• الصفحة الرئيسية

ترجمة آية الله العاملي :

المركز :

بحوث فقهيّة وعقائديّة/ اردو :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • مجلّة لسان الصدق الباكستانيّة (3)
  • بحث فقهي عن الشهادة الثالثة (1)

محاضرات آية الله العاملي :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • سيرة الإمام الحجّة (عج) (121)
  • مظلوميّة الصدِّيقة الطاهرة فاطمة (ع) (18)
  • شبهات وردود حول فقه السيرة الحسينية (12)
  • من هم أهل الثغور؟ (1)
  • متفرقات (4)
  • التطبيرالشريف ... شبهات وردود (1)
  • رد الشبهات عن الأئمة الأطهار (ع) (0)
  • الشعائر الحسينية - شبهات وردود (محرم1435هـ/2014م) (7)
  • زيارة أربعين سيّد الشهداء (ع) (2)
  • البحث القصصي في السيرة المهدوية (22)
  • سيرة الإمام زين العابدين عليه السَّلام (6)

أدعية وزيارات ونعي :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • أدعية (13)
  • زيارات (9)
  • نعي، لطميّات (4)

العقائد والتاريخ :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • شبهات وردود (362)
  • عقائدنا في الزيارات (1)

الفقه :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • إستفتاءات وأجوبة (641)
  • أرسل سؤالك

علم الرجال :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • البحث في الأسانيد (65)

مواضيع مشتركة ومتفرقة :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • فقهي رجالي (9)
  • فقهي عقائدي (26)
  • فقهي أصولي (11)
  • فقهي تاريخي (5)
  • عقائدي أخلاقي (1)
  • فقهي تفسيري (3)
  • أصولي تاريخي (1)
  • عقائدي رجالي (10)
  • فقه الزيارات (2)
  • فقهي شعائري (9)
  • طبّي روحاني (1)
  • عقائدي تفسيري (7)
  • أصولي رجالي (3)
  • فقهي سياسي (1)
  • فقهي - عقائدي - رجالي (2)
  • منطقي وأصولي ورجالي وتفسيري وفقهي (1)
  • عقائدي توحيدي (1)
  • عقائدي قرآني (1)
  • قصص (1)
  • ولائي / عرفاني (1)
  • جيولوجي تكويني (1)

فلسفة ومنطق :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • فلسفة ومنطق (2)

تفسير :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • رسائل تحقيقيّة (3)

مؤلفات آية الله العاملي :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • مؤلفات عقائديّة (12)
  • مؤلفات فقهيّة (10)

نصائح :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • نصائح (3)

بيانات :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • بيانات وإعلانات (22)

مراسلات :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • مراسلات زوّار الموقع للمركز (5)

أخلاق :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • مواضيع أخلاقيّة (3)

آراء خاصّة :

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • آراء (1)

المؤلفات والكتب :

 
 
 

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية لهذا القسم
  • أرشيف مواضيع هذا القسم
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا

 
 • يا مهدي مدد . يا قائم آل محمّد أغثنا من النواصب . يا كهفنا الحصين أغثنا . كهيعص . ألم . يا كهف الورى انصرنا بحق جدّتك الطاهرة الزكيّة سيّدة نساء العالمين الزهراء البتول (عليها السلام) وبحق عمّتك الطاهرة الزكيّة الحوراء زينب (عليها السلام) • 
  • القسم الرئيسي : العقائد والتاريخ .

        • القسم الفرعي : شبهات وردود .

              • الموضوع : من هم المرجئة؟ .

من هم المرجئة؟

الإسم : *****

النص :
بسمه تعالى
اللهم صلِّ على محمد وال محمد وعجِّل فرجهم وألعن أعداءهم
مولانا فقيه أهل البيت عليهم السلام المحقق وحيد جبل عامل سماحة الشيخ محمد جميل حمود العاملي دام ظله الوارف 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 
سماحة المرجع بودي أن أطرح هذا السؤال على سماحتكم وأرجو الرد:  قرأت عن المرجئة لكنني لا أطمئن الا بتحقيق سماحتكم فأرشدني وأفهمني أدام الله تعالى ظلكم 
أولاً:  من هم المرجئة  ؟.
ثانياً: هنالك من يدعي التشيع يستدل بهذه الآية على عدم تخصيص رحمة الله :( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصرى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون( .
واستدلال بالتالي:
إذا كان من نسميهم كفار سيدخلون الجنة بصريح القرآن فما بالنا بالصالحين من الفرق الإسلامية
المختلفة 
ثالثاً هل هؤلاء من المرجئة ؟
شكراً لسماحتكم على سعة صدركم حفظكم الله تعالى بحق مولانا الإمام المهدي عليه السلام 
خادمكم المقصرأبو فاطمة
 
