذا فعل نبيّ من أنبياء الله عزّ وجلّ . .
ونظير ذلك منقول عن أبي ذر رضي الله عنه . . أنّ أبا ذر عمي في آخر حياته لطول سجوده . . وهذا الفعل قد أُثِرَ أيضاً في ترجمة عديد من الأصحاب في عهد الأئمّة عليهم السلام أو أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام . . وهي سيرة كثير من أهل التقوى والورع؛ والمهمّ من ذلك أنّ هذا الفعل كان على مسمع ومرأى من الأئمّة عليهم السلام . . وقد اشتهر أنّ إطالة السجود تؤدّي في جملة من الأحيان إلى عمى العين . . أي يكون الساجد في معرض ذلك . . لكن لا يكون ملوماً ولا مذموماً . .
 (الشاهد الرابع) : بكاء الإمام زين العابدين عليه السلام المستمرّ والدائم على أبيه الحسين عليه السلام . ففي الصحيح إلى العباس بن معروف عن محمد بن سهل البحراني ] النجراني [ - المستحسن حاله - يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام في حديث : « . . . وأمّا عليّ بن الحسين عليه السلام فبكى على الحسين عليه السلام عشرين سنة أو أربعين سنة ، ما وضع بين يديه طعام إلاّ بكى ، حتّى قال له مولى له : إنّي أخاف عليك أن تكون من الهالكين ! قال : « إنّما أشكو بثّي وحُزني إلى الله وأعلَم من الله مالا تعلمون ، إنّي لم أذكر مصرع بني فاطمة إلاّ خنقتني لذلك عَبرة ». 
وفي الصحيح إلى أبي داود المسترقّ ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال : « بكى عليّ بن الحسين على أبيه حسين بن عليّ عليه السلام عشرين سنة أو أربعين سنة ، وما وُضع بين يديه طعاماً إلاّ بكى على الحسين عليه السلام حتّى قال له مولى له ، جعلت فداك يا بن رسول الله . . . » ، ثم ذكر نفس الرواية السابقة.
  وروى ابن قولويه بسند صحيح إلى إسماعيل بن منصور ، عن بعض أصحابنا ، قال : أشرَفَ مولى لعليّ بن الحسين عليه السلام وهو في سقيفة له ساجد يبكي ، فقال له : يا مولاي يا عليّ بن الحسين أما آن لحزنك أن ينقضي ، فرفع رأسه إليه وقال « ويلك - أو ثكلتك أمّك - والله لقد شكى يعقوب إلى ربّه في أقلّ ممّا رأيت حتّى قال : يا أسفى على يوسف ، إنّه فقد إبناً واحداً ، وأنا رأيت أبي وجماعة أهل بيتي يُذبَحون حولي » الحديث.
وكان عليه السلام إذا أخذ إناءً يشرب ماءً بكى حتّى يملأها دمعاً ، فقيل له في ذلك ، فقال : « وكيف لا أبكي وقد مُنع أبي من الماء الذي كان مطلقاً للسباع والوحوش ».
  وما نقل في هذا الصدد الكثير عن شدّة بكاء الإمام السجاد وخوف أهل بيته وعشيرته وبني هاشم عليه . . وكذلك اشتدّ خوف عامّة المسلمين عليه لشدّة بكائه على أبيه الحسين وقد نُقل أنّه عليه السلام بكى حتّى خيف على عينيه ، وهو عليه السلام يحتجّ بفعل يعقوب . . فكيف يكون هذا الفعل محرّماً . . بل إنّما يعتبر فضيلة ومكرمة . .ونظيره إغماء إمامنا الرضا عليه السلام مرّتين في إنشاء دعبل قصيدته التائيّة المشهورة  فأمره عليه السلام بإنشادها: « أنشد دعبل . . فلطمت النساء وجوههن وعلا الصراخ من وراء الستر ، وبكى الرضا عليه السلام حتّى أُغمي عليه مرّتين ».
 وظاهر أنّ البكاء بهذه الشدة اختياريٌّ وليس اعتباطياً عفوياً. . والإغماء ليس بالشيء غير محتمل الخطر . . وقد ثبت علميّاً أنّ في الإغماء معرضيّة الموت . . فالإغماء معروف قديماً وحديثاً ، وهو فعل غير مضمون السلامة ، وفى معرض الهلكة . . كما حصل لهمّام عندما سمع صفات المتّقين من سيّدهم أمير المؤمنين عليه السلام .
( الشاهد الخامس ): إغماء أمير المؤمنين والأئمّة عليهم السلام في البكاء . . وهذا ممّا استفاض نقله في كتب السير والتاريخ من العامّة والخاصّة . . والروايات الواردة في ذلك ، سواء الروايات الحديثيّة أو التاريخيّة ، مجموعها موجب للإستفاضة أو الوثوق . . مضافاً إلى وجود سيرة متشرعيّة بذلك مقرّرة على مسمع ومرأى من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والمعصومين عليهم السلام . . مع أنّ فيه معرضيّة الخطر من تلف النفس . .
(الشاهد السادس) : شاهد آخر عن أمير المؤمنين عليه السلام عندما أغار جيش معاوية على الأنبار ، فخطب خطبته المعروفة يستحثّ فيها أهل الكوفة للقتال . . ذكرها ابن الأثير والطبريّ في كتابيهما ، ووردت في كتاب الغارات لابن إسحاق الثقفي أيضاً ، ومحلّ الشاهد من الخطبة هو : « . . . وهذا أخو غالب ، قد وَرَدت خيلُه الأنبارَ ، وقد قَتَل حَسّان بن حَسّان البكريّ ، وأزال خيلَكم عن مسالِحها ، ولقد بلَغني أن الرجُل منهم كان يدخل على المرأةِ المُسلمة والأخرى المعاهِدة ، فينتَزِع حِجلَها وقَلْبها وقلائِدَها ورُعُثَها . . ما تمتنع منه إلاّ بالاسترجاع والاسترحام ، ثمّ انصرفوا وافِرين ما نال رجلا منهم كَلَمٌ ، ولا أُريق لهم دم . . فلو أنّ امْرِءاً مسلماً مات من بعد هذا أَسفاً ما كان به مَلوماً بل كان به عندي جديراً » .
لو لم يكن الموت اختياريّاً لما كان هناك وجه لنفي اللوم ، إذ لو كان موتاً عفويّاً ، غير اختياريّ بل من الكمد والأسف ، من شدّة التأسف ، حيث إنّ الذمّ والمدح إنّما يتوجه على الفعل الاختياريّ القريب أو البعيد . . أو على الأقلّ تكون مقدماته اختياريّة ، فلو أنّ الإنسان يتأثّر لأجل الغيرة الدينيّة ، ويشتدّ تفاعله ، ويزداد ويتحسَّس ، حتّى لو علم أن هذا الحماس سوف يؤدي به إلى الهلاك . . « ما كان به ملوماً ، بل كان به عندي جديراً » . .
بالإضافة إلى ذلك:  فإنّ هذا هو حكمٌ عقليّ أيضاً . . فالعقل يقضي إذا كانت المقدمات البعيدة إختياريّة في الفعل،  فإنّه حين يقع الإنسان في دائرة الفعل يصبح غيرَ اختياريّ . . لكنّ مقدّماته البعيدة إختياريّة، فإذا وقع الإنسان في معرضيّة التلف لا يُعدّ عند العقلاء مذموماً . .
فعبارة : « ما كان به ملوماً ، بل كان به عندي جديراً » من باب الجدارة والاقتضاء العقليّ والحميّة الدينيّة. 
 ( الشاهد السابع ) : ما هو معروف في خطبته عليه السلام في وصف المتّقين . . لمّا طلب منه همّام ذلك ، وبعد تمام الخطبة ، صعق همام بن عبّاد صعقةً كانت نفسه فيها ، فقال عليه السلام : أَمَا والله لقد كنتُ أخافُها عليه - أخاف عليه ـــ ولم يكن خوفه عليه من باب العلم اللّدنّيّ فحسب، بل كان أيضاً من باب العلم العقلائيّ الحاصل من الحالة المعتادة بين عامة الناس ، وهذا العلم العقلائي هو علم ظاهريّ بمقتضى ربط الأسباب بمسبباتها ، وهذا العلم هو محلّ التكليف. 
 والحاصل: إن إقدام همام على فعل فضيليّ وهو شدة الخشية من الله سبحانه إلى أن يُصعق ، إنّما حصل من شدّة التأنيب والخوف والخشية من الله سبحانه . .ثمّ قال عليه السلام : هكذا تصنع المواعظُ البالغةُ بأهلها . . فقال له قائل : فما بالك يا أمير المؤمنين . . فقال عليه السلام : وَيْحَكَ إنّه لكُلِ أَجَل وقتاً لا يعدوه ، وسبباً لا يتجاوزه ، هذه حالة إنسانية راقية تدل على علو الهمة وهي نوع فضيلة يمدح صاحبها عليها ، وهذا نظير أن يبرز للجهاد الذي هو ميدان فضيلة وكمال ، وهي نوعٌ من التسبيب ونمطٌ من الموت في سبيل الله،  وهذا تقريب آخر لمفاد الرواية والخطبة ، وهو أن المدّعى في هذه المسألة هو أنّ الموت في الجوانب الفضيليّة هو نوع من الموت في سبيل الله ممدوح عقلا وشرعاً . . إذا كان الفرض أنّ الموت في طريق فضيلة من الفضائل الشرعيّة الراجحة . .
 (الشاهد الثامن) : الاستشهاد بفعل سيّدة نساء العالمين الزهراء البتول عليها السلام  وشدّة بكائها على أبيها رسول الله محمد صلى الله عليه وآله ، فقد ماتت روحي فداها كمداً وحزناً ـــ كما كشفت عن ذلك النصوص المستفيضة بأنها كانت من البكائين الخمسة ـــ  وإن كان السبب الرئيسي  لشهادتها هو كسر الضلع واسقاط الجنين كما تشير إلى ذلك النصوص الكثيرة لكن  كان بكاؤها عليها السلام الشديد في معرضيّة التلف أيضاً . .فبكاؤها كان بسبب حزنها كما أن وقوفها بوجه الطواغيت سبب آخر للتعرض إلى إلحاق الضرر بنفسها الشريفة صلوات الله عليها... وكلا السببين كانا في مقام معرضية نفسها للتلف... يرجى التأمل.
 (الشاهد التاسع) : فِعْلُ الرَّباب – زوجة الإمام الحسين عليه السلام - في عدم استظلالها بسقف بعد شهادة الإمام الحسين عليه السلام في القرّ والحرّ . . وعدم الإستظلال بهذا الوصف مع الاستمرار بالبكاء هو في معرضيّة الهلاك والتلف . . إلى أن توفيت كَمَداً ، ومع ذلك لم يردعها السجاد صلى الله عليه وآله وسلم وأقرّها على فعلها ، فيعتبر ذلك إمضاءً من المعصوم عليه السلام على جواز ذلك الفعل . .
  ويؤيّد المقام ما ذُكر في كتب السير والتواريخ والمقاتل من ترك الإمام الحسين عليه السلام لشرب الماء . . كمؤيّد ، حينما خاطبه أحد الأعداء : قد هُتك حرمك . . فترك الماء لكي يُظهر أنّ غيرته عليه السلام وحميته على حرمه وعياله يضحّى من أجلها بأغلى الأثمان ، حتّى ولو بترك شرب الماء الذي كان فيه حياته آنذاك . .
وكذلك موقف المولى المعظم أبي الفضل العبّاس بن أمير المؤمنين عليه السلام يوم عاشوراء وعدم شربه للماء . .
(الشاهد التاسع): كثرة بكاء إمامنا المعظم الحجة القائم سلام الله عليه على جده الإمام الأعظم سيد الشهداء سلام الله عليه مثل قوله الشريف : « ولأبكينّك بَدل الدموع دماً » الواردة في زيارة الناحية ; ومفادها ظاهر ودالّ على المطلوب في المقام . .
(الشاهد العاشر): ما ورد عن إمامنا المعظم السجاد عليه السلام في خطبته عند دخولهم المدينة : « أيّ قلب لا يتصدّع لقتلهِ - يا لها مِن مصيبة ما أعظمها وأوجعها وأفجعها وأقضّها وأمّرها ». والاستشهاد به لما يعمّ الشعائر الحسينيّة وغيرها . . فيستشهد به في مطلق الإقدام على فعل في معرضيّة التلف إذا كان الفعل لفضيلة دينيّة . . كي يكون راجحاً . .
على كلّ حال: فإنّ المتصفّح لفروع عديدة في الفقه ، أو أبواب الأخلاق الممدوحة ، يرى أنّ جامع هذه الموارد هو أنّ الفعل الفضيليّ والسلوك الكماليّ إذا أقدم عليه الإنسان وكان فيه معرضيّة للخطر ، فلا مَلامة عقليّة في البين ; بل على العكس يكون محلاّ للمديح العقليّ والمديح الشرعيّ ، كما ظهر من هذه الشواهد أو المؤيّدات المُستخلَصة . .
وهذا البحث أعمّ من بحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . . لأنّ مَنْ يموت في سبيل فضيلة ، إنّما يحاول في الواقع إظهار وتثبيت تلك الفضيلة في المجتمع ، على غِرار مفاد الحديث النبويّ المستفيض بين الفريقَين : « مَن سنّ سُنّةً حسنةً فله أجرُها وأجرُ مَن عمل بها إلى يوم القيامة مِن غير أن ينقص مِن أُجورِهم شيء » ، فتكون نوعاً من السنّة وإجراءً لتلك الفضيلة التي مات هو دونها . . أي أنّ نفس الفضيلة سوف تُسنّ في المجتمع . .
تفصيل الوجه الثاني:
عدم إزالة الضرر الشخصيّ لحكم الشعائر بناءً على التمسّك بحرمة الضرر كرافع للأحكام الأوّليّة .
وقد تقدم سابقاً أن طروّ قاعدة « لا ضرر » على الشعائر الدينيّة - ومنها الشعائر الحسينية - ليس بأيّ درجة كان ، لأنّ المفروض أنّ الضرر إنّما يرفع الحكم أو يرفع تنجيزه على الاختلاف بين المشهور و غيره عندما يكون ملاك الحكم بدرجة مناسبة له . . لا أيّ ضرر يسير يسبب رفع عموم الاحكام . . ومن ثمّ جاءت الآية الكريمة بقوله تعالى : ( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلاَ عَاد فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) لتؤكد أنّ درجة الضرر والاضطرار هي الإشراف على الموت،  بخلاف الضرر والحرج في الوضوء فإنه ليس بتلك الدرجة المؤدية إلى الموت . .
  والحاصل: سواء رفع الضرر الحاكم على العناوين الأولية على مسلك المحقق النائيني في رفع الاضطرار من باب التخصيص وهو الأقوى عندنا ، أو على مسلك المشهور وهو من باب التزاحم وهو صحيح في نفسه أيضاً إلا أنه قد يدخل فيه بعض اللوازم المحذورة كما في مباني ولاية الفقيه العامة بمقتضى حاكمية الحاكم المزعومة. . ولو فرضنا البناء على التزاحم فإنه يتطلّب مِلاكَين متقاربَين . . والملاك اليسير لا يُدافع الملاك المهمّ . . والمصلحة اليسيرة لا تُدافع المصلحة الجليلة . . إذا اتّضح ذلك ، فتقرّر أنّ الملاك والمصلحة في نظر الشارع في الشعائر الحسينيّة أهمّ بكثير من تلف عضو أو معرضيته لذلك. . وهو ما ذهب إليه العلامة المحقق خضر بن شلال رضوان الله تعالى عليه ـــ وهو خيرتنا ـــ لأن أهمية الشعائر الحسينية بالنظر الشرعي أهم بكثير من ضرر النفس المؤدي إلى التهلكة من باب الإشتراك في العلَّة المنصوصة وهو باب الجهاد.
وبعبارة أُخرى: إن أهمية الشعائر الحسينية شرعاً تفوق حتى ضرر النفس أو معرضيتها للتلف وهو ما ذهب إليه ثلة من محققي الإمامية كالميرزا القمي في كتابه جامع الشتات حيث أدرج إقامة الشعائر الحسينية في باب الجهاد وهذا الإدراج يستلزم كون باب الشعائر متحداً ملاكاً مع باب الجهاد، ويستظهر منه أنه يدرج الشعائر مقدمة على قاعدة نفي ضرر وخارجة عنها بالتخصيص كالجهاد... وهو ما ذهب إليه المحقق النائيني أيضاً في فتواه المشهورة حول الشعائر الحسينية.
فالمصلحة والأهمية في الشعائر الحسينيّة تفوق قاعدة « لا ضرر » في الضرر الشخصيّ أو ضرر تلف العضو . . والوجه في ذلك إجمالا أنّ بقاءها إبقاء للدين الحنيف كما هو مقتضى الحديث النبويّ « حُسينٌ مِنّي وأنا مِن حُسين » .
الشعائر الحسينية أهم ملاكاً من الضرر الشخصي والنوعي بل هي حاكمة على كلا الضررين:
 وبناءً على قاعدة التزاحم التي أخذ بها المشهور تكون الشعائر الحسينيّة أهمّ ملاكاً من الضرر الشخصيّ، لذا فإن هذه القاعدة تكون حاكمة على قاعدة نفي الضرر الشخصي والنوعي معاً لأن ملاكها هو إحياء الدين وملاكه أهم من ملاك الضرر اللاحق بالفرد والنوع .
ولا بدّ من تفصيل الأدلّة في تفوّق أهميّة المصلحة في الشعائر الحسينيّة على الضرر في تلف العضو أو النفس ...لذا تكون الشعائر الحسينية أهمَّ ملاكاً من الضرر الشخصي والنوعي معاً بخلاف ما ذهب إليه غيرنا من بعض الأعلام إلى أن الشعائر الحسينية حاكمة على الضرر الشخصي لا النوعي وهو خلاف العمومات والإطلاقات الدالة على أهمية ملاك الشعائر من كلا الضررين الشخصي والنوعي وليس ثمة أدلة أخرى حاكمة عليهما على الإطلاق...وهنا شواهد قطعية تدل على المطلوب هي التالي: 
   (الشاهد الأول): ما ثبت وقوعه في تاريخ التشيع مما له علاقة بالمقام ، وهو أنّ من الثابت تاريخيّاً أنّ قبر سيّدنا الإمام المعظم الحسين بن أمير المؤمنين عليّ عليهما السلام قد تعرّض للهدم عدّة مرات حسبما أكده العلامة المجلسي في بحار الأنوار ج45 390 باب 50، حيث سرد لنا محاولات الظالمين المتعددة لهدم قبر مولانا سيد الشهداء عليه السلام،  هدمه أبو جعفر المنصور الدوانيقيّ ، ثمّ هدمه هارون العبّاسيّ ، وقطع السدرة التي كانت علامةً على القبر . . ثمّ هدمه مرة أخرى بعد تجديد بنائه . .ثم بُني بعد هارون في عهد المأمون ، ثمّ هدمه المتوكّل عدّة مرات وأجرى الماء عليه ،وبقي المتوكل عليه اللعنة الأبدية يأمر بحرث قبر الإمام الحسين عليه السلام مدة عشرين سنة والقبر على حاله لم يتغير ولا يعلوه قطرة من الماء هذا هو المذكور تاريخيّاً من مصادر العامّة والخاصّة ، وقد بلغت محاولات هدم القبر الشريف للإمام الحسين عليه السلام حدود أربعٍ وعشرين مرة وهي القدر المتيقن مما أحصيناه من عمليات الهدم وكلها باءت بالفشل بمقتضى قوله تعالى(يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ )فضلاً عن المحاولات الأموية لهدم القبر الشريف ونلخصها بالتالي:
1 ـــ محاولة العباسي أبي جعفر المنصور الدوانيقي لعنه الله وهو من المعاصرين لإمامنا المعظم جعفر الصادق سلام الله عليه. 
2ــ محاولة متعددة لهارون العباسي لعنه الله، والقدر المتيقن منها هو مرتان، وهو من المعاصرين للإمام المعظم موسى الكاظم سلام الله عليه.
3ـــ عشرون محاولة لهدم القبر الشريف للمتوكل العباسي لعنه الله وهو من المعاصرين للإمام المعظم علي الهادي سلام الله عليه.
4ـــ محاولة الموفق ابن المتوكل العباسي عليه اللعنة.
   هذه شواهد تاريخية على أنّ زيارة قبره الشريف عليه السلام كانت أمراً تحرص سلطات بني أمية وبني العباس على منعه ووضع العُيون لمعرفة زائرية ، والتصدي لهم بشكل شديد وخطير، بل جاء في البحار ج45ص 403 أن المتوكل لعنه الله توعَّد الشيعة بالقتل لمن زار قبر سيّد الشهداء عليه السلام بل أمعن العباسيّون في ملاحقة زوار القبر الشريف بالتنكيل والقتل فكانت زيارته عليه السلام تعتبر تعريضاً للنفس للهلكة ، أو تعريضاً لتلف عضو . . وقد قُطعت الأيدي كما هوالمأثور في سبيل زيارته عليه السلام . .وما أشبه الأمس باليوم حيث تقوم الجهات الحزبية في الحاضرة الشيعية بمنع إقامة الشعائر الحسينية تحت عناوين براقة هي الحفاظ على الوحدة الإسلامية، فيلبسونها ثوب الهتك والبدعة، فيمنعون من التطبير واللطم بالسلاسل وما شابه ذلك...فأي فرق بينها وبين بني أمية وبني العباس، والتاريخ يعيد نفسه...!؟.
 ومن جهةٍ أُخرى؛ توجد العديد من الروايات في كتاب المزار التي تشير إلى نفس هذه الحقيقة الموضوعيّة التاريخيّة ، وهي الخوف والرُعب الذي أوجدته السلطة الأمويّة والعباسيّة حول زيارة الإمام الحسين عليه السلام ...!. 
 (الشاهد الثاني): كاشفية بعض الروايات الشريفة الدالّة على أهمية زيارة سيّد الشهداء سلام الله عليه حتى لو أدت إلى القتل، مما يدل على تفوّق أهميّة مصلحة الشعائر الحسينيّة على الضرر في تلف العضو أو النفس، وهنا قرائن مهمة في الأخبار هي التالي :
 (القرينة الأولى) ــ حسنة الحسين بن بشّار الواسطيّ ، قال : سألتُ أبا الحسن الرضا عليه السلام : ما لمن زار قبر أبيك ؟ قال : زُره . قلت : فأيّ شي فيه من الفضل ؟ قال : فيه من الفضل كفضل مَن زار قبر والده - يعنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - فقلت : فإنّي خفتُ فلم يمكنّي أن أدخل داخلا . قال : سلّم من وراء الحائر [ الجسر].
 (القرينة الثانية) ــ  ما رواه ابن قولويه في كامل الزيارات وقد روى أربع روايات صحيحة في الحثّ على زيارة قبره عليه السلام في حال الخوف ; ومضاعفة الأجر في ذلك ، اخترنا منها ثلاث روايات:
1 - حدثني محمد بن عبد الله بن جعفر ، عن أبيه ، عن علي بن محمد بن سالم ، عن محمد بن خالد ، عن عبد الله بن حماد البصري ، عن عبد الله بن عبد الرحمان الأصم ، عن حماد ذي الناب ، عن رومي ، عن زرارة ، قال : قلت لأبي جعفر ( عليه السلام ) : ما تقول فيمن زار أباك على خوف ، قال : يؤمنه الله يوم الفزع الأكبر وتلقاه الملائكة بالبشارة ، ويقال له : لا تخف ولا تحزن هذا يومك الذي فيه فوزك.
2 -  بإسناده أيضاً عن الأصم ، عن ابن بكير ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، قال : قلت له : إني أنزل الارجان وقلبي ينازعني إلى قبر أبيك ، فإذا خرجت فقلبي وجل مشفق حتى أرجع خوفاً من السلطان والسعاة وأصحاب المسالح ، فقال : يا بن بكير أما تحب ان يراك الله فينا خائفاً ، أما تعلم أنه من خاف لخوفنا أظله الله في ظل عرشه ، وكان محدثه الحسين ( عليه السلام ) تحت العرش ، وآمنه الله من افزاع يوم القيامة ، يفزع الناس ولا يفزع ، فان فزع وقرته الملائكة وسكنت قلبه بالبشارة.
3- حدثني محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري ، عن أبيه ، عن علي بن محمد بن سالم ، عن محمد بن خالد ، عن عبد الله بن حماد البصري ، عن عبد الله بن عبد الرحمان الأصم ، قال : حدثنا مدلج ، عن محمد بن مسلم في حديث طويل ، قال : قال لي أبو جعفر محمد بن علي ( عليهما السلام ) : هل تأتي قبر الحسين ( عليه السلام ) ؟ قلت : نعم على خوف ووجل ، فقال : ما كان من هذا أشد، فالثواب فيه على قدر الخوف ، ومن خاف في إتيانه أمن الله روعته يوم القيامة ، يوم يقوم الناس لرب العالمين ، وانصرف بالمغفرة ، وسلَّمت عليه الملائكة وزاره النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ودعا له ، وانقلب بنعمة من الله وفضل لم يمسسه سوء واتبع رضوان الله - ثم ذكر الحديث.
 الأخبار المتقدمة واضحة الدلالة في حاكمية الشعيرة الحسينية على قاعدة نفي الضرر الشخصي، وذلك لأن الخوف في زيارته مطلق سواء كان محتملاً أو مظنوناً أو متيقناً بلا فرق في درجات الخوف المستلزم لحدوث الضرر على الزيارة حتى لو أدى إلى القتل في سبيل زيارته عليه السلام... 
 (القرينة الثالثة) ـــ ما جاء في موثّق حنان بن سدير عن أبي عبد الله عليه السلام - في حديث – " ولكن زوروه ولا تجفوه ، فإنّه سيّد شباب أهل الجنة وشبيه يَحيى بن زكريّا ، وعليهما بكت السماوات والأرض". فقوله "زوروه ولا تجفوه" مطلق وليس ثمة ما يقيّده أو يخصصه بحالة عدم ظن الضرر أو متيقنه..ما يعني حاكمية الشعيرة على قاعدة نفي الضرر وأن ملاكها أهم من ملاك الضرر الشخصي.
 (القرينة الرابعة) ــ في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام قال لي : كم بينك وبين الحسين عليه السلام ؟ قلت: يوم للراكب و يوم و بعضُ يوم للماشي ، قال : أفتأتيه كلّ جُمعة ؟ قال : قلتُ : ما آتيه إلاّ في الحين . قال : ما أجفاكَ، أما لو كان قريباً منّا لاتّخذناه هِجرةً ، أي تهاجرنا إليه.
 (القرينة الخامسة) ــــ في صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : كم بينكم وبين قبر الحسين عليه السلام ؟ قال : قلت : ستّة عشر فرسخاً . قال : ما تأتونه ؟ قلت : لا . قال : ما أجفاكم ؟ .
 (القرينة السادسة) ــ في صحيح الفُضيل ، قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : « ما أجفاكم - يا فُضَيل - لا تزورون الحسين ! أما علِمتَ أنّ أربعةُ آلافِ ملَك شُعثاً غبراً يبكونه إلى يوم القيامة ».
 (القرينة السابعة) ــ رواية حنان بن سدير ، قال : كنت عند أبي جعفر عليه السلام ، فقال لرجل من أهل الكوفة : تزور الحسين كلّ جُمعة ؟ قال : لا . قال : ففي كلّ شهر ؟ قال : لا . قال : ففي كلّ سنة ؟ قال : لا . فقال أبو جعفر عليه السلام : إنّك لَمحرومٌ من الخير. 
 (القرينة الثامنة ) ــ وفي رواية عليّ بن ميمون الصائغ ، قال : قال لي أبو عبد الله عليه السلام : يا عليّ بلغني أنّ أُناساً من شيعتنا تمرّ بهم السنة والسنتان وأكثر من ذلك لا يزورون الحسين بن عليّ عليهما السلام . قلت : إنّي لأعرف أُناساً كثيراً بهذه الصفة فقال : اما والله لحظهم أخطأوا ، وعن ثواب الله زاغوا ، وعن جوار ( محمد صلى الله عليه وآله ) في الجنة تباعدوا ، قلت : فإن أَخرج عنه رجلا أيجزي عنه ذلك ؟ قال : نعم وخروجه بنفسه أعظم أجراً وخيراً له عند ربه .  فقال : أما والله لِحظِّهم أخطأوا ، وعن ثواب الله زاغوا ، و عن جوار محمّد صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة تباعدوا.
 (القرينة التاسعة) ــ وروى ابن قولويه بإسناد متصل عن صفوان الجمال عن أبي عبد الله عليه السلام - في حديث طويل - قال : قلت : و مَن يأتيه زائراً ثمّ ينصرف عنه متى يعود إليه ؟ وفي كم يُؤتى ؟ وكم يوماً ؟ وكم يسع الناس تركه ؟ قال : « لا يسع أكثر من شهر ، و أمّا بعيد الدار ففي كلّ ثلاث سنين ، فما جاز الثلاث سنين فلم يأته فقد عقّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقطع حرمته إلاّ عن علّة ».
 (القرينة العاشرة) ــ ما رواه ابن قولويه بإسناده عن حكيم بن داود بن حكيم السراج ، عن سلمة بن الخطاب ، عن موسى بن عمر ، عن حسان البصري ، عن معاوية بن وهب ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، قال : يا معاوية لا تدع زيارة قبر الحسين ( عليه السلام ) لخوف ، فان من تركه رأى من الحسرة ما يتمنى ان قبره كان عنده ، أما تحب ان يرى الله شخصك وسوادك فيمن يدعو له رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعلي وفاطمة والأئمة ( عليهم السلام ) ، أما تحب أن تكون ممن ينقلب بالمغفرة لما مضى ، ويغفر له ذنوب سبعين سنة ، أما تحب أن تكون ممن يخرج من الدنيا وليس عليه ذنب يتبع به ، أما تحب أن تكون غدا ممن يصافحه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ).
 (القرينة الحادية عشر) ــ ما رواه ابن قولويه بإسناد متّصل عن محمّد بن مسلم في حديث طويل ، قال : قال لي أبو جعفر محمّد بن عليّ عليه السلام : هل تأتي قبر الحسين عليه السلام ؟ قلت : نعم على خوف ووَجَل . فقال : « ما كان من هذا أشدّ فالثواب فيه على قدر الخوف ، ومَن خاف في إيتانه آمَنَ اللهُ رَوْعَتَهُ يوم القيامة ، يوم يقوم الناس لرب العالمين ; وانصرف بالمغفرة ، وسلَّمَتْ عليه الملائكة ، وزاره النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودعا له ، وانقلب بنعمة الله وفضل لم يَمْسَسْهُ سوءٌ واتّبع رضوان الله » الحديث.
  والرواية كما ترون واضحة الدلالة في اشتداد الخوف على الزائر من قبل الظالمين المتربصين بالزوار شراً، وكلما اشتد الخوف كلما زاد الثواب والقرب وهو ما عبَّر عنه عليه السلام بقوله الشريف:« ما كان من هذا أشدّ فالثواب فيه على قدر الخوف » بلغ ما بلغ من الخطورة ، لا سيّما أنّ أصل الخوف في تلك الأزمنة هو على النفس ، كما أُشير إليه في العديد من الروايات .
 كما نلاحظ في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة مُسائلة الإمام الصادق عليه السلام عن زيارة سيِّد الشهداء سلام الله عليه لعدّة من الرواة والأصحاب الأجلاء ــ ومحمد بن مسلم واحد منهم ــ وحثّه إيّاهم على زيارة قبر الحسين عليه السلام مع أنّهم في ظرف التقية ، في زمن المنصور الدوانيقيّ وأمثاله من الطغاة...!
    الروايات المتقدمة لم تترك مجالاً للمشككين بقيمة الشعائر الحسينية وأهميتها على صعيد التولِّي والتبري وهما حاكمان على قاعدة حرمة إلقاء النفس في التهلكة ونفي الضرر المتوجه إلى النفس، وثمة روايات أُخرى بلغت حدَّ التواتر لم نستعرضها لضيق الوقت دالّة على شدّة حثّ الائمةِ الطاهرين عليهم السلام ــــ كالصادقيْن عليهما السلام والكاظم عليه السلام والرضا عليه السلام وبقية الأئمة عليهم السلام ـــ للشيعة ومواليهم على زيارة الإمام الحسين عليه السلام مع شدّة الظروف وصعوبة الأحوال ، فكانوا عليهم السلام يأمرون أفضل مواليهم وفقهائهم ، كزرارة والفضيل بن يسار ومحمد بن مسلم ، وسدير الصيرفيّ والحلبيّ وأترابهم بزيارته عليه السلام مع أنّه من الخطورة بمكان التفريط بمثل هذه النماذج العلمية العارفة بأهل البيت عليهم السلام ; إلاّ أن زيارة الإمام الحسين عليه السلام وشعيرة سيّد الشهداء عليه السلام أعظم ملاكاً وأخطر في التشريع ، وقد تصل صعوبة الظروف المحيطة بزيارته عليه السلام إلى حدّ يهدد الطائفة الشيعية بتمامها، فيعالج الأئمة الطاهرون عليهم السلام الظرف المزبور بتخفيف إقامة الشعيرة الحسينيّة لكن مِن دون قطع ولا انقطاع عنها، مع كلّ تلك الشدّة في الظروف ، وما هذا التخفيف منهم سوى رخصة لا عزيمة حتى لا يقع بعضهم في الحرج أو الكلفة بسبب ضعف النفوس والقابليات وإلا فإن زيارته مقدّمة على كلّ الأحوال والظروف مهما اشتدت وصعبت على الشيعة الأبرار رحم الله الماضين وحفظ الباقين ، وقد أشرنا إلى الأخبار الدالة على وجوب أو استحباب زيارته عليه السلام في الظروف الحالكة على الشيعة فلا نعيد... 
  والملاحظ في سيرة الأعلام المتقدمين والمتأخرين أنهم عملوا بظاهر مثل هذه الروايات الآمرة بالزيارة في ظرف الخوف مطلقاً من دون تفصيل ، وأدرجوا شعيرة الإمام الحسين عليه السلام في باب الجهاد وإقامة فريضة الولاية والتولّي لهم كما فعل المحقق الميرزا القمي وجماعة من الفقهاء .
دعوى لصاحب البحار ج98ص 10 والرد عليها:
 لقد ادّعى المحدِّث المجلسي معقباً على خبر معاوية بن وهب المتقدم ( القرينة العاشرة ) وأمثاله من الأخبار الآمرة بالزيارة: بأن الزيارة على خوف محمولة على الخوف الضعيف مع ظن السلامة لا تلف النفس والعرض والمال لعمومات التقية...فقال :" لعل هذا الخبر بتلك الأسانيد الجمة محمول على خوف ضعيف يكون مع ظن السلامة ، أو على خوف فوات العزة والجاه وذهاب المال لا تلف النفس والعرض ، لعمومات التقية ، والنهي عن إلقاء النفس إلى التهلكة والله يعلم". 
 وما ذهب إليه صاحب البحار مردود بما أشرنا إليه أعلاه من أن فقهاء الإمامية عملوا بتلك الأخبار الآمرة بزيارته عليه السلام في ظرف الخوف مطلقاً من دون تفصيل أو تقييد أو تخصيص وأدرجوا الشعيرة الحسينية في باب الجهاد وإقامة فريضة التولّي لهم عليهم السلام والتبري من أعدائهم، وهي فريضة حاكمة على ظرف التقية والسخاء بالنفس لرفع شعائر الولاية التي من أبرز مظاهرها الزيارة له سلام الله عليه...
  ويؤكد ما أشرنا إليه ما جاء في طريق الكليني حيث نقل الرواية بطولها ، أيضاً هذه الفقرة في شأن زوّار الحسين عليه السلام ، قوله عليه السلام : « واكْفِهِمْ شَرَّ كُلِّ جَبّار عَنيد ، وَكُلَّ ضعيف مِن خلقك أو شديد ، وشرّ شياطين الجن والإنس ...اللهم إنّ أعداءنا عابوا عليهم خروجَهم فلم يَنْهَهُمْ ذلك عن الشُّخوصِ إلينا وخِلافاً منهم على مَن خالفنا ، فارْحَم تلكَ الوجوهَ . . » الحديث.
ولا يخفى ما في الرواية من دلالة واضحة على عدم الاكتراث بالخوف في هذه الشعيرة فضلاً عن استهزاء وسخرية المخالفين وإلحاقهم الضرر بالزائرين والتشديد عليهم وتهديدهم بالقتل وقطع الأطراف، سواء كان المخالفون من الأمويين أو العباسيين، وسواء كان الضرر ضعيفاً أو قوياً فإن ملاك الشعيرة الحسينية أهمُّ بكثير من كلّ ذلك...
  وبالرغم من هذا التشدّد المعروف في زمن الأمويين والعباسيين ، نجد أن أئمتنا الطاهرين عليهم السلام حثّوا شيعتهم على هذه الشعيرة المهمّة ومارسوها : عملا ; فقد ورد أنّ الإمام الصادق عليه السلام والإمام الهادي عليه السلام مرِضا فندَبا مَن يدعو لهما تحت قبة الإمام الحسين عليه السلام، فقد روى ابن قولويه بطريقين صحيحين عن أبي هاشم الجعفريّ  وكذلك روى الكلينيّ في الكافي بطريق صحيح أيضاً بإسناده عن أبي هاشم الجعفري قال: بعث إليّ أبو الحسن عليه السلام في مرضه وإلى محمّد بن حمزة ، فسبقني إليه محمّد بن حمزة ، فأخبرني محمّد: ما زال يقول : ابعثوا إلى الحير [ الحائر ] ابعثوا إلى الحير [ الحائر ] .
  فقلت لمحمّد : ألا قلتَ له : أنا أذهب إلى الحير [ الحائر ] ؟ ثم دخلتُ عليه وقلت له : جُعِلت فِداك أنا أذهب إلى الحير . فقال : انظروا في ذاك - إلى أن قال - فذكرتُ لعليّ بن بلال فقال : ما كان يصنع بالحير ؟ هو الحير ، فقدمت العسكر فدخلتُ عليه فقال لي : اجلس ، حين أردت القيام ، فلمّا رأيتُه أنس بي ذكرتُ له قول علي بن بلال ، فقال لي : ألا قلتَ أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يطوف بالبيت ويُقبّل الحجر ، وحُرمة النبيّ والمؤمن أعظم من حرمة البيت ، وأَمَرَه الله عز وجل أن يقف بعرفة ، وإنّما هي مواطن يحبّ الله أن يُذكَر فيها ، فأنا أحبّ أن يُدعى لي حيث يُحبّ الله أن يُدعى فيها .
  وروي في عُدّة الداعي عن إمامنا الصادق عليه السلام أنه مرض فأمر من عنده أن يستأجروا له أجيراً يدعو له عند قبر الحسين عليه السلام ، فوجدوا رجلا فقالوا له ذلك . فقال : أنا أمضى ولكنّ الحسين إمام مفترض الطاعة ، وهو إمام مفترض الطاعة ! فرجعوا إلى الصادق عليه السلام وأخبروه فقال : هو كما قال ، ولكن أمَا عرف أنّ لله تعالى بِقاعاً يُستجاب فيها الدعاء ، فتلك البقعة من تلك البقاع.
 هذا الحثّ الشديد على الزيارة ـــ سواء كان تكليفاً منهم عليهم السلام للمؤمنين أو تفويضهم بعض الثقات المؤمنين لكي يزوروا نيابة عنهم مع ما في التفويض من تعريضهم ثقاتهم للخطر بشتى أنواعه ـــ يقتضي أهميّة ملاك الشعيرة الحسينيّة في نظر الشارع المقدَّس وهو يُعدّ سياسة تشريعيّة منهم لأجل دعم الشعائر الحسينيّة،  وكون الدعاء مستجاباً تحت قُبّته سلام الله عليه . . وثمة فلسفة من هذا الحثّ الشديد وله أبعادٌ عديدة تشريعية وعقائدية، منها : إحياء ذِكره وتخليده عليه السلام وربط الناس به عليه السلام عَبر الأجيال تِلو الأجيال مع أنّ الإمام الصادق عليه السلام عاش في زمن المنصور الدوانيقيّ الذي هَدم قبر الإمام الحسين عليه السلام . . وهَدْمُ القبر يعني التصميم والإرادة على منع هذا الرافد للحقّ ، وإطفاء هذا النور الذي يزيل ظلام الطاغوت العباسيّ على المؤمنين بقضايا الغيب الإلهي والنور الصمداني ... ومع ذلك كلّه نرى إمامنا المعظم الصادق عليه السلام ــ مع كونه إماماً مفترض الطاعة ــ ينتدب مَن يدعو له تحت قُبَّةِ الإمام الحسين عليه السلام مع ما في الانتداب من تعريض النفس للتلف أو تلف عضوٍ أو تلف مال أو عرض أو أو تعرضه للضرب والإهانة...وكذلك فعل الإمام الهادي عليه السلام حينما انتدب شخصاً يدعو له من سامراء إلى حائر الإمام الحسين عليه السلام، فذكر الرجل المنتدَب تساؤله بأنّ الإمام الهادي عليه السلام هو الحائر أيضاً . . كما أنّ الإمام الحسين عليه السلام حائر النور ودائرة النور... فأجابه عليه السلام: هذا صحيح ، إلاّ أنّ لله مواقع يُحبّ أن يُدعى فيها... وأنا أحببتُ ذلك، والإمام الهادي عليه السلام كان في زمن المتوكّل لعنه الله الذي هدم القبر عدّة مرات وأرسل الماء ليُخفي ويطمس أثر وجود القبر، والمعروف أنّ اسم الحائر كان لهذا السبب ، واللطيف في الرواية ورود لفظة الحير وفيه إشارة لهذه المعجزة الباهرة ...
 وما هذا الانتداب لزيارة سيِّد الشهداء سلام الله عليه نيابة عن المعصوم عليه السلام سوى تكريماً وتعظيماً لتلك الشعيرة المقدَّسة وليعطينا درساً عن عظمة هذه الشعيرة وغيرها من الشعائر الحسينية على صاحبها آلاف السلام والتحية... وإنها شعيرة تستحق أن تُبذل من أجلها النفوس والأرواح وتُرخص في سبيلها الأموال والدماء وكلّ غالٍ ونفيس...لأن النفيس يحتاج للوصول إليه نفيس مثله أو أدنى منه ليستمدَّ من عطائه ونوره الوقاد الذي لا ينقطع مدده ولا يطفأ وهجه ولا يموت ذكره....!
  زبدة المخض: الروايات متواترة في فضل زيارة سيِّد الشهداء عليه السلام والحثّ عليها والأمر بها في تلك الظروف الصعبة المحفوفة بالمخاطر والمليئة بالمصاعب والشدائد، دليلٌ ساطع على أهمية ملاكها على ملاك الضرر الشخصي والنوعي. 
  علاوةً على ما مضى من الروايات الآمرة بإحياء الشعيرة الحسينية بالرغم من ترتب الضرر على إقامتها، ثمة روايات أُخرى أكثر وضوحاً مما تقدم نستدل بها على عظمة الشعيرة الحسينية وأهمّيّتها منها :
صحيحة معاوية بن وهب المعروفة، وهي تتضمن دعاء الإمام الصادق عليه السلام للزائرين، وهي : سلّمت على أبي عبد الله عليه السلام فقيل لي : أُدخل، فدخلت فوجدته في مصلاّه ، فجلست حتّى قضى صلاته، فسمعته وهو يناجي ربّه وهو يقول : « يا مَن خصّنا بالكرامة وخصّنا بالوصيّة ، وواعدنا الشفاعة ، وأعطانا عِلمَ ما مضى وما بقي ، وجعل أفئدةً من الناس تهوي إلينا اغفر لي ولإخواني ، ولزوّار قبر أبي الحسين عليه السلام الذين أنفقوا أموالهم وأشخصوا أبدانهم رغبةً في بِرّنا ، ورجاءً لما عندك في صِلتنا ، وسروراً أدخلوه على نبيّك صلواتك عليه وعليهم وإجابةً منهم لأمرنا ، وغيظاً أدخلوه على عدوّنا، أرادوا بذلك رِضاك ، فَكافِهم عنّا بالرضوان ، واكلأهُم بالليل والنَهار ، واخْلُف على أهاليهم وأولادهم الذين خلّفوا بأحسن الخَلف ، واصحبهم . . واكفِهم شرّ كلّ جبار عنيد » .
   ويتابع الإمام عليه السلام قوله الشريف: « اللهمّ إنّ أعداءنا عابوا عليهم خروجهم ، فلم ينههم ذلك عن شخوصهم، وخلافاً منهم على من خالفونا . . فارحم تلك الوجوه التي غيّرتها الشمس . . وارحَم تلك الخدود التي تَقلّبت على حُفرة أبي عبد الله . . وارحَم تلك الأعين التي جَرت دموعها رحمةً لنا . . وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا وارحم الصرخة التي كانت لنا ، اللهمّ إنّي استودعك تلك الأنفس وتلك الأبدان حتّى توافيهم الحوض يوم العطش . . » فقال : ما زال وهو ساجد يدعو بهذا الدعاء، فلمّا انصرف ، قلت : جُعلت فداك ، لو أنّ هذا الذي سمعتُ منك كان لمن لا يعرف الله لظننتُ أنّ النار لا تطعم منه شيئاً . . واللهِ إنّي قد تمنّيت أنّي كنت زرتُه ولم أحجّ . . فقال لي : ما أقربك منه ، فما الذي يمنعك من زيارته ؟ ثمّ قال : يا معاوية ، لِمَ تدع ذلك ؟ قال : لَمْ أَدْرِ أنّ الأمر يبلغ هذا كلّه . . قال عليه السلام : يا معاوية ، إنّ مَن يدعو لزوّار الحسين عليه السلام في السماء أكثر ممّن يبلغ هذا كلّه . . قال عليه السلام : يا معاوية ، لا تدعه ، فمَن تركه رأى مِن الحسرة ما يتمنّى أنّ قبره كان عنده ، أما تحبّ أن يرى اللهُ شخصَك وسوادَك فيمن يدعو له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليٌّ وفاطمة والأئمّة عليهم السلام» .
 هذه الصحيحة دلالةٌ واضحةٌ على أنّ زيارة الإمام الحسين عليه السلام مشروعةٌ في ظروف الخوف وعدم الأمن وتعريض النفس والمال للتلف...فتکون معرضية النفس للتلف من مصاديق قوله تعالى: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب مما يعني أن الشعائر الحسينية أهمّ ملاكاً من بقية الفروع بسبب دخولها في ملاكات العقيدة بولاية آل الله تعالى المتفرعة عن ولايته عزَّ وجلَّ بمقتضى قوله تعالى هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً   إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ  .
 