 
 
المواضيع العقائدية:
  من هم المرجئة؟ البحث في عدة نواحٍ / الناحية الأولى: معنى المرجئة لغةً واصطلاحاً / الأسباب الداعية إلى تسمية المرجئة بهذا الإسم / الناحية الثانية: تأسيس الفرقة المرجئية / نطريتان حول تأسيس الفرقة المرجئية / نظريتنا حول المؤسس للفرقة المرجئية / الإرجاء قام على أصلين هما البراءة من آل البيت سلام الله عليهم والتحلل من العمل بالأركان الشرعية / الناحية الثالثة: تحليل عقيدة الإرجاء / الإيراد على عقيدة المرجئة بثلاثة أمور/ لماذا تجب البراءة من أتباع الفرقة المرجئية؟ / الأسباب الداعية إلى وجوب البراءة من المرجئين / الناحية الرابعة: آراء ونظريات حول تعريف الإيمان / الإيراد على بعض النظريات حول تعريف الإيمان / الإيمان كلُّه عمل / الآيات والأخبار الكاشفة عن أن الإيمان كلّه عمل / الروايات المتواترة في تكفير المرجئين / المرجئة هم يهود هذه الأمة / الإيراد على الشبهة القائلة بأن الكفار سيدخلون الجنة وكذلك المرجئيون.
 
بحثٌ حول مذهب المرجئة:
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمانِ الرَّحِيمِ
 
   الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلقه رسول الله وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة السرمدية على أعدائهم ومبغضيهم من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين..وبعد.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
  نتمنى لكم التوفيق والسداد وندعو الله تعالى لكم بالنصر على الأعداء بمحمدٍ وآله الأطهار... وها نحن نستعرض أسئلتكم ونجيب عليها بعون الله تعالى:
السؤال الأول: من هم المرجئة ؟
الجواب على السؤال الأول:
جواباً على سؤالكم حول معرفة المرجئة لا بدّ لنا من البحث في الكشف عنها من عدة نواحٍ هي الآتية:
(الناحية الأولى): معنى المرجئة لغةً واصطلاحاً:
  فقد عرَّفها اللغويون ومنهم ابن منظور في لسان العرب فقال:" المرجئة لغةً على وزن المفعلة بصيغة الفاعل من أرجأ الأمر: أي أخّره؛ رجأ : أَرْجَأَ الأَمرَ : أي أَخَّرَه ، وتركُ الهَمْز لغة .ابن السكيت : أَرْجَأْت الأَمْرَ وأَرْجَيْتُه إذا أَخَّرْتَه .وقُرئَ : أَرْجِه وأَرْجِئْه .
وقوله تعالى : تُرْجِئُ مَنْ تَشاءُ منهنّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ .قال الزجاج : هذا مما خَصَّ اللَّه تعالى به نَبِيَّه محمداً صلى اللَّه عليه وسلم ، فكان له أَن يُؤَخِّرَ مَنْ يَشاءُ مِن نِسائه ، وليس ذلك لغيره من أُمته ، وله أَن يَرُدَّ مَنْ أَخَّر إلى فِراشِه . وقُرئَ : وآخَرُون مُرْجَؤُون لأَمْرِ اللَّه أَي مُؤَخَّرون لأَمر اللَّه حتى يُنْزِلَ اللَّه فيهم ما يُرِيد . وفي حديث تَوْبةِ كَعْب بن مالك : وأَرْجَأَ رسولُ اللَّه ، صلى اللَّه عليه وسلم ، أَمْرَنا أَي أَخَّرَه .
والإِرْجاءُ : التأْخير ، مهموز . ومنه سميت المُرجِئةُ مثال المُرْجِعةِ . يقال : رَجلٌ مُرْجِئٌ مثال مُرْجِعٍ ، والنسبة إليه مُرْجِئِيٌّ مثال مُرْجِعِيٍّ . هذا إذا همزت ، فإذا لم تهمز قلت : رَجلٌ مُرْجٍ مثال مُعْطٍ ، وهم المُرْجِيَّة ، بالتشديد ، لأَن بعض العرب يقول : أَرْجَيْتُ وأَخْطَيْت وتَوَضَيْتُ ، فلا يَهْمِز . وقيل : مَن لم يَهمز فالنسبة إليه مُرْجِيٌّ .
والمُرْجِئةُ اصطلاحاً : صِنْفٌ من المسلمين يقولون : الإِيمانُ قَوْلٌ بلا عَمَل ، كأَنهم قدّمُوا القَوْلَ وأَرْجَؤُوا العمل أَي أَخَّروه ، لأَنهم يرون أَنهم لو لم يُصلُّوا ولم يَصُومُوا لنَجَّاهم إيمانهم .
    قال ابن الأَثير : ورد في الحديث ذكر المُرْجِئةِ ، وهم فِرْقةٌ من فِرَق الإِسلام يَعْتقدون أَنه لا يَضُرُّ مع الإِيمان مَعْصِية ، كما أَنه لا ينفع مع الكفر طاعة ؛ سموا مُرْجِئةً لأَنّ اللَّه أَرْجَأَ تعذيبَهم على المعاصي أَي أَخَّرَه عنهم".
  وأخَّر الله تعالى عنهم العذاب بمعنى الإبعاد والإسقاط الذي هو فرع العفو والرحمة ، فيكون المعنى أن الله أسقط عنهم العقاب يوم القيامة بسبب حسن اعتقادهم لا بمعنى التأجيل الذي هو فرع العقاب والكفر؛ مع أن الأخبار الشريفة حكمت عليهم بالكفر والإلحاد، لذا توجب علينا البحث في خلفية المرجئة وحقيقتها ولماذا سميت بهذا الإسم ومن المؤسس لها...فنقول وبالله تعالى نستعين:
 إن السرّ في تسميتهم بالمرجئة هو ثلاثة أمور:
  (أحدهما): لأنهم يعتقدون بأن الله تعالى يسقط عنهم العقاب يوم القيامة؛ و(ثانيهما): لأنهم يبنون على الأمل والرجاء في عفو الله عنهم بسبب اعتقادهم؛ وكلا المعنيين مرادان في التسمية؛ و(ثالثهما):أنهم إنما سموا بالمرجئة لأنهم أخّروا الإعتقاد بحقِّ الإمام الأعظم أسد الله الغالب مولانا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهما السلام وعثمان وطلحة والزبير وإرجاء أمرهم إلى الله تعالى والتوقف فيهم، وهو ما شهدت له النصوص التاريخية كما سوف نبيّن لاحقاً .
 