وهناك روايات في هذا الباب ، تتضمّن تأنيب الإمام الصادق عليه السلام أصحابه لعدم الزيارة ، مع أنهم يتعذّرون بالخوف ، ومع ذلك يؤنّبهم على ترك الزيارة . .
فمقتضى هذه الروايات : أنّ ملاك الشعائر الحسينيّة أهمّ بكثير من الضرر الشخصيّ . . سواء تلف العضو أو تلف النفس ، لشدّة أهمية الملاك في حكم الشعائر الحسينيّة . . والوجه بيّن في ذلك ، حيث إنّ شعائره عليه السلام تُعتبر بقاءاً للدين الحنيف ، وفي جملة من الروايات دلالة واضحة على أنّ زيارة الإمام الحسين عليه السلام أعظم ثواباً من الحجّ، ويقول عليه السلام : « لولا أنّي أكره أن يَدع الناس الحجّ ، لحدّثْتُك بحديث لا تدع زيارة قبر الحسين عليه السلام أبداً ».
  وقد جمع صاحب الوسائل في أبواب المزار في باب استحباب اختيار زيارة الإمام الحسين عليه السلام على الحجّ والعُمرة المندوبَين وأبواب أخرى روايات كثيرة بلغت حدّ التواتر، ومن ثمّ ذهب جُملة من الأعلام في مسألة ما إذا نذر زيارة الإمام الحسين عليه السلام يوم عرفة ثمّ حدثت له الاستطاعة ، ودار الأمر بين الحجّ والوفاء بالنذر - أي بين بقاء استطاعة الحج ومشروعية النذر ورجحانه - ذهبوا إلى تقديم الزيارة المنذورة ; منهم صاحب الجواهر والسيّد اليزدي ، حيث قالوا بأن نذر زيارة الإمام الحسين عليه السلام يوم عَرَفة يُقدّم على الحجّ الواجب . . ووجوب النذر ههنا يقدّم على وجوب الحجّ . . والتقديم لخصوص هذا النذر ، وقد تمسّك السيّد في العروة بأنّ الروايات الواردة في فضل زيارة الإمام الحسين عليه السلام يظهر منها أهميّة المِلاك ; ومقتضاه : أنّ ملاك الشعائر الحسينيّة يفوق في الأهميّة ملاكات أحكام عديدة . .
ولعلّ الوجه في ذلك ــ كما أشرنا سابقاً ــ أنّ باب الشعائر الحسينيّة عليه السلام هو باب الولاية حسبما دلت عليه الأخبار الكثيرة ويجمعها قوله الشريف عليه السلام: « لم يُنادَ بشيء كما نودي بالولاية » لا سيما ما في بعض الروايات أن هذه الولاية هي ولاية الله تعالى وولاية رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام في قبال بقية أركان وفروع الدين . فعظمة شعائر الإمام الحسين عليه السلام هي من عظمة ولايته عليه السلام، والولاية أصلٌ من أهم الأصول الإعتقادية الحاكمة على كلّ فرع...فزيارته عليه السلام مع ما يترتب عليها من ترتب الضرر من جهة الظالمين وإن كانت فرعاً إلا أن متعلقها هو الإمام الحسين عليه السلام ووجوب الإنقياد إليه ووجوب الإعتقاد بولايته التي هي ولاية الله وولاية رسوله الكريم وولاية أهل بيته الطيبين الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين، وولايته في قبال بقية أركان وفروع الدين، فعظمة الشعائر الحسينية هي من عظمة ولايته المقدسة، وعظمته من عظمة الله تبارك شأنه...
  وبعبارةٍ أُخرى: إن إقامة الشعيرة مقدِّمة لذي المقدِّمة، ومقدمة الواجب واجبة عقلاً وشرعاً، وذو المقدمة هي الولاية للإمام الحسين عليه السلام والبيعة له والتسليم لأمره فتندرج في الواجب الشرعي والعقلي أداءً لحق ذاك العظيم الذي فنى في ذات الله تعالى فأفنى الله تبارك ذكره العبادَ تعبداً لله تعالى بمحبة حبيبه سيِّد الشهداء سلام الله عليه والإستغراق في الوغول بولايته وتعظيم شعائره المقدسة بكافة أشكالها ومضامينها...وليس ذلك مختصاً بالإمام الحسين عليه السلام فحسب بل تشمل جميع الأئمة الطاهرين سلام الله عليهم، وهو ما دلت عليه بعض الأخبار التي روى قسماً منها الشيخ الصدوق، وظاهرها وجوب زيارتهم وعرض النصرة عليهم، منها:
 ( 1) ـــ موثقة سدير الصيرفي عن الإمام أبي جعفر عليه السلام قال له:"  ابدأوا بمكة واختموا بنا " .
 (2) ــــ صحيحة زرارة عن الإمام أبي جعفر عليه السلام قال : " إنما أُمر الناس أن يأتوا هذه الأحجار فيطوفوا بها ثم يأتونا فيخبرونا بولايتهم ويعرضوا علينا نصرهم " .
 ( 3) ــــ وفي موثقة ذريح المحاربي عن أبي عبد الله عليه السلام " في قول الله عز وجل :" ثم ليقضوا تفثهم " قال : التفث لقاء الامام".
 (4) ـــ وفي صحيحة عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد الله عليه السلام ( في حديث ) قال قلت له إن ذريحاً حدثني عنك أنك قلت : (ليقضوا تفثهم) لقاء الامام ، وليوفوا نذورهم تلك المناسك ، قال : صدق ذريح وصدقت إن للقرآن ظاهراً وباطناً ، ومن يحتمل ما يحتمله ذريح ؟ !".
  وثمة قرائن وشواهد أُخرى واضحة الدلالة على أهميّة ملاك الشعائر الحسينية ، وهو:
 (القرينة الثانية عشر) ـــ : ظاهر جملة من الأدلة والروايات أنّ شعائر الإمام الحسين عليه السلام ممّا يجب إقامتها في الجملة كما هو حال جملة من شعائر أركان الدين ، كالتظاهر بفروع الدين كإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والخمس والصوم والحج وغيرهم، ويظهر ذلك في العديد من الروايات التي جمعها صاحب الوسائل في أبواب المزار . . نظير ما ورد في الحجّ ، أنّ الناس لو تركوا الحجّ لعُوجلوا بالنقمة الإلهيّة :
كما في صحيح جميل ، قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : « إنّ الله يدفع بمن يصلّي من شيعتنا عمّن لا يصلّي من شيعتنا ، ولو أجمعوا على ترك الصلاة لهلكوا ; وإنّ الله يَدفع بمَن يُزكّي من شيعتنا عمّن لا يزكّي من شيعيتنا ، ولو أجمعوا على ترك الزكاة لهلكوا ; وإنّ الله ليدفع بمَن يحجّ من شيعتنا عمّن لا يحجّ من شيعتنا ، ولو أجمعوا على ترك الحجّ لهلكوا ; وهو قوله ( وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْض لَفَسَدَتِ الأَرْضُ ) » .
وفي صحيح الحسين الأحمس ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : « لو ترك النّاسُ الحجَّ لما نوظروا العذاب» ، أو قال : « لنزل عليهم العذاب ».
وفي صحيح أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : « لا يزال الدين قائماً ما قامت الكعبة » وغيرهما من الأحاديث.
فهذه الشعيرة يجب أن تظلّ دائماً نابضة ومُستمرّة (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) . . فهناك روايات عديدة في أوائل أبواب وجوب الحجّ في الوسائل ، وكذلك من الروايات الأُخرى أيضاً . . « أما إنّ الناسَ لو تركوا حجَّ هذا البيت لنزل بهم العذاب وما نوظروا ».
 هذا النحو من الوعيد والإنذار ورد نظيره في أدلة زيارات الإمام الحسين عليه السلام ولا يكون الوعيد والإنذار إلا على ترك الواجب وهو ما دلت عليه الأخبار الناهية عن ترك زيارته، ففي بعضها:« مَن ترك الزيارة له عليه السلام من غير علّة فهو من أهل النار». و« أنّه يموت قبل أَجَله بثلاثين سنة »كما في صحيح منصور بن حازم . وفي خبر داوود الحمَّار:« نقص من عمره سنة ». ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي رواية عنبسة بن مصعب: « أنّ مَن ترك زيارة الحسين عليه السلام مُنتقَص الإيمانَ مُنتقَص الدين» .
 وفي بعضها : إنّ زيارته حقٌّ من حقوق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ; وإنّ حقّ الإمام الحسين عليه السلام فريضةٌ من الله تعالى واجبة على كلّ مسلم.
والتخصيص بالذكر المسلم لا يستلزم خروج المرأة من دائرة وجوب أو استحباب زيارته صلوات الله عليه بل التقييد بالمسلم مبنيٌّ على الأعم الأغلب في الزيارات، فالتعميم هو المطلوب وهو ما أكدته الأخبار الشريفة، ففي الصحيح إلى أمّ سعيد الأحمسيّة ، عنه عليه السلام : «إنّ زيارة الحسين عليه السلام واجبة على الرجال والنساء ». أو ( أَخَذَ على شيعتنا بالمواثيق زيارتنا كلّ عام ) أو بمثل هذه التعبيرات . . ولفظ الفريضة قد ورد في الروايات . . وكذلك أنّ زيارته فريضة على النساء ، وورد أيضاً : أنّ المرأة تزور الإمام الحسين عليه السلام من دون محرم . . كما هو حكم النساء في فريضة الحجّ إذ ليس من شرط الاستطاعة على المرأة ذهابها مع المحرم ، بل يجوز لها أن تذهب بدون محرم إذا أمنت الرفقة..ويشهد له خبر أُم سعيد الأحمسية التي جاءت لزيارة الشهداء من دون محرم فأمرها الإمام الصادق عليه السلام بزيارة الإمام الحسين عليه السلام فإن زيارته أفضل من زيارة الشهداء، وروى ابن قولويه القمي رحمه الله أربعة أحاديث عن أُم سعيد الأحمسية كلّها صحاح، ونحن ننتخب منها ثلاثة أحاديث هي التالي:
  الأول: حدثني أبو العباس الرزاز ، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب ، عن أبي داود المسترق ، عن أم سعيد الأحمسية قالت : كنت عند أبي عبد الله ( عليه السلام ) وقد بعثت من يكتري لي حمارا إلى قبور الشهداء ، فقال : ما يمنعك من زيارة سيد الشهداء ، قالت : قلت : ومن هو ، قال : الحسين ( عليه السلام ) ، قالت : قلت : وما لمن زاره، قال : حجة وعمرة مبرورة ومن الخير كذا وكذا ثلاث مرات بيده.
  الثاني: وعنه بإسناده عن محمد بن الحسين ، عن الحكم بن مسكين ، عن أُم سعيد الأحمسية ، قالت : جئت إلى أبي عبد الله ( عليه السلام ) فدخلت عليه ، فجاءت الجارية فقالت : قد جئت بالدابة ، فقال لي : يا أم سعيد اي شئ هذه الدابة أين تبغين تذهبين ، قالت : قلت : أزور قبور الشهداء ، قال : أخري ذلك اليوم ، ما أعجبكم يا أهل العراق ، تأتون الشهداء من سفر بعيد وتتركون سيد الشهداء لا تأتونه ، قالت : قلت له : من سيد الشهداء ، فقال : الحسين بن علي ( عليهما السلام ) ، قالت : قلت : اني امرأة ، فقال : لا بأس لمن كان مثلك أن يذهب إليه ويزوره، قالت : قلت : أي شئ لنا في زيارته ، قال : تعدل حجة وعمرة واعتكاف شهرين في المسجد الحرام وصيامها وخيرها كذا وكذا ، قالت : وبسط يده وضمها ضماً ثلاث مرات .
 الثالث: حدثني أبي ومحمد بن عبد الله بن جعفر الحميري جميعا ، عن عبد الله بن جعفر الحميري ، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي ، عن أبيه ، عن عبد الله بن القاسم الحارثي ، عن عبد الله بن سنان ، عن أم سعيد الأحمسية ، قالت : دخلت المدينة فاكتريت البغل أو البغلة لأدور عليه قبور الشهداء ، قالت : قلت : ما أحد أحق أن أبدأ به من جعفر بن محمد ( عليهما السلام ) ، قالت : فدخلت عليه فأبطأت ، فصاح بي المكاري : حبستينا عافاك الله ، فقال لي أبو عبد الله : كأن انسانا يستعجلك يا أم سعيد ، قلت : نعم جعلت فداك إني اكتريت بغلاً لأدور عليه قبور الشهداء فقلت : ما أتى أحدا أحق من جعفر بن محمد ( عليهما السلام ) ، قالت : فقال : يا أم سعيد فما يمنعك من أن تأتي قبر سيد الشهداء . قالت : فطمعت أن يدلني على قبر علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، فقلت : بأبي أنت وأمي ومن سيد الشهداء ، قال : الحسين بن فاطمة ( عليهما السلام ) يا أم سعيد ، من أتاه ببصيرة ورغبة فيه كان له حجة وعمرة مبرورة ، وكان له من الفضل هكذا وهكذا.
 دلالة هذه الأخبار واضحة في جواز سفر المرأة ــــ مع ما فيه من الخوف المحتمل أو المتيقن في بعض الأحيان على عرضها من الظالمين ـــ لزيارة سيّد الشهداء عليه السلام من دون محرم بقرينتين:
 الأولى: ما ورد فيها من أن أُمَّ سعيد كانت لوحدها من دون محرم لمّا أرادت زيارة الشهداء في المدينة مع أنها من أهل العراق وقطعت لوحدها ومن دون محرم مسافةً شاسعةً لزيارة شهداء أُحد أو البقيع.
الثانية: ما ورد فيها من أن أُمَّ سعيد كانت آتية من العراق مع المكاري ما يعني جواز سفر المرأة مع المكاري المأمون او من على شاكلته من رفاق السفر، وهو دليل على جواز سفر المرأة لوحدها من دون محرم.    
   ويظهر بوضوح أن المكاري الذي سافرت معه أُمُّ سعيد كان من المأمونين على الدنيا والدين وإلا لما كان الإمام الصادق عليه السلام قد أجاز لها الزيارة مع المكاري غير المأمون ولكان نهاها عن ذلك أو استنكر عليها، وعدم الإستنكار يستلزم تقريره لصحة سفرها مع المأمون...وبناءً عليه يجوز للمرأة أمثال أُم سعيد ـــ التي يظهر أنها كانت متزوجة وله ولد ـــ أن تشد الرحال للزيارة من دون محرم بشرطين:
  الأول: أن تكون المرأة متزوجة أو أرملة أو كبيرة السن، ويشهد لهذا ما ورد في الحديث الثاني(خبر الحكم بن مسكين) كما في قوله الشريف:" لا بأس لمن كان مثلك أن يذهب إليه ويزوره ". ويظهر أن معنى قوله" من كان مثلك " أي متزوجة ولها ولد...أو لا بأس لمن كان مثلك في العفة والتقوى.
  الثاني:  أن تذهب المرأة للزيارة أو الحج مع من يؤمن عليه في العرض والشرف والحفاظ على الأمانة كما كان الحال مع المكاري الذي سافرت أُم سعيد برفقته، حيث يظهر أنه كان مأموناً على الدين والدنيا أو كان معها رفقة مأمونون وإلا فلا يجوز... والأقوى للأُنثى العزباء أن لا تسافر للزيارة لوحدها إلا برفقة نسوة مأمونات على العرض والشرف يرعين شؤونها في السفر..والله العالم.
 (الشاهد الثالث) ـــ ذهب أحد العلماء إلى وجود تشابه كبير بين لسان أدلّة شعيرة الحجّ وبين لسان أدلّة شعيرة زيارة الإمام الحسين عليه السلام ما يعني ركنية الشعيرة كركنية الحج، وهو جيد إلا أن الصحيح هو كون الشعيرة ركنية عقائدية من جهة وركنية فرعية من جهة أُخرى...وبعض ما استدل به على الركنية الفرعية هي في الواقع أدلة على الركنية العقائدية.
ركنية الشعائر الحسينية كغيرها من الأركان الأُصولية:
   إن ما نفهمه من ركنية الشعائر الحسينية ليس بمعنى الركنية الفرعية في بعض حيثياتها فحسب بل هي ركنية أُصولية باعتبارها من لوازم الولاية لأهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام وهم قرين الكتاب الكريم ولا شك أنه أصل أصيل وركن عظيم من أهم الأركان الإسلامية مع العترة الطاهرة سلام الله عليها، وذهب جملة من أساطين المذهب وعلمائه من الفقهاء أو المحدّثين أو المتكلّمين الإماميّة إلى أنّ في الشريعة الإسلاميّة ثلاثة معالم رُكنيّة عماديّة ، كَتب الله المحافظة عليها وعدم انطماسها . . وأنّ فيها بقاء الدين وهي :
الأوّل : القرآن الكريم قال تعالى : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) .
الثاني : الحجّ والمسجد الحرام قال تعالى:( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً ) .
الثالث : الشعائر الحسينيّة ، كما هو لسان الروايات وقال تعالى : ( اللهُ نُورُ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاة فِيهَا مِصْبَاحٌ . . . يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ . . . * فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ) وبيت علي وفاطمة وولداهما من أعظمها كما في روايات الفريقَين، وقال تعالى : ( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ). . وكالنبويّ « إنّ الحسين مِصباحُ الهُدى وسفينةُ النجاة » .والآخر : « حسينٌ مِنّي وأنا مِن حسين » .
وتوبيخ العقيلة الصدّيقة الصغرى عليها السلام في خطابها ليزيد لعنه الله في قصره بالشّام حيث قالت له : « فواللهِ لن تمحو ذكرنا ، ولا تُميت وَحْيَنا..".
وما قالته العقيلة عليها السلام لابن أخيها الإمام زين العابدين عليه السلام عند رؤية جثمان أبيه وجثث أهل بيته وأصحابه منبوذة بالعراء بلا دفن : « مالي أرك تجود بنفسك يا بقية جدّي وإخوتي ، فوالله إنّ هذا لَعهدٌ من الله إلى جدّك وأبيك ، ولقد أخذ الله ميثاق اُناس لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض ، وهم معروفون في أهل السماوات ، إنّهم يجمعون هذه الأعضاء المقطّعة والجسوم المضرّجة فيوارونها ، وينصبون بهذا الطفّ علماً لقبر أبيك سيّد الشّهداء ، لا يدرس أثره ، ولا يمحى رسمه على كرور اللّيالي والأيّام ، وليجهدنّ أئمة الكفر وأشياع الضلال في محوه وطمسه فلا يزداد أثره إلاّ علواً . . ».
  وهذه المعالم في الدين : القرآن ، وشعيرة الحجّ والمسجد الحرام ، والشعائر الحسينيّة عليه السلام، هذه المعالم الأركان  عبارة أُخرى عن الثَقلَين : القرآن والعترة . . ويمكن الإستدال على ركنيّة هذه الأمور في الدين الاسلامي بصحيحة عبد الله بن سنان ، عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : « إنّ لله عزّ وجلّ حرمات ثلاثاً ليس مثلهنّ شيء : كتابه وهو حكمته ونوره ; وبيته الذي جعله قبلة للناس لا يقبل من أحد توجهاً إلى غيره ، وعترة نبيّكم صلى الله عليه وآله وسلم».
فهذه هي أثافيّ الإسلام ، لا يفرّط الله سبحانه وتعالى بها قضاءً وقدراً في الإرادة التكوينيّة والإرادة التشريعيّة... ومن ثمّ ، بنى عدّة من فقهاء الاماميّة على أنّ شعائر الإمام الحسين عليه السلام هي في درجة الأهميّة والملاك بهذه المثابة كما أنّ قدسيّة وعظمة القرآن مستلزمة لبقاء القرآن ، حيث إنّ قدسيّته بمكان من الأهميّة والتقدير والتفوّق ، كذلك الحال في شعائر الإمام الحسين عليه السلام ، التي هي نبراس وسؤدد ، وهي العلامة الكبرى لولاية أهل البيت عليهم السلام . .
فهذه وجوه عديدة تُذكر ، والمتصفّح لبقية الروايات في هذا الباب ، يستطيع أن يستخلص شواهد أخرى بأسانيد لروايات أخرى دالّة على عِظم ملاك الشعائر الحسينيّة . .
   لذا يرى البعض بأن الشعائر الحسينيّة هي من سنخ الواجب الكفائي ، كفريضة الحج بحيث لو عُطّل الحج فينبغي تمويله من بيت المال ، وكزيارة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم فإذا عطّلت فينبغي على الفقيه العارف بأهل البيت عليهم السلام أن يتصدّى لإقامتها من باب الحسبة كما جاء في صحيحة معاوية بن عمار عن إمامنا الصادق عليه السلام قال:" لو أنّ النّاس تركوا الحجّ لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك وعلى المقام عنده و لو تركوا زيارة النّبيّ صلَّى الله عليه و آله لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك و على المقام عنده فإن لم يكن لهم مال أنفق عليهم من بيت مال المسلمين ".
 وكذلك كضرورة إعمار الحرمين بالسكان فإذا خلت مكة والمدينة من الساكنين ، يجب على الوالي أن يموّل ويبذل من بيت المال لأجل إعمارها بالسّكان ونستشعر ذلك من نفس الصحيحة المتقدمة كما في قوله عليه السلام:" على الوالي أن يجبرهم على ذلك و على المقام عنده . ."
ويأتي هذا الأمر بحذافيره في فريضة الشعائر الحسينيّة على نحو الواجب الكفائي ، بحيث لو عُطّلت في ظرف من الظروف، فعلى الحاكم بالشرع (أي الفقيه الجامع للشرائط ) أن يتحمّل مسؤوليّة إقامتها وتمويل إحيائها بالشكل المناسب من بيت المال .
تفصيل الوجه الثالث : تقدم سابقاً أنّ الهلكة أو التلف أو النقصان إنّما يصدق إذا ذهب التلف هدراً أو يضيع النقصان سدىً ومن دون أي نتيجة أو ثمرة ، أما إذا كان هناك ثمرة من ذلك التلف والضرر ، فليس من باب إلقاء النفس في التهلكة بل هو من باب خروج المقام حكماً لا موضوعاً (تخصصاً لا تخصيصاً) عن الضرر، فهي من الضرر إلا أنه ضرر سوغت الشريعة ارتكابه لملاك أهم من ملاك الضرر، وذلك بالإلتفات إلى ما حُرّر في قاعدة « لا ضرر » من عدم شمولها حكماً لجملة من الأبواب والأحكام الأوّليّة ، كالجهاد والخمس والزكاة ونحوها ممّا يتراءى في الوهلة الأولى أنها ضرريّة ; فإنّ آيات الجهاد ، لا يُقال أنّها مخصِّصة لعموم : ( وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) كما لا يُتوهّم شمول النهي لموارد الجهاد ، وأنّ أدلة الجهاد مخصِّصة لها، لأنّ المراد من الإلقاء في التهلكة هو الإلقاء سدىً وبدون نتيجة وبلا طائل . . بخلاف ما إذا كانت هناك غاية فضيليّة مترتّبة على إلقاء النفس في فعل يستوجب معرضية التلف . .
ويشير إلى ذلك مناظرة النبيّ يعقوب عليه السلام مع أبنائه كما في قوله تعالى( قَالُوا تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ ) فأجابهم : ( قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) أي أنّه ردّ على دعواهم في كَون شدّة الحزن وطول البكاء هلكة ، وأنّ تطبيقهم الهلكة عليهما هو بسبب جهلهم . . وفي الموضوع عنوان آخر وموقف آخر إلاّ أنهم يجهلون ذلك ، وهذا الجواب يقتضى أنّ الحزن الشديد والبكاء الطويل وإن أوجبا ابيضاض العينين . . قابلان لأن يتّصفا بالرجحان والغرض الكماليّ ، ويخرجان بذلك عن الهلكة المذمومة القبيحة...
   وعلى كلّ حال : الظاهر أنّ الهَلكة وما شابهها إنّما تكون في الموارد التي تذهب فيها النفس سدىً ...ولا يترتّب عليها نتيجة فضيليّة ولا أثر سامٍ . . ومن ثمّ يُتأمّل في التمسّك بالعموم في موارد الغرض الراجح الفضيليّ ، لا سيّما مع ما ذَكرنا من حكم العقل من نفي الذمّ عمّن يُلقي نفسه في معرضيّة التلف بداعي وبسبب الفعل الفضيليّ ، أو لفعل فضيلة ما ، إذ لا يذمّه العقل ، وتعبير الإمام عليه السلام : « لا يكون عندي ملوماً . . بل يكون به جديراً . . » أي يكون ممدوحاً .
فالهلكة المأخوذ فيها نحواً من القيود العقليّة في ماهيّتها ، يتأمّل ويمنع صدقها في مثل تلك الموارد فتكون تلك الموارد خارجة تخصّصاً وليس تخصيصاً . .أي خارجة موضوعاً عن موضوع التهلكة.
 هذا هو محصّل الوجه الثالث : فإنّ موضوع الضرر والإضرار - كما يشير إليه الشيخ النراقي في عوائد الأيام - ليس هو كلّ نقص يحدث في المال أو في البدن أو في العرض ، بل الذي لا يعوّض . . ففي المعاوضات المالية - مثلا - لا يُسمّى النقص مع العوض ضرراً ، ولا يُسمّى مطلق فوات النفع ضرراً . . وإذا أُطلق عليه فهو من باب المجاز والتوسّع ، لا من باب الحقيقة . . بخلاف صرف رأس المال الذاهب سُدى من دون أن يعود عليه بأيّ فائدة ، فيكون نقصاً مع عدم العوض . .
معنى الضرر الوارد في قاعدة نفي الضرر:
وعلى ضوء ذلك أُثير في قاعدة الضرر وحرمته ، أنّ الضرر هل هو النقص مع عدم العوض الدنيويّ أم عدم النفع الأخرويّ ؟ ويُصرّ الشيخ النراقيّ ; على أنّ الآيات العديدة دالّة على أنّ الخسران والربح ، أو الإنكسار والجبران ليس بلحاظ النشأة الدنيويّة فقط ، بل بلحاظ النشأة الأُخرويّة أيضاً ، وأنّه ينبغي لحاظ الجبران الأخرويّ ، أو الجبران العقليّ ، وأنّ النقص المتحمّل للغرض المحمود عقلا لا يُعدّ ضرراً . . ثمّ يبني على هذا القول في كثير من الفروع في كتابه « مستند الشيعة » .
وبناء على ذلك ، فالموارد التي بُحثت في المقام ليست نقصاً بلا عوض . . حيث إنّ الضرر هو النقص من دون جبر . . وسواء كان الجبر دنيويّاً أو أخرويّاً . .
 وبعبارة أخرى: إنّ وجه ما قالوا في عدم شمول قاعدة الضرر للضرر الأوليّ في الأحكام الأوّليّة وشمولها للضرر الطارئ ، هو أنّ الأحكام الأوّليّة المبنيّة على المشقّة والحرج والضرر هو عوضيّة الملاك والمصالح الموجودة في متعلّقات تلك الأحكام عن النقص والمشقّة الناجمة منها ، وكذا الحال في الشعائر الحسينيّة ، فإنّ ماهيّة الشعيرة الحسينيّة - كما هو مستفاد من الروايات المتواترة التي جمعت في أبواب عديدة ضمن مصادر معتبرة آنفة الذكر - متقوّمة بالحزن والتفجّع والحماس ، كما هي متقوّمة بالمعاني السامية التي نهض من أجلها سيّد الشهداء عليه السلام ، ومن الواضح أنّ الحزن والتفجّع بحماس فيه مكابدة وعناء وعبأ تحمّل روحيّ لا سيّما وأنّ هذا الصخب الروحيّ الممتزج بالحماس والمعاني الرافضة للظلم والمسار المنحرف للسلطة والحكم في المسلمين يوجب بطبيعته قلق وخوف الحكومات على طول خط الزمن قديماً وحديثاً ، فتقوم بممانعة إقامة الشعائر الحسينيّة ، وإنزال العقوبة بالشيعة في طقوسهم في عاشوراء وشهر محرم ، كما حفل التاريخ بذلك منذ شهادة الإمام الحسين عليه السلام إلى يومنا وعصرنا الحاضر ، بل لم تزل المنازعة بين الحكومات وبين الشيعة على الشعائر الحسينيّة قائمةً على قدم وساق حتى على المستوى الحكومات الشيعية في الآونة الأخيرة ، سواء في زيارته عليه السلام ، أو في المشي إلى زيارته ، أو في إقامة مراسم العزاء بأشكالها المختلفة أو في غير ذلك من مراسم وصور الشعائر الحسينيّة ، وهذا مما يؤكّد أنّ تشريع الشعائر الحسينيّة في الشريعة المقدسة مبني من أساسه على المخاطرة والمكابدة والمجاهدة ، ومن ثم يتضح وجه ما ذهب إليه المحقق الميرزا القميّ في جامع الشتات من إدراج الشعائر الحسينيّة في باب الجهاد ، وعلى ضوء ذلك يتبيّن عدم شمول قاعدة الضرر لأبواب الشعائر الحسينيّة التي شرعّت في أصلها كباب الجهاد ونحوه على تحمّل الضرر والمشقّة . .
ومن الواضح أن النقص الذي يُشاهَد في الشعائر الحسينيّة بهذا المقدار هو ليس من الضرر شرعاً ، بل ولا عند العقلاء ، نظير جرح الشخص نفسه لإخراج الدم لأجل تحليله طبيّاً ، أو مثل الحجامة ، التي ورد الحثّ عليها من طرق العامّة والخاصّة ورجحانها أمر ثابت وطبّيّاً أيضاً فالبشر والعقلاء يمارسون العديد من التصرّفات اليسيرة في البدن ، من دون أن يحرّموها أو يمنعوها .
فتحصّل مما ذُكر: أنّ هناك ثلاثة وجوه لدفع توهّم الضرر في الشعائر الحسينيّة بأقسامها وبالتالي لا يجوز التعاطي معها بعنوان الضرر المتوجب دفعه عن النفس والمال، وبالتالي تجب الزيارة بالتفصيل الذي أشرنا إليه كما تجب إقامة الشعائر ولو أدَّت إلى الضرر..والله الموفق للصواب. 
 
7.  ورد في بعض الروايات الّتي تحثّ المؤمنين على زيارة أبي عبد الله الحسين عليه السلام -كما مضى ذكره في السؤال الخامس- أنّه من زاره غفر الله له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر، فما معنى غفران ما تأخّر؟
 
بسمه تباركت أسماؤه
الجواب: المراد من غفران الذنوب المتأخرة عن الزائر للإمام سيّد الشهداء سلام الله عليه هو وجهان لا ثالث لهما:
 الأول: الذنوب الماضية السابقة على الزيارة، وهي الذنوب التي تأخرت في حياة الزائر التي ارتكبها قبل الزيارة بقليلٍ...فيصدق عرفاً وشرعاً ولغةً على من ارتكب ذنوباً طيلة حياته إلى قريب من زيارته للإمام الحسين عليه السلام أن لذنوبه تقدماً وتأخراً، فالذنوب المتقدمة هي التي ارتكبها طيلة حياته، والذنوب التي ارتكبها بوقت قليل قبل الزيارة أنها ذنوب متأخرة... وهو القدر المتيقن من لحن الحطاب في الروايات الشريفة، وما عداه يبقى مشكوكاً به، فننفيه بالأصل المحكم، ولكنه يبقى محتملاً كما في الوجه الثاني، ويشهد للوجه الأول المتيقن ما جاء في كامل الزيارات بإسناده عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن خالد البرقي ، عن القاسم بن يحيى بن الحسن بن راشد ، عن جده الحسن بن راشد ، عن أبي إبراهيم ( عليه السلام ) قال:" من خرج من بيته يريد زيارة قبر أبي عبد الله الحسين بن علي وكل الله به ملكا فوضع إصبعه في قفاه ، فلم يزل يكتب ما يخرج من فيه حتى يرد الحائر ، فإذا خرج من باب الحائر وضع كفه وسط ظهره ثم قال له : أما ما مضى فقد غفر لك فأستأنف العمل ".
قوله الشريف عليه السلام:" أما ما مضى..." يشمل غفران الذنوب الماضية: المتقدمة والمتأخرة قبل الزيارة لا الذنوب المستقبلية...وإلا لكان على الإمام عليه السلام أن ينصب لنا قرينة على وجوب غفران الذنوب المستقبلية كأن يقول:" قد غفر الله لك الذنوب السابقة واللاحقة.." وحيث إنه في مقام البيان ولم يبيِّن نعلم بأنه يريد الذنوب الماضية المتقدمة على الزيارة بكلا نحويها من الذنوب القديمة والحديثة الحاصلة قبل الزيارة بوقت قريب... يرجى التأمل.
  ويؤيده أيضاً ما رواه في نفس الباب بإسناده عن ابن قولويه ، عن ابن الوليد ، عن الصفار ، عن الحسن بن موسى الخشاب 
عن بعض رجاله ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : انّ زائر الحسين جعل ذنوبه جسراً على باب داره ثمّ عبَرها كما يخلف أحدكم الجسر ورائه إذا عبر.
 لا يخفى في أن تشبيهه غفران ذنوب الزائر بالجسر الذي يعبره على بابه إنما هو إشارة للذنوب التي مضت وليست التي سيرتكبها وإلا لكان كل ذنب مهما كان عظيماً مغفوراً بأول زيارة فلا يكون على الزائر ذنب إلى يوم مماته حتى لو قتل النفس البريئة ونكح الفرج الحرام وهو يستلزم الجرأة على الله تعالى وعلى الإمام عليه السلام بتعدي حدودهما...!. 
الثاني: الذنوب المستقبلية المتأخرة عن الزيارة التي يرتكبها المؤمن غفلةً وجهلاً ولعلَّه عمداً أيضاً اعتماداً على الزيارة لكي يغفر الله تعالى ما جناه المؤمن على نفسه تحت عنوان أنه زار سيّد الشهداء عليه السلام وزائره مغفور الذنوب..كلا ! فإن ذلك من باب الاستخفاف بزيارة الإمام الحسين سلام الله عليه والتجرؤ عليه بالمعاصي... بل لا بدَّ من حمل الذنوب المتأخرة على من ارتكبها غفلة وغروراً بزينة الحياة الدنيا... وليس من باب الإعتماد على زيارته للإمام الحسين عليه السلام فيعصي ثم يزور لكي يغفر الله تعالى له ببركة الزيارة له روحي فداه بل الغفران مشروط بارتكاب الذنوب عن جهالة وتقصير وغفلة ثم يتداركه بتوبة وشفاعة من الإمام الحسين عليه السلام لكي يغفرها له الله تعالى بسبب زيارته للإمام الحسين سلام الله عليه، على قاعدة قوله تعالى(إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً ) وعلى قاعدة قوله تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) وقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ).
 ولكنَّ هذا الوجه قريب من الوجه الأول فلا اعتداد به، فيبقى الاحتمال الأول هو الموافق للقواعد والأُصول، والله الموفق للصواب. 
 
8.  كيف يكون حال زائر الإمام الحسين عليه السلام يوم القيامة؟
 
بسمه تعالى
الجواب: إن الأخبار الشريفة قد كشفت عن المنازل العالية لزائر الإمام المعظم ابي عبد الله الحسين سلام الله عليه يوم القيامة منها: ما رواه ابن قولويه القمي رحمه الله بإسناده عن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ، عن محمد بن الحسن الصفار ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع ، عن إسماعيل بن زيد ، عن عبد الله الطحان ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سمعته وهو يقول : ما من أحد يوم القيامة الا وهو يتمنى انه من زوار الحسين ، لما يرى مما يصنع بزوار الحسين ( عليه السلام ) من كرامتهم على الله تعالى.
 الخبر واضح في دلالته على ما سيكون عليه الزائر في كرامة الله تعالى، وكرامته تعالى مطلقة لم يحددها لنا الخبر الشريف ما يعني أن الزائر له في حياته سيفوز بنعيمٍ روحيّ ومادي متميِّز عن غيره من أهل الجنة فهي كرامة لا يُدرك منتهاها كما ورد في صحيحة المفضل بن عمر عن إمامنا الصادق عليه السلام بقوله:" فهذه واللهِ الكرامة التي لا انقضاء لها ولا يدرك منتهاها".
ومنها: أن زائره سيكون على موائد من نور وهي خاصة بزواره ولا تشمل بقية المؤمنين في الجنة وإلا لما كان للتخصيص في الخبر أيّ معنى، وهو ما دلت عليه صحيحة صالح بن ميثم  عن الإمام أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، قال : من سره أن يكون على موائد النور يوم القيامة فليكن من زوار الحسين بن علي ( عليهما السلام ).
ومنها: أن زائره عليه السلام في الجنة مع النبي وأهل بيته من أهل الكساء عليهم السلام، وهو ما دلت عليه صحيحة محمد بن جعفر الرزاز ، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب ، عن بعض أصحابه ، عن جويرية بن العلاء ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، قال :إذا كان يوم القيامة نادى مناد : أين زوار الحسين بن علي ، فيقوم عنق من الناس لا يحصيهم الا الله تعالى ، فيقول لهم : ما أردتم بزيارة قبر الحسين ( عليه السلام ) ، فيقولون : يا رب أتيناه حبا لرسول الله وحبا لعلي وفاطمة ورحمة له مما ارتكب منه ، فيقال لهم : هذا محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين فالحقوا بهم ، فأنتم معهم في درجتهم الحقوا بلواء رسول الله فينطلقون إلى لواء رسول الله ، فيكونون في ظله واللواء في يد علي  عليه السلام حتى يدخلون الجنة جميعا ، فيكونون امام اللواء ، وعن يمينه وعن يساره ومن خلفه.
ومنها: أن الله تعالى يحدّث زائر الإمام الحسين عليه السلام في عرشه، وهو ما دلت عليه صحيحة  سعد بن عبد الله ،
قال : حدثني أحمد بن علي بن عبيد الجعفي ، قال : حدثني محمد بن أبي جرير القمي ، قال : سمعت أبا الحسن الرضا ( عليه السلام ) يقول لأبي :من زار الحسين بن علي ( عليهما السلام ) عارفا بحقه كان من محدثي الله فوق عرشه ، ثم قرأ: ( ان المتقين في جنات ونهر * في مقعد صدق عند مليك مقتدر ).
ملاحظة هامة: المراد من قوله سلام الله عليه" فوق عرشه " هو عرش القدرة الإلهية لا أنه تعالى يجلس على العرش فإن ذلك مستحيل بحقِّ المولى تعالى لاستلزامه التجسيم الباطل جملة وتفصيلاً. 
ومنها: أن الزائر يجلس في الجنة يأكل ويشرب والناس ينتظرون حسابهم، وهو ما دلت عليه صحيحة  أبي بصير ، قال : سمعت أبا عبد الله أو أبا جعفر ( عليهما السلام ) يقول : من أحب أن يكون مسكنه الجنة ومأواه الجنة فلا يدع زيارة المظلوم ، قلت : ومن هو ، قال : الحسين بن علي صاحب كربلاء من أتاه شوقا إليه وحبا لرسول الله وحبا لأمير المؤمنين وحبا لفاطمة ، أقعده الله على موائد الجنة ، يأكل معهم والناس في الحساب".
ومنها: أن الله تعالى يعطي زائره نوراً يضيء لأهل الجنة، وهو ما دلت عليه صحيحة عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر ( عليه السلام قال : لو يعلم الناس ما في زيارة الحسين ( عليه السلام ) من الفضل لماتوا شوقا وتقطعت أنفسهم عليه حسرات ، قلت : وما فيه ، قال : من أتاه تشوقا كتب الله له الف حجة متقبلة والف عمرة مبرورة واجر الف شهيد من شهداء بدر واجر الف صائم ، وثواب الف صدقة مقبولة وثواب الف نسمة أريد بها وجه الله ، ولم يزل محفوظا سنته من كل آفة أهونها الشيطان ، ووكل به ملك كريم يحفظه من بين يديه ومن خلفه ، وعن يمينه وعن شماله ، ومن فوق رأسه ومن تحت قدمه، فإن مات سنته حضرته ملائكة الرحمة يحضرون غسله وإكفانه والاستغفار له ، ويشيعونه إلى قبره بالاستغفار له ، ويفسح له في قبره مد بصره ، ويؤمنه الله من ضغطة القبر ومن منكر ونكير ان يروعانه ، ويفتح له باب إلى الجنة ، ويعطى كتابه بيمينه ، ويعطى له يوم القيامة نورا يضئ لنوره ما بين المشرق والمغرب ، وينادي مناد : هذا من زوار الحسين شوقا إليه ، فلا يبقى أحد يوم القيامة الا تمنى يومئذ انه كان من زوار الحسين ( عليه السلام ).
ومنها: أن زائره يكون يوم القيامة من أصحاب الإمام الحسين عليه السلام وهو ما دلت عليه الأخبار الصحيحة منها صحيحة  وعنه ، عن أبيه ، عن الحسن بن محبوب ، عن أبي أيوب إبراهيم بن عثمان الخزاز ، عن محمد بن مسلم ، قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام ما لمن أتى قبر الحسين ( عليه السلام ) ، قال : من أتاه شوقا إليه كان من عباد الله المكرمين ، وكان تحت لواء الحسين بن علي حتى يدخلهما الله الجنة.
ومنها: أن زائره يعطى سؤله يوم القيامة مهما كان عظيماً، وهو ما دلت عليه صحيحة حذيفة بن منصور ، قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : من زار قبر الحسين ( عليه السلام ) لله وفي الله أعتقه الله من النار وآمنه يوم الفزع الأكبر ، ولم يسأل الله تعالى حاجة من حوائج الدنيا والآخرة الا أعطاه.ِ
ومنها: أن زواره يشفعون لمن شاءوا وهو ما دلت عليه صحيحة الحسن بن محبوب ، عن عبد الله بن وضاح ، عن عبد الله بن شعيب التميمي ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال: ينادي مناد يوم القيامة : أين شيعة آل محمد فيقوم عنق من الناس لا يحصيهم الا الله تعالى ، فيقومون ناحية من الناس ، ثم ينادي مناد : أين زوار قبر الحسين ( عليه السلام ) ، فيقوم أناس كثير ، فيقال لهم : خذوا بيد من أحببتم انطلقوا بهم إلى الجنة فيأخذ الرجل من أحب ، حتى أن الرجل من الناس يقول لرجل : يا فلان أما تعرفني أنا الذي قمت لك يوم كذا وكذا ، فيدخله الجنة لا يدفع ولا يمنع  .
ومنها: إن لزائره خصوصيات في الشفاعة في القبر ويوم القيامة، وهو ما دلت عليه الأخبار الصحيحة منها صحيحة عن صفوان الجمال ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) في حديث له طويل ، قلت : فما لمن قتل عنده – يعني قبر الحسين - جار عليه السلطان فقتله ، قال : أول قطرة من دمه يغفر له بها كل خطيئة وتغسل طينته التي خلق منها الملائكة حتى تخلص كما خلصت الأنبياء المخلصين ، ويذهب عنها ما كان خالطها من أدناس طين أهل الكفر ، ويغسل قلبه ويشرح صدره ويملأ ايمانا ، فيلقي الله وهو مخلص من كل ما تخالطه الأبدان والقلوب ، ويكتب له شفاعة في أهل بيته والف من إخوانه ، وتولي الصلاة عليه الملائكة مع جبرئيل وملك الموت ، ويؤتي بكفنه وحنوطه من الجنة ، ويوسع قبره عليه ، ويوضع له مصابيح في قبره ، ويفتح له باب من الجنة ، وتأتيه الملائكة بالطرف من الجنة . ويرفع بعد ثمانية عشر يوما إلى حظيرة القدس ، فلا يزال فيها مع أولياء الله حتى تصيبه النفخة التي لا تبقي شيئا ، فإذا كانت النفخة الثانية وخرج من قبره كان أول من يصافحه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأمير المؤمنين عليه السلام ) والأوصياء ، ويبشرونه ويقولون له : ألزمنا ، ويقيمونه علي الحوض فيشرب منه ويسقي من أحب.
ومنها: أن الإمام الحسين عليه السلام ينقذ زائره من النار، فقد روى السيد علي بن طاووس في الدروع الواقية : عن محمد بن أحمد بن داود القمي في كتاب الزيارات ، بإسناده إلى محمد بن داود بن عقبة ، قال : كان جار لي يعرف بعلي بن محمد ، قال : كنت أزور الحسين ( عليه السلام ) في كل شهر ، ثم علت سني وضعف جسمي ، فانقطعت عن الحسين ( عليه السلام ) مدة ، ثم إني خرجت في زيارتي إياه ماشيا ، فوصلت في أيام ، فسلمت وصليت ركعتي الزيارة ، ونمت فرأيت الحسين ( عليه السلام ) قد خرج من القبر ، وقال لي : . يا علي لم جفوتني وكنت لي برا ؟ . فقلت : يا سيدي ضعف جسمي وقصرت خطاي ، ووقع لي أنها آخر سني فأتيتك في أيام ، وقد روي عنك شئ أحب أن أسمعه منك ، فقال ( عليه السلام:قل . فقلت : روي عنك : . من زارني في حياته زرته بعد وفاته، قال : . نعم قلت : ذلك ، وان وجدته في النار أخرجته .
 ما تقدم من الأخبار كافٍ ووافٍ في الدلالة على علو مقام زائر الإمام الحسين عليه السلام، وثمة مقامات أخرى يجدها من جاس خلال الديار في أخبار السادة الأبرار عليهم السلام. 
 
9. هل يمكن إعطاء فكرة و لو بسيطة عن منشأ زيارة الأربعين، وأوّل من ابتدأ بهذه الزيارة؟
 
بسمه تعالى
الجواب: المشهور شهرة عظيمة بل هو من المجمع عليه بين الامامية إن أول من زار سيِّد الشهداء الإمام الحسين سلام الله عليه هو جابر بن عبد الله الأنصاري،  وكان جابر هذا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين والحسن والحسين ، وأدرك الإمام محمد الباقر عليهم السلام ولم يشهد وقعة الطف لكونه إذ ذاك مكفوفاً ، لكنَّه أولُ من زار الإمام الحسين عليه السلام .
قال السيِّد ابن طاووس المتوفى عام 664ه : " ولما رجع نساء الحسين عليه السلام وعياله من الشام وبلغوا العراق قالوا للدليل : مرَّ بنا على طريق كربلاء ، فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري رحمه الله وجماعة من بني هاشم ورجالا من آل الرسول صلى الله عليه وآله ، فتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم ، وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد ، واجتمع إليهم نساء ذلك السواد وأقاموا على ذلك أياماً ". وقد اكدت الأخبار الشريفة على استحباب زيارة الأربعين منها خبر الإمام العسكري عليه السلام قال:" علامات المؤمن خمس : صلاة إحدى وخمسين ، وزيارة الأربعين ، والتختم باليمين ، وتعفير الجبين ، والجهر ببسم الله الرَّحمان الرَّحيم ".
  وروى المجلسي عن ابن طاووس قال: قال السيد : قال عطا: كنت مع جابر بن عبد الله يوم العشرين من صفر فلما وصلنا الغاضرية اغتسل في شريعتها ولبس قميصاً " كان معه طاهراً " ، ثم قال لي : أمعك شئٌ من الطيب يا عطا ؟ قلت : معي سعد ، فجعل منه على رأسه وساير جسده ، ثم مشى حافياً حتى وقف عند رأس الحسين عليه السلام وكبر ثلاثاً  ثم خرَّ مغشياً عليه فلمَّا أفاق سمعته يقول :
    السلام عليكم يا آل الله ، السلام عليكم يا صفوة الله ، السلام عليكم يا خيرة الله من خلقه ، السلام عليكم يا سادات السادات ، السلام عليكم يا ليوث الغابات ، السلام عليكم يا سفينة النجاة ، السلام عليك ورحمة الله وبركاته ، السلام عليك يا وارث علم الأنبياء ، السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله ، السلام عليك يا وارث نوح نبي الله ، السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله ، السلام عليك يا وارث إسماعيل ذبيح الله ، السلام عليك يا وارث موسى كليم الله ، السلام عليك يا وارث عيسى روح الله .
السلام عليك يا ابن محمد المصطفى ، السلام عليك يا ابن علي المرتضى ، السلام عليك يا ابن فاطمة الزهراء ، السلام عليك يا شهيد بن الشهيد ، السلام عليك يا قتيل بن القتيل ، السلام عليك يا ولي الله وابن وليه ، السلام عليك يا حجة الله وابن حجته على خلقه . أشهد أنك قد أقمت الصلاة ، وآتيت الزكاة ، وأمرت بالمعروف ، ونهيت عن المنكر ، وبررت والديك ، وجاهدت عدوك ، أشهد أنك تسمع الكلام وترد الجواب ، وأنك حبيب الله وخليله ونجيبه وصفيه وابن صفيه ، زرتك مشتاقا فكن لي شفيعا إلى الله ، يا سيدي أستشفع إلى الله بجدك سيد النبيين ، وبأبيك سيد الوصيين ، وبأمك سيدة نساء العالمين ، لعن الله قاتليك وظالميك وشانئيك ومبغضيك من الأولين والآخرين .
ثم انحني على القبر ومرَّغ خديه عليه وصلى أربع ركعات ثم جاء إلى قبر علي بن الحسين عليه السلام فقال :
السلام عليك يا مولاي وابن مولاي ، لعن الله قاتلك لعن الله ظالمك أتقرب إلى الله بمحبتكم ، وأبرأ إلى الله من عدوكم .
ثم قبله وصلى ركعتين ، والتفت إلى قبور الشهداء فقال : السلام على الأرواح المنيخة بقبر أبي عبد الله ، السلام عليكم يا شيعة الله و شيعة رسوله وشيعة أمير المؤمنين والحسن والحسين ، السلام عليكم يا طاهرون ، السلام عليكم يا مهديون ، السلام عليكم يا أبرار ، السلام عليكم وعلى الملائكة الله الحافين بقبوركم ، جمعني الله وإياكم في مستقر رحمته تحت عرشه .
ثم جاء إلى قبر العباس بن أمير المؤمنين عليهما السلام فوقف عليه وقال :
السلام عليك يا أبا القاسم ، السلام عليك يا عباس بن علي ، السلام عليك يا ابن أمير المؤمنين أشهد أنك قد بالغت في النصيحة وأديت الأمانة ، وجاهدت عدوك وعدو أخيك ، فصلوات الله على روحك الطيبة ، وجزاك الله من أخ خيرا " .ثم صلى ركعتين ودعا إلى الله ومضى .
  وقال الكفعمي :إنما سميت بزيارة الأربعين لأن وقتها يوم العشرين من صفر وذلك لأربعين يوما من مقتل الحسين عليه السلام ، وهو اليوم الذي ورد فيه جابر بن عبد الله الأنصاري صاحب النبي صلى الله عليه وآله من المدينة إلى كربلا لزيارة قبر الحسين عليه السلام فكان أول من زاره من الناس وفي هذا اليوم كان رجوع حرم الحسين عليه السلام من الشام إلى المدينة .
   وزيارة الإمام سيّد الشهداء عليه السلام في يوم الأربعين أي العشرين من صفر رواها عامة المحدثين من أعلام الإمامية منهم الشهيد الأول والشيخ الطوسي قال: أخبرنا جماعة عن أبي محمد هارون بن موسى التلعكبري قال : حدثنا محمد بن علي بن معمر قال : حدثني أبو الحسن علي بن محمد بن مسعدة والحسن بن علي بن فضال عن سعدان بن مسلم عن صفوان بن مهران قال : قال لي مولاي الصادق صلوات الله عليه : في زيارة الأربعين تزور عند ارتفاع النهار .
  الحاصل: إن المشرّع لزيارة الأربعين هم الأئمة الطاهرون سلام الله عليهم وليس جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه ، فهو وإنْ كان أول من زار الإمام الحسين عليه السلام في العشرين من صفر إلا أن موكب السبايا بقيادة إمامنا المعظم السجاد عليه السلام التحق به وأمضاه سلام الله عليه على فعله المقدَّس ثم أمضاه بقية الأئمة الطاهرين سلام الله عليهم...ما يدل بالدلالة القطعية بأنَّ الزيارة مشروعة...
 ولا ريب في أن جابر الأنصاري صلوات الله عليه حينما سنّ نصّ الزيارة التي مطلعها" السلام عليكم يا آل الله.." لم يكن إنشاؤه للنصِّ من عند نفسه بل لعلّه كان من ذخائر أهل بيت النبوة والولاية لا سيَّما أن جابراً كان من المحدِّثين عنهم سلام الله عليهم، وحتى لو فرضنا أنه سنّها من نفسه فلا مانع شرعاً في أن يزور المؤمن بأيِّ عبارة يخترعها للزيارة ما دام القصد هو زيارة المحبوب بعبارات طافحة بالحب والتعظيم لسادة الورى سلام الله عليهم، وليكن جابر في سنّه للزيارة التي أطلقها في يوم العشرين من صفر من هذا القبيل، من هنا أقرَّ أئمتنا الطاهرون عليهم السلام لنصّ الزيارة المروية عن جابر ...والله الموفق للصواب.
 
10. ما المطلوب فعله من الجماهير الزاحفة إلى كربلاء المقدّسة سيراً على الأقدام حتّى يكونوا مصداقاً لقوله تعالى: «... وَ لا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغيظُ الْكُفَّارَ وَ لا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنينَ [سورة التوبة (9)، الآية 121]»؟
 
بسم الله الرحمان الرحيم
الجواب: المطلوب من الزائرين للإمام سيّد الشهداء سلام الله عليه أمور:
( الأمر الأول): معرفة سيّد الشهداء سلام الله عليه بالمعرفة النورانية وأنه إمام مفترض الطاعة من الله تعالى.
( الأمر الثاني): أن تكون زيارته له روحي فداه محبةً له وشوقاً إليه عربوناً وتعظيماً له لكثرة تضحياته التي تعجز عن تحمُّلِها الجبال الرواسي والسماوات والجن والإنس والملائكة والأنبياء والأولياء سلام الله عليهم إلا من كان كنفسه وروحه كجده وأبيه وأُمه وإخوته الطيبين الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين.
( الأمر الثالث): أن يوطن الزائر نفسه بعرض النصرة عليه أرواحنا فداهن فيعاهده عند قبره الشريف مخاطباً له بالعبارة التالية:" أني موطنٌ نفسي على نصرتك في كلّ الأحوال فأمرني بأمرك فأنا خادم وعبد عندك، والعبد مملوك لمولاه فافعل بي ما تشاء "، وهكذا الحال في زيارة كلّ معصوم فإن على الزائر أن يعرض النصرة عليه لأن المؤمن جندي مجند في نصرة الحق المتمثل بهؤلاء الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين، وهو ما كشفت عنه النصوص التي عرضنا قسماً منها في أحد الأجوبة السابقة تعقيباً على قوله تعالى( ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم).
 
11. قام البعض بالدعوة إلى تحديد الزيارات المليونيّة، لأنّها تربك الوضع و تعطل مسيرة الإعمار!، و ناشدت العلماء بالتدخّل لذلك، فما هي أسباب هذه الدعوة؟ و ما موقف محبّي الإمام الحسين عليه السلام من ذلك؟
 
بسم الله الرَّحمان الرَّحيم
الجواب: الدعوة لتحديد الزيارة المليونية لإمام الشهداء الحسين بن أمير المؤمنين عليّ عليهما السلام لأجل أنها تربك الوضع وتعطل مسيرة العمران...هي دعوة وهابية أشعرية يراد منها منع المؤمنين من زيارة سيّد الشهداء سلام الله عليه لأنها تنغص عليهم حياتهم وتشوّش عليهم عقولهم لما في الزيارة لسيّد الشهداء عليه السلام من الإرتباط العميق بالإمام سلام الله عليه مما يولّد شعوراً برفض الباطل والظلم والإرتباط بعقيدة أهل البيت عليهم السلام وهو ما يهدد وجودهم المبني على الفساد والظلم والبدع والهيمنة على البلاد والعباد تحت ذرائع الوحدة الإسلامية برعاية حزب الدعوة الذي لم يترك فقهاً ولا عقيدة شيعية إلا محقها لتتناسب مع الفكر السني الذي يتكئ على عمائم شيعية بترية لا علاقة لها بالتشيع...! .
 ودعوتهم الفاسدة؛ مناهضة للأخبار الداعية للمؤمنين إلى زيارته سلام الله عليه من دون أن تخصص بعدد معين من الزائرين، نظير التعبير الوارد في صحاح الأخبار كصحيحة صالح بن ميثم حيث جاء فيها عن إمامنا الصادق عليه السلام:" من سره أن يكون على موائد النور يوم القيامة فليكن من زوار الحسين بن علي عليهما السلام".
 فالتعبير بقوله" فليكن من زوار الحسين عليه السلام" واضح الدلالة على العموم اللامحدود بحدّ، وكذلك زواره من الملائكة يزاحمون زواره من الجن والإنس، ففي صحيح المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله عليه السلام:
كأني والله بالملائكة قد زاحموا المؤمنين على قبر الحسين( عليه السلام ) ، قال : قلت : فيتراؤون له، قال: هيهات هيهات قد لزموا والله المؤمنين حتى أنهم ليمسحون وجوههم بأيديهم، قال: ويَنْزَلُ اللهُ على زوار الحسين عليه السلام[ ويُنزِلُ اللهُ ]  غدوة وعشية من طعام الجنة وخدامهم الملائكة ، لا يسأل الله عبد حاجة من حوائج الدنيا والآخرة الا أعطاها إياه .
  قال : قلت هذه والله الكرامة ، قال لي : يا مفضل أزيدك ، قلت : نعم سيدي ، قال : كأني بسرير من نور قد وضع وقد ضربت عليه قبة من ياقوتة حمراء مكللة بالجواهر ، وكأني بالحسين ( عليه السلام ) جالس على ذلك السرير وحوله تسعون الف قبة خضراء ، وكأني بالمؤمنين يزورونه ويسلمون عليه ، فيقول الله عز وجل لهم : أوليائي سلوني فطال ما أوذيتم وذللتم واضطهدتم ، فهذا يوم لا تسألوني حاجة من حوائج الدنيا والآخرة الا قضيتها لكم ، فيكون أكلهم وشربهم في الجنة ، فهذه والله الكرامة التي لا انقضاء لها ولا يدرك منتهاها .
  دلالة الخبر واضحة في عدم تحديد لفظ العموم الوارد في الخبرين" زوار الحسين عليه السلام والمؤمنين" إذ عن زوار هو جمع زائر، وهو يفيد العموم الاستغراقي الذي لا حدّ لنهايته من حيث الكثرة، وكذلك سعة العموم في زواره من الملائكة...ما يعني أن زواره قد يبلغوا الملايين في يوم واحد... وكل من أفتى بتحديدها فهو جاهل بمضامين الزيارات والأخبار الكاشفة عنها، وبالتالي فلا نعتبره فقيهاً فضلاً عن كونه عالماً مجّداً، وإن كان عالماً بالمضامين وأفتي بخلافها نعتبره خارجاً عن ربقة الإيمان والولاية لهم سلام الله عليهم، وهو على حدّ الشرك بالله لأن المانع أو المحدد يشرّع في مقابل تشريع الله تعالى على لسان حججه المطهرين سلام الله عليهم بمقتضى ما جاء عنهم من أن الراد عليهم هو راد على الله ورسوله وهو على حد الشرك بالله تعالى، ففي خبر عميرة عن الإمام الصادق عليه السلام قال: أُمر الناس بمعرفتنا والردّ إلينا والتسليم لنا ثم قال: وإن صاموا وصلّوا وشهدوا أن لا إله إلا الله وجعلوا في أنفسهم أن لا يردوا إلينا ،كانوا بذلك مشركين ".
 وفي خبر أبي إسحاق النحوي قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:..فوالله لنحبكم أن تقولوا إذا قلنا وتصمتوا إذا صمتنا، ونحن فيما بينكم وبين الله، ما جعل الله لأحدٍ خيراً في خلاف أمرنا...".
ملاحظة مهمة: لقد دل الخبر على أن الله تعالى ينزل على زوار الإمام الحسين سلام الله عليه ما يستلزم الجسمية وهو باطل بحسب مشربنا نحن الإمامية، ولا يجوز طرحه للوهلة الأولى ما دام قابلاً للتأويل وهو على نسق قوله تبارك وتعالى( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) وقوله تعالى ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ).
 والإستواء على العرش كنايةٌ عن الإحتواء على الملك والأخذ بزمام تدبير الأمور، وهو هنا مبنيٌّ على ما يناسب ساحة كبريائه وقدسه بما يدل على ظهور سلطنته على الكون واستقرار ملكه على الأشياء بتدبير أمورها وإصلاح شؤونها، فاستواؤه على العرش يستلزم إحاطة ملكه بكلِّ شيء وانبساط تدبيره على الأشياء السماوية والأرضية جليلها ودقيقها، خطيرها ويسيرها، فهو تعالى ربّ كلّ شيء والمتوحد بالربوبية، إذ لا نعني بالرب إلا المالك للشيء المدبر لأمره....كلُّ ذلك بناءً على قراءة :" ويَنْزَلُ " بصيغة المضارع، بفتح الياء أي أن الله تعالى هو النازل، ولكن بناءً على قرائتها بصيغة الفعل المضارع المجهول، بضم الياء هكذا" يُنْزِلُ " فواضح لا مرية فيه من حيث إن الله تعالى له جنود من الملائكة تنزل على زوار سيّد الشهداء عليه السلام بالموائد الشهية صباحاً ومساءً في عالم البرزخ وهو ما أشار إليه ذيل الخبر الشريف لأن الغدوة والعشية هما من منازل الدنيا البرزخية لا الجنة الأُخروية...ولا يبعد ظهور الحديث في أن ذلك يكون في الدنيا في رجعة سيدنا الإمام الحسين عليه السلام إلى الدنيا كما رويناه في الأحاديث الصحيحة الصريحة عنهم عليهم السلام في رجعته ورجعتهم، ويدل عليه بالأمور الآتية: 
 (الأمر الأول): قوله عليه السلام وينزل الله على زوار الحسين ( ع ) غدوة وعشية من طعام الجنة والا نزال يدل على أنه في الدنيا لا في الآخرة .
  (الأمر الثاني): قوله عليه السلام لا يسأل عبد حاجة من حوائج الدنيا والآخرة الا أعطاه إياه وحوائج الدنيا لا تسأل في الآخرة .
  (الأمر الثالث): قوله سبحانه فهذا يوم لا تسألوني حاجة من حوائج الدنيا والآخرة الا قضيتها لكم .
والله الموفق للصواب.
 
12. لقد حرص أعداء أهل البيت عليهم السلام على وضع العراقيل والشبهات في طريق الزائرين منذ استشهاد الإمام الحسين عليه السلام و ليومنا هذا، فهل يمكن أن توضحوا لنا ما هو السبب الّذي يجعل هؤلاء يخافون من هذه الزيارات و يحاولون منعها بكلّ السبل؟
 
بسمه تعالى
الجواب:  السبب الرئيسي الداعي لمنع الظالمين لزيارة الإمام سيّد الشهداء عليه السلام هو الخوف منه سلام الله عليه لأنه يشحذ الهمم الضعيفة فيوقدها ناراً على الظالمين والمارقين والمشككين، وفي الوقت نفسه يملأها سعادة بحب الفداء والمعرفة والسعي نحو الفضيلة...وهو أمر يتناقض مع توجهات الظالمين الذين لا يملون من بثّ الفساد والظلم لأنهم لا يعيشون إلا في الظلام والرذيلة، وحيث إن زيارته سلام الله عليه تبعد المؤمنين من الظلم والرذيلة فيشرع الظالمون بمنعهم عن الزيارة حتى لا يتخلوا عما كانوا يعملون من القبائح والرذائل، لأن العيش في الفساد والظلم هو غايتهم للإستقواء على الضعفاء للتحكم بهم وبمصائرهم وعقائدهم ومعارفهم اليقينية التي تتعارض مع مصالح الظالمين الداعية إلى الإستغلال والإستضعاف والتحكم والتذويب في معارف أعداء آل محمد سلام الله عليهم.
ويمكن تلخيص الأهداف الداعية إلى منع الظالمين من زيارة الإمام سيِّد الشهداء سلام الله عليه بالوجوه التالية:
(الوجه الأول): إن الزيارة له روحي فداه تشحذ الهمم الضعيفة عن مواجهة المستكبرين، فالإلتجاء إليه يعطي القوة والمدد الحسيني لمواجهة أولئك الظالمين بالصبر على الجهاد والمواصلة وتحمل المشاق في سبيل رفع راية الحق وتثبيتها في القلوب النيرة بمعرفة الإمام الحسين وأُمه وأبيه وإخوته وبنيه سلام الله عليهم أجمعين، ففي قلب كلّ زائر له روحي فداه راية حسينية تشع نوراً لا ينطفئ أبداً ...ولا يتمنى الأعداء أن تنعم المجتمعات الشيعية بالقوة الحسينية التي ترفض الظلم من أيٍّ كان حتى من الشيعي، إذ لا فرق عند الإمام الحسين سلام الله عليه في قبح الظلم من أيّ جهة صدرن إذ إن الظلم لا يبعَّض بل هو قبيح صدوره من الكافر والشيعي على حدٍّ سواء وفي كلّ العصور والأزمنة... بل إن صدوره من الشيعي أقبح وأفحش، وهو ما أوضحته بعض الأخبار الشريفة كما في رواية  إعلام الورى عن مناقب ابن شهر آشوب عن  الشقراني مولى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال :
خرج العطاء أيام أبي جعفر ومالي شفيع ، فبقيت على الباب متحيراً ، وإذا أنا بجعفر الصادق ( عليه السلام ) فقمت إليه ، فقلت له : جعلني الله فداك ، أنا مولاك الشقراني ، فرحب بي وذكرت له حاجتي ، فنزل ودخل وخرج وأعطاني من كمه ، فصبه في كمي ، ثم قال : يا شقراني إن الحسن من كل أحد حسن ، وإنه منك أحسن لمكانك منا ، وإن القبيح من كل أحد قبيح ، وإنه منك أقبح ، وعظه على جهة التعريض لأنه كان يشرب .
(الوجه الثاني): الزائر الحقيقي هو من يتحول من الرذيلة إلى الفضيلة ومن الضعف إلى القوة ومن الاستكانة للظالم إلى المواجه له...ومن المرض إلى الشفاء ومن الفقر إلى الغنى ومن الشقاء إلى السعادة....وهو أمر في غاية الخطورة عند الظالمين المستبدين، إذ يجدون الإمام الحسين سلام الله عليه يمدهم من عطائه ومعينه الذي لا ينضب، وفي ذلك موتهم واندحارهم وتقهقرهم وهو ما لا يريدون أن يتحقق ليبقوا دائماً المتحكمين بالنفوس والأبدان لأن مشروعهم السلطوي لا يقوم إلا بالتسلط والهيمنة والتذويب في عقائدهم ومسالكهم....
(الوجه الثالث): من يلاحظ التاريخ وسيرة المانعين من زيارة الإمام الحسين وأبيه وأمه وأخيه وبقية أهل بيته الطيبين سلام الله عليهم يجد بوضوح مدى بغضهم له وعداوتهم العظيمة لمعارفه وأحكامه، وكلهم من بني أُمية وبني العباس، فقد فعلوا الأعاجيب بزوار سيدنا المعظم الإمام الحسين سلام الله عليه، فقد كان يقتل من كل عشرة واحد ممن توجه إلى زيارته روحي فداه، ومحاولتهم لحرث قبره الشريف...وما ذلك سوى طمسَ معالِمه الشريفة ونسيانه من قاموس المجاهدين للظلم والكفر حتى لا يعي الشيعة كيفية النهوض ضد الظالم المستبد حتى لو كان بعمامة شيعية..! لأن الإمام سيّد الشهداء يعلِّمنا كيف نثور على الباطل وكيف ننهض لمجابهة المستكبرين من دون خوف من الموت بل يعلِّمنا الإستهانة بالموت في سبيل الله وسبيله هو ولايتهم وإمامتهم بإقامة صرح الحق والإستقامة والعدل والقسط...لقد علَّمنا الإمام سيّد الشهداء روحي فداه كيف لا يجتمع الحق مع الباطل بكلِّ مصاديقه المادية والمعنوية...فلا يستقيم الصواب مع الباطل والضلال، ولا تستقيم الظلمة مع النور ...فها هو ذلك المغوار الهمام قد أوضح مفهوم نهضته عندما قال صلى الله عليه وأهل بيته الطاهرين سلام الله عليهم:" قال لأصحابه : قد نزل ما ترون من الأمر ، وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت ، وأدبر معروفها واستمرت حتى لم يبق منها إلا كصبابة الاناء ، وإلا خسيس عيش كالمرعى الوبيل ، ألا ترون الحق لا يعمل به ، والباطل لا يتناهى عنه ، ليرغب المؤمن في لقاء الله ، و إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما ، وأنشأ  متمثلا بأبيات من الشعر لما قصد الطف:
سأمضي فما بالموت عار على الفتى   إذا ما نوى خيراً وجاهد مسلماً
وواسى الرجال الصالحين بنفسه      وفارق مذموماً وخالف مجرماً
ثم تمثل بالشعر الآتي:
أقدم نفسي لا أريد بقاءها               لتلقى  خميساً في الهياج عرمرما
           فإن عشت لم أذمم وإن مت لم أُلم                     كفى بك ذلاً أن تعيش وترغما
  لقد جاهد إمامنا المعظم الحسين بن أمير المؤمنين علي سلام الله عليهما ليعيش في عزٍّ، بعدم الخنوع للظالم وقد سبقه أبوه الإمام الأعظم أمير المؤمنين علي سلام الله عليهما فقال وهو يذم بعض أصحابه :" ماذا تنتظرون بنصركم ، والجهاد على حقكم ؟ ! الموت خيرٌ من الذل في هذه الدنيا لغير الحق". وكذلك فعلت أُمه الطاهرة الزكيَّة الصدِّيقة الكبرى مولاتنا فاطمة الزهراء سلام الله عليها وروحي فداها لما جابهت طاغوت عصرها عمر بن الخطاب وزمرته بقولها الشريف:" أعلموا أني فاطمة..". أي إني فاطمة التي لا ترضخ لظلم الحاكم المستبد فرفعت عقيرتها لتوقف مدَّ الظلم والضلال المتفشي في جسم الإسلام باسم الدين... وهكذا سارت على خطاهما ابنتهما الطاهرة الزكيَّة الحوراء زينب سلام الله عليها لما وقفت موقف الشهامة بوجه يزيد لعنه الله فقالت:" كد كيدك ، واجهد جهدك فوالله الذي شرفنا بالوحي والكتاب ، والنبوة والانتخاب ، لا تدرك أمدنا ، ولا تبلغ غايتنا ، ولا تمحو ذكرنا ، ولا يرحض عنك عارنا ، وهل رأيك إلا فند ، وأيامك إلا عدد ، وجمعك إلا بدد ، يوم يناد المنادي ألا لعن الله الظالم العادي ، والحمد لله الذي حكم لأوليائه بالسعادة ، وختم لأصفيائه بالشهادة ، ببلوغ الإرادة ، نقلهم إلى الرحمة والرأفة ، والرضوان والمغفرة ، ولم يشق بهم غيرك ، ولا ابتلى بهم سواك ، ونسأله أن يكمل لهم الأجر ، ويجز لهم الثواب والذخر ، ونسأله حسن الخلافة ، وجميل الإنابة ، إنه رحيم ودود .
 هذه الوثائق الجهادية تكشف لنا بوضوح مدى قبح الرضوخ للظالم بالذل له من خلال الإنقياد إليه والتسليم له لأن الرضوخ للظالم هو الظلم بعينه...فالمؤمن الذي يعرف الله ، ويعرف حقه ، يعرف جيداً أولياء الله ، فيواليهم ، ويعرف أعداءه فيعاديهم...فسعادة الدنيا والآخرة لا تكون إلاّ مع أهل الحق ، ولا تكون إلاّ في مقارعة الطغاة ، وأعداء الله .
فالحياة لا تكون حياة إلاّ إذا عاش الإنسان فيها كريماً حراً ، ولا يكون الإنسان كريماً حراً إلاّ إذا كان مع أهل الحق ، في مواجهة أهل الباطل ، قال تعالى : ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ى وَأَنَّهُو إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) .
فما يدعو إليه الرسول النبي والرسول الوليّ(الرسول النوعي) هو الحياة ; الحياة الحرة ، الحياة الكريمة ، الفاضلة ، لأنّ ما يدعو إليه الرسول الوَلَوي ، هو الحق ، والحق هو شرف الدنيا والآخرة وعزّهما ، ولا عزيز إلاّ من اعتزّ بالله ، واعتصم بأوليائه الذين جعلهم وجوهاً للحق المتمثل في البشر فقال ( صلى الله عليه وآله ) : " الحق مع علي ، وعلي مع الحق " ، والمعنى أنّ الحق لا ينفك عن علي ، وعلي لا ينفك عن الحق " فمن كان مع الحق كان مع علي ، ومن كان مع علي كان مع الحق .
وقال ( صلى الله عليه وآله ) : " يا علي من فارقني فقد فارق الله ، ومن فارقك يا علي فقد فارقني " ، وقال : " القرآن مع علي ، وعلي مع القرآن " .
فعلي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كان بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وجهاً عظيماً من وجوه الحق ، فهو إمام الحق ومثلا له ، لأنّه كان قرآناً بشرياً ، كما قال الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله ): " القرآن مع عليٍّ ، وعليٌّ مع القرآن " و" الحق مع عليّ ، وعليٌّ مع الحق، اللهم أدر الحق مع عليّ حيثما دار" .
فأبو ذر ( رضي الله عنه ) مثلا ، كان من أصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) والموالين له ، عاش كريماً ، حراً ، شريفاً ، ومات كريماً ، حراً ، شريفاً ، لأنّه تشرف بالانتساب إلى الحق ، وكذلك عمار بن ياسر ( رضي الله عنه ) استظل بظل راية الإمام ( عليه السلام ) ، وكان من الموالين له ، ولذلك عاش مجاهداً أبياً ، ومات مجاهداً أبياً .
فأصحاب الإمام ( عليه السلام ) لما والوا الحق ، ورفضوا الظلم بكل أبعاده ، وأشكاله ، عاشوا شرفاء ، وماتوا شرفاء ، وفازوا بسعادة الدارين .
وأما من تخلّف عن بيعته ( عليه السلام ) ، ورضي ببيعة معاوية ويزيد ، وقعدوا عن مقارعة الظالمين والمفسدين ، سلطهم الله عليهم ، فأساؤوا إليهم .
فالظالم لا يعرف إلاّ نفسه ، فكل من يقربهم الظالم إليه ليس حباً أو ولاء لهم ، ولكن تقريبه لهم لما يمكن أنْ يستفيده منهم ، وبعد أن يستنفذ طاقاتهم وقدراتهم ، يتخلى عنهم ، وينقلب عليهم ، وأكبر مثال لذلك هو عبد الله بن عمر ، فبعد أنْ نصر بني أمية ، وعاش مدافعاً عن دولتهم ، وقعد عن بيعة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ولم يحارب معهم الفئة الباغية ، حصد نتاج عمله ، وأبدى الندامة والحسرة ، لأنه لم يقاتل مع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) الفئة الباغية ، وذلك لمَّا رأى منهم الصدود والهجران ، والكلمات القاسية التي كان لا يتصوَّر أنْ يُخاطب بها ، وتعدى استهانة الأمويين به إلى أنْ قتلوه كما ذكرت الروايات .
هذه الوجوه هي زبدة قيام أئمة الحق بوجه الباطل، ولأجلها خاف ولا يزال يخاف الحاكم الظالم من الزيارة للإمام الحسين وأهل بيته الطاهرين سلام الله عليهم، فقد خافوه حيّاً ولا يزالون يخافونه ميتاً ببدنه ولكنه حيٌّ بروحه ومبادئه القيمة...فصلى الله عليك يا أبا عبد الله...صلى الله عليك ..صلى الله عليك.
 
13. بسبب طول المسافة بين بعض المدن الّتي يسير منها الزائرون إلى الإمام الحسين عليه السلام قد يحدث عند البعض تقرحات دمويّة بين الفخذين و ربّما يسيل الدم، فـــ:
أ) هل يؤثر هذا الدم على الصلاة؟
ب) هل يجب تبديل اللباس الداخلي المدمي لأجل الصلاة؟
ت) هل يجب غَسل الموضع بالماء قبل الصلاة، علماً أنّ غسله في بعض يسبّب أذىً لذهاب العلاج الموضوع عليه؟
ث) ما حكم من لم يقدر على الصلاة من قيام بسبب التعب من كثرة السير، هل يجوز له الإتيان بالصلاة من جلوس؟
 
بسمه تعالى
الجواب على السؤال أ و ب: التقرحات الدموية في مفروض السؤال، إذا كانت كثيرة فهي معفوٌّ عنها في الصلاة بشرطين:
الأول: عدم البرء أو عدم انقطاع الدم، فهنا إذا كان قادراً على تطهير ما حولها بالماء ولم يطهرها فلا حينئذ عنها معفوٍّ  في الصلاة، ويجب تبديل الثوب المتنجس حال الصلاة، وأمَّا إذا لم يمكنه التطهير بسبب عدم انقطاع الدم من تلك التقرحات، فيجب عليه أن يطهر ما حولها من الجهات الأربعة متحرزاً عن سراية النجاسة من الأعلى إلى الأسفل، ثم يلفها بخرقة أو لاصق طبي، ويبدل ثوبه المتنجس حتى تصح صلاته وإلا فلا.
الثاني: المشقة النوعية في الإزالة أو التبديل، ومع عدم المشقة النوعية في التطهير أو تبديل الثوب فلا عفو عن النجاسة المذكورة.
 
ت) هل يجب غَسل الموضع بالماء قبل الصلاة، علماً أنّ غسله في بعض يسبّب أذىً لذهاب العلاج الموضوع عليه؟
 
الجواب: بسمه تعالى
 يجب غسل الموضع المتنجس بالدم أو القيح الممزوج بالدم أو الدواء بالمخلوط بالدم ما لم ييبس ويصبح كالجلدة شريطة عدم المشقة النوعية في التطهير بمعنى: أن أمثاله من المكلَّفين يطهرون هذه المواضع بيسر وسهولة ولكنه شخصياً يجد مشقة في ذلك بسبب وسواس وما شابهه، فمن وجد مشقة شخصية في التطهير فلا يعفى من التطهير بل يجب عليه التطهير وإلا صلاته باطلة...وإذا كان الدواء ضرورياً على الجرح، وكان في رفعه مشقة وأذية للمكلَّف فلا يجب غسله، وإنَّما يغسل ما حوله إذا كان متنجساً.
 
ث) ما حكم من لم يقدر على الصلاة من قيام بسبب التعب من كثرة السير، هل يجوز له الإتيان بالصلاة من جلوس؟
 
الجواب: بسمه تعالى
التعب من المسير لا يبرر صحة الصلاة من قعود ما دام قادراً على أدائها من قيام في الحال أو بعد الإستراحة وكان هناك متسع من الوقت، وإذا ضاق الوقت ولم يمكنه النهوض أصلاً للصلاة من قيام كما لو صار كالمشلول لا يمكنه الوقوف على قدميه، فساعتئذٍ تُشرع له الصلاة من جلوس وإلا فلا..والله العالم. 
 
14. يسير كلّ عام الملائين سيراً على الأقدام لزيارة أبي عبد الله الحسين عليه السلام من مختلف مدن العراق، فما حكم صلاتهم من حيث القصر و التمام، علماً بأنّ مدّة السير قد تصل أحياناً إلى عشرة أيّام أو أكثر، فـ
أ) هل يؤدّون صلاتهم قصراً أو تماماً؟
 
الجواب: بسمه تعالى 
من كان بعيداً عن الحائر الحسيني على صاحبه آلاف التحية والسلام المسافة الشرعية المقررة بثمانية فراسخ ذهاباً وإياباً ( وهي خمسة وأربعون كيلو متراً ) وقطع حدَّ الترخص من بلده، لا يصح منه كمسافرٍ الصلاة قصراً حتى لو علم بأن مسيره أكثر من عشرة أيام، لأن العشرة هي شرط في الإقامة في بلد معين ككربلاء كما هو مفروض السؤال، وحيث إنَّه لم يصل إلى كربلاء فلا بدَّ أن تكون وظيفته الشرعية هي التقصير من الصلاة الرباعية كالظهرين والعشاء، ووظيفته التقصير كم أشرنا.
 
ب) كم المسافة الّتي يقطعونها لكي تكون صلاتهم قصراً؟
 
الجواب: إذا قطع المسافر من وطنه إلى بلد آخر مسافة اثنين وعشرين كيلو متراً ونصف الكيلو يكون في حكم المسافر لأنه قطع المسافة الشرعية التلفيقية وهي اثنان وعشرون كيلو متراً ونصف، وبالتالي تكون وظيفته التقصير من الصلاة الرباعية، فإذا وصل إلى كربلاء يبقى على التقصير إذا لم يرد الإقامة فيها عشرة أيام متواصلة إلَّا في حال وصل الزائر إلى الحائر الحسيني المطهر فهو ساعتئذٍ مخيَّر بين القصر والتمام  باعتباره من الأماكن الأربعة التي أجازت أخبارنا الشريفة تخيير المكلَّف المسافر  بالصلاة عنده بين القصر والتمام...والتخيير حكم خاص بالمسافر ولا يشمل من نوى الإقامة عشرة أيام في كربلاء المقدَّسة، فهو كغيره من أهالي كربلاء المقدسة يتمون صلاتهم في الحائر الحسيني المقدس، والله العالم.
 
15. بعض الأسئلة حول موظّفو الدولة و الطلبة:
أ) ما حكم مدير الدائرة الّذي يمنع الموظّفين من الذهاب لزيارة الإمام الحسين عليه السلام، مع قدرته على مساعدتهم و لا يؤثر ذهابهم على سير الدوام؟
 
الجواب: بسمه تعالى
 من منع من زيارة سيِّد الشهداء الإمام المعظم الحسين عليه السلام بقصد التقليل من شأنه سلام الله عليه أو لغايات وحدوية أو تأليفاً لقلوب العامة العمياء أو منكراً لفضيلة الزيارة، فهو مأثوم بل هو كافر، وينطبق عليه عدة عناوين يستحق بها العقاب الإلهي العظيم، أهمها عنوانان:
الأول: عنوان قطع السبيل المنهى عنه في الكتاب الكريم والسنة الشريفة بمقتضى قوله تعالى( الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ ) والصد عن السبيل هو المنع منه، وهو من فعل الشيطان الرجيم، وكلُّ من صدَّ عن زيارة أهل بيت العصمة والطهارة سلام الله عليهم هو الشيطان بنفسه وله عقاب عظيم عند الله تعالى لأنه يبتغي بذلك موافقة المخالفين( لا سيَّما السلفيون منهم كالوهابية والحنابلة) الذين يسعون إلى المنع من زيارته بأي شكلٍ من الأشكال وتحت ذرائع متعددة...وينطبق على فاعله أنه من أعداء الله تعالى المذمومين بمقتضى الأخبار الكثيرة منها موثقة الحسن بن علي الخزاز قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: إن ممن يتخذ مودتنا أهل البيت لمن هو أشدُّ لعنة على شيعتنا من الدجال فقلت له يا بن رسول الله بما ذا ؟ قال سلام الله عليه: بموالاة أعدائنا ومعاداة أوليائنا انه، إذا كان كذلك اختلط الحق بالباطل واشتبه الامر فلم يُعرف مؤمنٌ من منافقٍ".
الثاني: عنوان البراءة من آل محمد سلام الله عليهم، ويشهد له الأخبار الكاشفة عن خروجه من ولايتهم سلام الله عليهم ودخوله في ولاية الشيطان، كما في صحيحة ابن فضال قال: سمعت الرضا سلام الله عليه يقول:" من واصل لنا قاطعاً أو قطع لنا واصلاً أو مدح لنا عائباً أو أكرم لنا مخالفاً فليس منا ولسنا منه".
ولا ريب في أن الزائر للإمام الحسين وأهل بيته الطيبين الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين ممن يصدق عليه أنه من الواصلين لهم، فأية جهة تمنعه سواءٌ كانت حكومية أو دينية لا شك أنها  من أبرز مصاديق القاطعين للواصلين له بالزيارة مشياً على الأقدام التي ورد بعلو فضلها الأخبار الكثيرة حسبما أشرنا في أحد أجوبتنا السابقة. 
 
ب) هل يجوز لأحد موظّفي الدولة أن يقدّم على إجازة مرضيّة، مع أنّه مريض بمرض بسيط لا يستحقّ الإجازة؟
 
الجواب: بسمه تعالى
 لا نرى في الأُفق حكومة تحكم بالعدل والإنصاف بل نعتبر كلّ هذه الحكومات هي حكومات الظلم والجور، فمخالفتها لا يكون حراماً بأي شكلٍ من الأشكال، وبناءً عليه يجوز للمبتلى بمرضٍ بسيط لا يقعده عن الحركة أنْ يُقْدِمَ على إجازة مرضية من حكومات جائرة من باب استنقاذ المال الذي سرقته من الشعب المقهور ومنه مال هذا المريض بمرض بسيط...والله هو حسبي ونعم الوكيل.
 
ت) يسأل جمع كبير من الطلبة المحبّين للذهاب سيراً إلى الإمام الحسين عليه السلام، خاصّة حال نذرهم السير للإمام عليه السلام، و تتزامن أحياناً هذه الزيارة أيّام الإمتحانات فما هو الحكم؟
 
الجواب: بسمه تعالى
 يجب تقديم الوفاء بالنذر للزيارة على تقديم الإمتحان الدراسي الأكاديمي أو الحوزوي الديني، ذلك لأن الوفاء بالنذر لزيارة ائمة الهدى ومصابيح الدجى سلام الله عليهم واجب شرعي، وأمَّا الإمتحان الرسمي أو الحوزوي فهو مباح أو أنه واجب مدنيٌّ على بعض الوجوه، ولا يجوز تقديم الواجب المدني على الواجب الديني، فحقُّ الله تعالى أوجب من كلّ واجب مدني أو حوزوي...قال تعالى( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ) ولا ريب في أن زيارة أئمة الهدى سلام الله عليهم من أبرز مصاديق التقوى المورثة للعلم والنور والهداية والتوفيق، ومن تفرغ للتوسل بهم والتقرب إليهم أورثوه علم ما لم يكن يعلم، وطريق معرفة العلم التحقيقي تفريغ القلب للتعلم وتصفية الباطن بتخليته من الرذائل وتحليته بالفضائل ومتابعة الشرع وملازمة التقوى كما قال اللَّه تعالى « وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ » وقال « إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً».
 وقال « وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا » وفي الحديث النبوي : « ليس العلم بكثرة التعلم إنما هو نور يقذفه اللَّه في قلب من يريد اللَّه أن يهديه » ورد أيضاً : « من أخلص لله أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه » وورد أيضاً : « من علم وعمل بما علم ورثه اللَّه علم ما لم يعلم ».
ولو فرضنا مزاحمة النذر لواجب شرعي آخر، فإذا كان الواجب الآخر موسعاً، والنذر مضيقاً فيجب تقديم النذر عليه، وإذا كانا متساويين من حيث الوجوب، فيقدم الأهم، وتشخيص الأهم يرجع إلى مقلّده العارف بالأخبار والجامع للشرائط، ولا يجوز تقليد أصحاب الأقيسة والاستحسانات من علماء السوء المدّعين ما ليس لهم والمبتدعين في أحكام الله تعالى... والله الموفق للصواب والحكمة.
 
ث) يقوم بعض مدراء المدارس بالتضييق على الطلبة الّذين يرغبون بالذهاب إلى كربلاء المقدّسة سيراً على الأقدام، كأن يقوم بخصم خمس درجات لكلّ طالب يذهب لكربلاء المقدّسة، أو التشدّد في إعطاء الإجازة وعدم تأجيل الإمتحانات وإن كان بمقدوره ذلك؟
 
الجواب: زيارة الإمام الحسين المظلوم عليه السلام في كربلاء مقدَّمة على الإمتحانات كما أشرنا في الجواب السابق.
 
16. قد يصل كثير من السائرين لزيارة الإمام الحسين عليه السلام إلى كربلاء المقدّسة قبل العشرين من صفر، فهل تجوز الزيارة و الرجوع، و هل تحسب لهم زيارة الأربعين؟
 
الجواب: بسمه تعالى
 من  وصل إلى كربلاء قبل يوم العشرين من صفر ثم زار ورجع إلى بلده لا يصدق عليه عرفاً وشرعاً أنه زار الإمام الحسين عليه السلام في يوم الأربعين، نعم له ثواب الزيارة المطلقة، وأمَّا ثواب زيارة الأربعين فلها فضيلة فوق فضيلة الزيارة العادية في غير يوم الأربعين...والله الموفق للصواب.
 
17. ما ذا يحصل المؤمنون الّذين يقومون بخدمة وإيواء الزوّار والسائرين إلى كربلاء المقدّسة من الثواب و الآخرة؟
 
الجواب: بسمه تعالى
 إن من جهَّز مؤمناً لزيارة الإمام الحسين سلام الله عليه أو أنفق عليه في كربلاء أو قام بخدمته له أجر عظيم، وله بكل درهم ألف درهم  كما جاء في صحيحة هشام بن سالم عن الإمام الصادق عليه السلام في حديث طويل قال:" أتاه رجل فقال له : يا بن رسول الله هل يزار والدك ، قال : فقال : نعم ، ويصلى عنده ، ويصلى خلفه ولا يتقدم عليه ، قال : فما لمن أتاه ، قال : الجنة إن كان يأتم به ، قال : فما لمن تركه رغبة عنه ، قال : الحسرة يوم الحسرة ، قال : فما لمن أقام عنده ، قال : كل يوم بألف شهر ، قال : فما للمنفق في خروجه إليه والمنقق عنده ، قال : درهم بألف درهم...إلى أن قال: قلت : فما لمن يجهز إليه ولم يخرج لعلة تصيبه ، قال : يعطيه الله بكل درهم أنفقه مثل أحد من الحسنات ويخلف عليه أضعاف ما أنفقه ، ويصرف عنه من البلاء مما قد نزل ليصيبه ويدفع عنه ويحفظ في ماله " . 
 ولا ريب في أن من يقوم بخدمة زوار الإمام أبي عبد الله عليه السلام هو من أبرز مصاديق التجهيز إليه والإنفاق عنده سلام الله عليه، وله من الأجر ما كشفت عنه الصحيحة المتقدمة...والله الموفق للصواب.
 
18. عند ما تقرب أيّام زيارة أبي عبد الله الحسين عليه السلام يكثر الكلام حول ذهاب النساء لهذه الزيارة:
أ) فهل يجوز للنساء الذهاب؟.
   
الجواب: بسمه تعالى: نعم يجوز للنساء شدّ الرحال لزيارة سيّد الشهداء سلام الله عليه للإطلاقات والعمومات الآمرة  بزيارته سلام الله عليه، وثمة  أخبار خاصة بشمول المرأة لزيارة سيّد الشهداء عليه السلام كالأخبار الدالة على وجوب زيارته للمؤمن والمؤمنة لا سيّما موثقة أبي داوود المسترق عن أُم سعيد الأحمسية عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام قالت: قال لي: يا أُمّ سعيد تزورين قبر الحسين عليه السلام ؟ قالت: قلت: نعم، فقال لي: زوريه فإن زيارة قبر الحسين عليه السلام واجبة على الرجال والنساء ".
وكذلك ما ورد في صحيحة عبد الرحمان بن كثير مولى أبي جعفر عليه السلام عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام قال: لو أن أحدكم حج دهره ثم لم يزر الحسين بن علي عليهما السلام لكان تاركاً حقاً من حقوق رسول الله صلى الله عليه وآله لأن حقَّ الحسين عليه السلام فريضة من الله واجبة على كل مسلم.
والتقييد بالمسلم في الصحيحة المتقدمة لا يضر بشموله للنساء أيضاً بعد ضميمة الأخبار الأخرى المعممة للنساء والرجال، والتخصيص بالمسلم حصر إضافيٌّ وليس حصراً حقيقياً وله نظير في الأخبار.
 
ب) ما هو حدّ الواجب الشرعي لحجابهنّ؟ و هل يشمل حجابهنّ ستر الوجه و الكفّين؟.
 
الجواب: بسمه تعالى
 بناءً على فتوانا بوجوب تغطية الوجه والكفين يجب على المرأة المؤمنة أن تستر وجهها وكفيها حال الزيارة وعن غير المحارم مطلقاً، وأما بناء على فتوى غيرنا فلا يجب الستر المذكور.
 
ت) هل للنساء من الأجر مثل أجر الرجال؟.
 
الجواب:
بسمه تعالى: لا تفترق المرأةُ عن الرجل في نيل الأجر والثواب من عند الله تعالى، وذلك لأن الأخبار الشريفة لم تفرّق في الثواب بين الرجل والمرأة، بل لعلَّ المرأة تنال أكثر أجراً من الرجل لأجل ضعفها وعفتها وعرضها الموجب لزيادة خوفها من الأعداء بسبب الزيارة...والله هو العالم.
 
ث) ما حكم من يتكلّم عليهنّ بكلام بذيء و يحاول منعهنّ من الذهاب؟.
 
الجواب: بسمه تعالى
 كلّ من يتعرض للمؤمنات الطاهرات اللاتي يرغبن في زيارة سيد الشهداء سلام الله عليه لأجل زيارتهنَّ له ندخله في خانة النواصب لشيعة الإمام الحسين عليه السلام بمقتضى ما دلت عليه الأخبار الصحيحة منها عبد اللَّه بن سنان عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : « ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت لأنك لا تجد رجلا يقول : أنا أبغض محمّداً وآل محمّد ، ولكن الناصب من نصب لكم ، وهو يعلم أنكم توالونا وأنكم من شيعتنا » .
وكذلك ورد في صحيحة  مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وغَيْرُه عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ ومُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ جَمِيعاً عَنْ مُوسَى بْنِ عُمَرَ عَنْ غَسَّانَ الْبَصْرِيِّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ وعَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيه عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ اسْتَأْذَنْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّه ع فَقِيلَ لِي ادْخُلْ فَدَخَلْتُ فَوَجَدْتُه فِي مُصَلَّاه فِي بَيْتِه فَجَلَسْتُ حَتَّى قَضَى صَلَاتَه فَسَمِعْتُه وهُوَ يُنَاجِي رَبَّه ويَقُولُ - يَا مَنْ خَصَّنَا بِالْكَرَامَةِ وخَصَّنَا بِالْوَصِيَّةِ ووَعَدَنَا الشَّفَاعَةَ وأَعْطَانَا عِلْمَ مَا مَضَى ومَا بَقِيَ وجَعَلَ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْنَا اغْفِرْ لِي ولإِخْوَانِي ولِزُوَّارِ قَبْرِ أَبِي عَبْدِ اللَّه الْحُسَيْنِ ع الَّذِينَ أَنْفَقُوا أَمْوَالَهُمْ وأَشْخَصُوا أَبْدَانَهُمْ رَغْبَةً فِي بِرِّنَا ورَجَاءً لِمَا عِنْدَكَ فِي صِلَتِنَا وسُرُوراً أَدْخَلُوه عَلَى نَبِيِّكَ صَلَوَاتُكَ عَلَيْه وآلِه وإِجَابَةً مِنْهُمْ لأَمْرِنَا وغَيْظاً أَدْخَلُوه عَلَى عَدُوِّنَا أَرَادُوا بِذَلِكَ رِضَاكَ فَكَافِهِمْ عَنَّا بِالرِّضْوَانِ واكْلأْهُمْ بِاللَّيْلِ والنَّهَارِ واخْلُفْ عَلَى أَهَالِيهِمْ وأَوْلَادِهِمُ الَّذِينَ خُلِّفُوا بِأَحْسَنِ الْخَلَفِ واصْحَبْهُمْ واكْفِهِمْ شَرَّ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وكُلِّ ضَعِيفٍ مِنْ خَلْقِكَ أَوْ شَدِيدٍ وشَرَّ شَيَاطِينِ الإِنْسِ والْجِنِّ وأَعْطِهِمْ أَفْضَلَ مَا أَمَّلُوا مِنْكَ فِي غُرْبَتِهِمْ عَنْ أَوْطَانِهِمْ ومَا آثَرُونَا بِه عَلَى أَبْنَائِهِمْ وأَهَالِيهِمْ وقَرَابَاتِهِمْ اللَّهُمَّ إِنَّ أَعْدَاءَنَا عَابُوا عَلَيْهِمْ خُرُوجَهُمْ فَلَمْ يَنْهَهُمْ ذَلِكَ عَنِ الشُّخُوصِ إِلَيْنَا وخِلَافاً مِنْهُمْ عَلَى مَنْ خَالَفَنَا فَارْحَمْ تِلْكَ الْوُجُوه الَّتِي قَدْ غَيَّرَتْهَا الشَّمْسُ وارْحَمْ تِلْكَ الْخُدُودَ الَّتِي تَقَلَّبَتْ عَلَى حُفْرَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّه ع وارْحَمْ تِلْكَ الأَعْيُنَ الَّتِي جَرَتْ دُمُوعُهَا رَحْمَةً لَنَا وارْحَمْ تِلْكَ الْقُلُوبَ الَّتِي جَزِعَتْ واحْتَرَقَتْ لَنَا وارْحَمِ الصَّرْخَةَ الَّتِي كَانَتْ لَنَا اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَوْدِعُكَ تِلْكَ الأَنْفُسَ وتِلْكَ الأَبْدَانَ حَتَّى نُوَافِيَهُمْ عَلَى الْحَوْضِ يَوْمَ الْعَطَشِ فَمَا زَالَ وهُوَ سَاجِدٌ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ لَوْ أَنَّ هَذَا الَّذِي سَمِعْتُ مِنْكَ كَانَ لِمَنْ لَا يَعْرِفُ اللَّه لَظَنَنْتُ أَنَّ النَّارَ لَا تَطْعَمُ مِنْه شَيْئاً واللَّه لَقَدْ تَمَنَّيْتُ أَنْ كُنْتُ زُرْتُه ولَمْ أَحُجَّ فَقَالَ لِي مَا أَقْرَبَكَ مِنْه فَمَا الَّذِي يَمْنَعُكَ مِنْ إِتْيَانِه ثُمَّ قَالَ يَا مُعَاوِيَةُ لِمَ تَدَعُ ذَلِكَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ لَمْ أَدْرِ أَنَّ الأَمْرَ يَبْلُغُ هَذَا كُلَّه قَالَ يَا مُعَاوِيَةُ مَنْ يَدْعُو لِزُوَّارِه فِي السَّمَاءِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَدْعُو لَهُمْ فِي الأَرْضِ ".
 ولا يخفى على البصير أن التعييب على الزائرين لا تقييد فيه للرجال فحسب بل يعمُّ النساءَ الزائراتِ الطاهراتِ، بل إن التعييب عليهنَّ أشدّ قبحاً من التعييب على الرجال...فمن أدخل عليهن الأذية بانتهاك أعراضهن بالكلام البذيء عليهنَّ يخرج من دائرة التقوى والورع على أقل تقدير ، وإذا كانت أذيته لهنَّ لأجل الزيارة بما هي زيارة للإمام المعظَّم سيِّد الشهداء وغيره من أئمة الهدى سلام الله عليهم فلا ريب أنه من النواصب الكفرة...والله هو الموفق للصواب.
 
ج) ما نصيحتكم لمثل هؤلاء المشكّكين؟.
 
بسمه تعالى/ الجواب:  
نحن ننصحهم بتقوى الله تعالى والخوف من عقابه وأن لا يخدموا الوهابية والسلفية التي تسعى بكلِّ جهدها للمنع من زيارة سيّد الشهداء عليه السلام من خلال تشكيكها بالزيارة المقدسة وبكل ما يربط الشيعي بأهل بيت العصمة والطهارة سلام الله عليهم، والله تعالى هو المنتقم منهم عاجلاً وآجلاً...والسلام.
 
19. هل يجوز لنا ترك إقامة الشعائر الحسينيّة عليه السلام مداهنة و تقرّباً لأبناء النواصب كما يقول البعض: \"لا نقوم بالعزاء المتضمّن للسلاسل و اللطم بل نخرج و نهتف هتافات حضاريّة فقط لكي نجنع شمل المسلمين\"؟.
 
بسمه تعالى / الجواب:
 ترك الشعائر الحسينية على صاحبها آلاف السلام والتحية مداهنةً وتقرباً إلى المخالفين حرام شرعاً وإذا كان عن علمٍ   يدخل صاحبه في خانة الفساق المارقين من ولاية أهل البيت سلام الله عليهم، والمارق كافرٌ باعتباره قاطعاً لرحم الولاية وداخلاً في دائرة النصب والعداوة لأهل البيت سلام الله عليهم وهو من أظهر مصاديق ما ورد في صحيحة عبيد ابن فضال قال:  قال سمعت الرضا ( عليه السلام ) يقول : من واصل لنا قاطعاً أو قطع لنا واصلاً أو مدح لنا عايباً أو أكرم لنا مخالفاً فليس منا ولسنا منه ".
ولا يخفى على المؤمن الفطن أن ترك الشعائر الحسينية لأجل رضا المخالفين هو من أظهر مصاديق المقاطعة لأهل البيت سلام الله عليهم بسبب مقاطعتهم للشعائر الحسينية لأجل إرضاءِ أعداء الأئمة الطاهرين عليهم السلام، فصاحبها خارج من ولايتهم وداخل في ولاية أعدائهم لعنهم الله تعالى...بالإضافة إلى أنه رادٌّ لأخبارهم الشريفة الآمرة بإقامة شعائرهم، ومن المعلوم حسبما كشفت عنه أخبارنا الشريفة أن الرادَّ لأخبارهم سلام الله عليهم هو كافرٌ بما نزل على جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وبالتالي فهو كافر بما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله لأنه ردَّ ضرورةً من ضروريات الدين واستحدث بِدعةً، ومَنْ استحدث بِدعةً فقد هدم الإسلام بمقتضى الأخبار الشريفة...! وهؤلاء لعنهم الله تعالى هم من فرقة البترية التي أخبرت عنها النصوصُ الشريفة وأن خروجهم سيتجدد قبل خروج إمام العصر والزمان سلام الله عليه وأنه سيجرد سيفه في رقابهم في آخر خرجة ستكون لهم في الكوفة ويقتل منهم ستة عشرة رجلاً في يوم واحدٍ...وهؤلاء سيجددون فكرَ السقيفة ويدعون إليها تحت عناوين متعددة منها الوحدة بين الشيعة وفرق الضلالة من المسلمين، وكأن الله تعالى فوَّض لهم دينهم يحللون ويحرمون ما تهواه أنفسهم وترتضيه نزواتهم، ومما يدل على ذلك هو التنازل الدائم من قبل شواذ من المنتسبين إلى التشيع العظيم، ولم نشهد من جهة العامة العمياء تنازلاً واحداً، وأن عامة عقائدهم اليوم صارت عقائد مستقاة من الفكر البكري...ما يعني أن المتنازلين من البترية هم في الواقع من دعاة الفكر البكري العمري...قاتلهم الله أنَّى يؤفكون، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلبٍ ينقلبون، والله هو الموفق للصواب.
 
20. أثناء استعراض المواكب الحسينيّة عليه السلام في الشوارع المؤدّية للإمام الحسين عليه السلام و أخيه المولى أبي الفضل العبّاس عليه السلام، يوجد في هذه المواكب بعض الشباب المؤمن الّذي يلطم و هو نازع لقميصه، مع وجود نساء ربّما ينظرن إليهم فهل يجوز ذلك؟.
 
بسمه تعالى/ الجواب:
يجب على اللاطمين من الرجال الطيبين المخلصين للأئمة الطاهرين سلام الله عليهم أن لا يرتكبوا محذوراً شرعياً يخلُّ بإخلاصهم لإقامة الشعائر الحسينية على صاحبها آلاف السلام والتحية...فيجب عليهم أن يستروا صدورهم وأكتافهم دفعاً لمحذور نظر النساء إليهن فيهيجوهنَّ ويثيرون غرائزهنَّ الجنسية بذلك لأن أكثر ما يثير المرأة من جسم الرجل هو الكتفان والصدر والفخذين.... وبالغضّ عن ذلك فإن عمومات غض النظر في الكتاب الكريم محكمة بوجوب الغضّ قال تعالى( قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ،  وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ...) والمنساق منها عرفاً ترك نظر كلٍّ منهما إلى الآخر مطلقاً لا خصوص النظر إلى الفروج خصوصاً بعض قول النبي الأعظم صلى الله عليه وآله لبعض أزواجه وهما عائشة وحفصة لمّا دخل عليهما ابن أُمِّ مكتوم:" ادخلا البيت فقالتا: إنه أعمى، فقال لهما: إن لم يكن يركما فإنكما تريانه ".
 وما الضير باللطم على الصدور من وراء القميص..؟! نعم لا مانع شرعاً من اللطم عراة الصدور في مجالس لا وجود للنساء فيها... بارك الله بهم ونصرهم على أعدائهم بمحمد وآله...والسلام.
 
21. يقوم بعض ضعفاء النفوس بتشويه سمعة السائرين للإمام الحسين عليه السلام و يتّهم بعضهم بأنّه لا يصلّي و لا يصوم، فما ذا تقولون لهؤلاء، و ما ذا تقولون للسائرين؟.
 
بسمه تعالى/ الجواب:
نحن نسأل المتهمين لزوار سيّد الشهداء عليه السلام هل: اطلعت على قلوبهم بأنهم لا يصلون ولا يصومون؟ وعلى فرض أن بعضهم لا يصوم ولا يصلي فلا يجوز نعت الجميع بأنهم كذلكن بل لا يجوز لمن اطلع على بعضهم بأنه لا يصلي ولا يصوم أن يفضحه أمام المؤمنين لأن ذلك من الغيبة المحرَّمة التي لا يجوز إفشاؤها للجاهلين بحال أولئك التاركين للصلاة والصوم، كما لا يجوز التعميم بغيبة الجميع حينما يقول أن بعض السائرين لإقامة الشعائر لا يصلون ولا يصومون لأن التعميم بقصد التبعيض هو تعميم للجميع وهو غيبة للجميع بل هو قذف لبعضهم ممن يصلون ويصومون...
 بالإضافة إلى ذلك: إن ترك بعضهم للصوم والصلاة لا يقدح في صحة إقامتهم للشعائر الحسينية بكافة مصاديقها وعناوينها لأن إقامتها لا يشترط فيها أن يكون المقيم لها في قمة التقوى والورع، فلم تشترط نصوص زيارتهم أو إقامة شعائرهم في أن يكون المقيم لها مصلياً وصائماً وتقياً...بل لو أقامها فاسق أو بوذي لكان بذلك مرضياً عند الله تعالى بعمله الموجب لدخول التقوى إلى قلبه والخوف من ربّه في مستقبل الأيام... لأن المطلوب في الزيارة أو إقامة الشعيرة هو بيان إظهار المظلومية لأولئك الأطهار سلام الله عليهم أمام الناس ورفع مقام آل محمد عليهم السلام...نعم من كان متصفاً بما أمر الله تعالى به من الواجبات وترك المحرمات يكون عمله مقبولاً  أكثر من التارك لها، فيجب للمقيم للشعائر أن يكون ممن يرضى الإمام الحسين عليه السلام عنه بإقامة فرائض الله تعالى حتى يكون من جنوده وأنصاره المتصفين بإقامة فرائض الله تعالى حقيقة فإذا ناداه بقوله:" لبيك أبا عبد الله " يكون صادقاً بدعواه للتلبية والنصرة وإلا يكون كاذباً بتلبيته وادعائه النصرة لسيّد الشهداء سلام الله عليه...والسلام.
 
22. هل من موعظة أو نصيحة تقدّمونها لزائري أبي عبد الله الحسين عليه السلام، خاصّة مع هذه الحملة الظالمة الّتي يقودها أعداء أهل البيت عليهم السلام ضدّ الشعائر الحسينيّة المقدّسة عليه السلام؟.
 
بسمه تعالى/ الجواب:
  المطلوب من زوار الإمام سيِّد الشهداء أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه الأمور التالية:
(الأمر الأول): أن يكون عارفاً بمقام سيِّد الشهداء ومقام أُمه وأبيه والأئمة الطاهرين سلام الله عليهم من ذريتهما لا سيّما مقام الإمام الحجة القائم عجّل الله تعالى فرجه الشريف باعتباره إمام زماننا المفترض على المؤمنين طاعته والذود عنه بكلِّ ما أُوتوا من قوة وشجاعة وصلابة في الموقف المهدوي بالذود عنه وذكر مناقبه ومعارفه والتعصب له لأن التعصب للحق مطلوب شرعاً وعقلاً...
(الأمر الثاني): أن يكون مخلصاً بتوجهه للزيارة لا يبتغي منها النفع المادي والسمعة والوجاهة فإن ذلك أمراً منهياً عنه شرعاً ، فحينما يزور المؤمن مقاماً من مقاماتهم الشريفة لا ينبغي أن تكون زيارته لأجل قضاء الحاجة المادية والمعنوية بل ينبغي أن تكون لوجه الله والمحبة للإمام عليه السلام والتشوق إليه والإستكانة بين يديه كانه حاضر لديه.
(الأمر الثالث): أن يكون موطناً نفسه على نصرته ونصرة آبائه وأبنائه الطاهرين سلام الله عليهم بأن يعرض النصرة عليه بكلِّ ما أُوتي من قوة وصلابة في الموقف والذود عنه...كما أفصح خبر زرارة عن مولانا الإمام الصادق عليه السلام:" ...ثم يأتونا فيخبرونا بولايتهم ويعرضوا علينا نصرهم ".
(الأمر الرابع): أن تكون من نية الزائر لأي مقام من تلك المقامات الطاهرة رؤية الإمام الحجة القائم والتشرف بخدمته، وهو ما أفصحت عنه بعض الأخبار كصحيحة عبد الله بن سنان قال: أتيت أبا عبد الله عليه السلام فقلت له : جعلني الله فداك ما معنى قول الله عز وجل * ( « ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ » ) * ؟ قال : « أخذ الشارب وقصّ الأظفار وما أشبه ذلك » قال : قلت : جعلت فداك فإنّ ذريحاً المحاربي حدّثني عنك أنك قلت « لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ » لقاء الإمام « وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ » تلك المناسك، قال : « صدق ذريح وصدقت ، إنّ للقرآن ظاهراً وباطناً ، ومن يحتمل ما يحتمل ذريح ؟ ! ».
(الأمر الخامس): أن يطلب العفو من الله تعالى ومنهم عليهم السلام لتقصيره بأداء الفرائض ونشر فضائلهم وكراماتهم ومعارفهم والجبن أمام أعدائهم والمشككين بهم وبمعارفهم ومعاجزهم وظلاماتهم...لأن الجبن أمام الأعداء والمشككين هو ذنبٌ ما بعده ذنب، فيجب على المؤمن الزائر أن يطلب العفو والمغفرة بسبب ما جنته يداه وانطوى عليه قلبه، ويجب عليه أن يعقد قلبه وهو عند الضريح المقدس على وجوب النصرة لهم والذود عنهم ومحاربة البترية المتظاهرين بالولاء لهم وهم أشد خطراً من الأعداء المعروفين من بقية الفرق الضالة الكافرة...ولو أن المؤمنين الغيارى وطنوا أنفسهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا سيما المنكرات العقائدية كالتشكيك بمقاماتهم وشعائرهم ومعارفهم ...لما كنا وصلنا إلى الانحطاط الذي تفشي في الوسط الشيعي بسبب معممين بتريين لا يخافون الله تعالى يهددون ويرعدون بالتخويف والوعيد للموالين المخلصين...لو أنهم تكاتفوا فيما بينهم ضد تيار البترية لما كنا في حالة ضعف وانهيار وانحلال...!!
والله تعالى هو الموفق للصواب والهادي إلى الرشاد وهو حسبي عليه توكلت وإليه أُنيب...والسلام عليكم
 
 
يا قائم آل محمد أغثنا وانصرنا وارشدنا للصواب والحكمة..صلى الله عليك..صلى الله عليك...صلى الله عليك
حررها كلبهم الباسط ذراعيه بالوصيد
 يترصد أعداءهم /محمد جميل حمود العاملي
لبنان/  بتاريخ 27 ذي الحجة 1435هـ.

 

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2014/10/29   ||   القرّاء : 9225




أحدث البيانات والإعلانات :



 بيان في نعي آية الله الفقيه المجاهد السيّد محمّد تقي الطباطبائي القمّي (أعلى الله مقامه)

 بيان بتحديد يوم عيد الفطر من عام 1437 هـ

 بيان هام بمناسبة هدم قبور ائمتنا الطاهرين عليهم السلام في البقيع الشريف بالمدينة المنورة

 بيان صادر عن مكتب المرجع الديني آية الله المحقق الشيخ محمد جميل حمود العاملي (دام ظلّه الوارف) بشأن أزيز الرصاص وقنابل المفرقعات في بيروت

 بيان مقتضب في ذكرى ولادة الإمام الأعظم أسد الله الغالب مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام

 رداً على نائب رئيس المجلس الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان حول نعته لعامة الشيعة المبغضين لأبي بكر وعمر بأنهم أولاد حرام

 فوضى الحزب في الضاحية الجنوبية

البحث في القسم :


  

جديد القسم :



 هل من المعقول أن ينجب المؤمن ألف ذكر في دولة الإمام المعظم الحُجَّة القائم (سلام الله عليه) ؟

 الإجازة الإجتهادية اليوم تُباع وتُشترى فلا قيمة علمية لها..!!

 هل ورد عن لسان المعصومين عليهم السلام: أن صفاته عين ذاته ؟ أو هي قول الفلاسفة والحكماء ؟

 هل هناك نباتات وحيوانات ناصبية ؟

 ما هو رأيكم في الشيخ حسن اللهياري ؟

 لماذا تترحمون على الصدوق بينما تتبرؤون من محمد حسين فضل الله ومحمد باقر الصدر..؟!

 هل صحيح ما جاء في تفسير الإمام العسكري (سلام الله عليه) من أن الآية (وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً) هي بيان في فضيلة لرسول الله وأمير المؤمنين علي (سلام الله عليهما)؟

ملفات عشوائية :



 يجوز أخذ الفائدة من البنوك الكافرة

 جمع القران الكريم

 الإقتراض الربوي حرام شرعاً

 عدم إستحالة صدور الفاحشة من زوجة نبي بعد موته / لم يثبت زواج عثمان من ربائب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم

 مفهوم التورية في الإسلام وحدُّها الشرعيّ

 هل يحق للحاكم التدخل في الشعائر الحسينية؟

 هل يجوز القول في أعداء آل محمد عليهم السلام بالفحش من القول؟

جديد الصوتيات :



 ــ(9)ــ إثبات ارتداد الصنمين من خلال الأخبار الشريفة

 ــ(8)ــ تفسير قوله تعالى ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم

 ــ(7)ــ تكفير الصنمين من خلال الآيات الدالة على كفرهما ــ(الحلقة الثانية)ـ

 ــ(6)ــ تكفير الصنمين من خلال الآيات الدالة على كفرهما

 ــ(5)ــ تفنيد دعوى السيد الخوئي حول نفي النصب والعداوة عن أعمدة السقيفة بالوجوه 9و10و11 ــ(الحلقة الخامسة)ــ

 ــ(4)ــ تفنيد دعوى السيد الخوئي حول نفي النصب والعداوة عن أعمدة السقيفة ــ(الحلقة الرابعة)ــ

 ــ(3)ــ تفنيد دعوى السيد الخوئي حول نفي النصب والعداوة عن أعمدة السقيفة ــ(الحلقة الثالثة)ــ

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 17

  • الأقسام الفرعية : 52

  • عدد المواضيع : 1443

  • التصفحات : 6658644

  • التاريخ : 22/08/2017 - 10:23

||   Web Site : www.aletra.org   ||   
 

 Designed, Programmed & Hosted by : King 4 Host . Net