     والمتفحص في حقيقة اعتقاد المرجئة يرى أنهم يبنون عقيدتهم في الإيمان على أنه مجرد الإقرار باللسان وإنْ لم يكن مصاحباً للعمل، فأخذوا من الإيمان جانبَ القول وتركوا جانبَ العمل، فكأنهم قدّموا الأول وأخّروا الثاني بمقولتهم تحت شعار:« لا تضر مع الإيمان معصية ولا تنفع مع الكفر طاعة »؛ وهي عقيدة يهودية ونصرانية تبرر قبائح أفعالهم وأنها مباحة شرعاً من عند الله تعالى... 
  والمرجئة والخوارج على طرفي نقيض، وإنْ اشتركا في حيثية البغض لأهل البيت عليهم السلام لا سيَّما بغضهم للإمام الأعظم أمير المؤمنين علي عليه السلام .. فالمرجئة لا تشترط العمل في حقيقة الإيمان وترى العاصي ومرتكب الذنوب صغيرها وكبيرها مؤمناً حتى تارك الصلاة والصوم استخفافاً وعناداً ... بينما الخوارج يضيّقون الأمر فيرون مرتكب الكبيرة كافراً، لأجل ذلك - بحسب نظر بعض العلماء - قاموا بتكفير عثمان بسبب ارتكابه للكبائر كالإنفاق على بني أمية دون غيرهم من المسلمين؛ وكذلك تكفيرهم لأمير المؤمنين علي عليه السلام لقبوله التحكيم وإنْ كان عن اضطرارٍ ...ولكنَّ التحليلَ المذكور غيرُ صحيحٍ؛ وذلك لأن تكفيرهم لعثمان وأمير المؤمنين عليه السلام إنَّما كان لأجل وقوفهما بوجه عائشة، ولا يخفى على أحدٍ عداوتها لأمير المؤمنين عليّ (سلام الله عليه)؛ وأمَّا عثمان فكان على عداوة مع عائشة لأسبابٍ شخصية، منها: منعه زيادة العطاء لها، من هنا أفتت بكفره وبقتله، ولها مقولة مشهورة:« اقتلوا نعثلاً فقد كفر». ولو كان السبب عند المرجئة في تكفيرهم لأمير المؤمنين عليه السلام ولعثمان كما جاء في الدعوى المذكورة لكان الأولى تكفير الصنمين الأولين (أبي بكر وعمر ) إذ لا يخفى على أحدٍ من المسلمين ما ارتكباه من جنايات تقشعر منها الجلود والقلوب، لذا فإن الصواب هو أن التكفير كان لأجل رفعة الصنمين الأولين على مَنْ جاء بعدهما ليبقى بريق الصنمين الأولين بنظر أنصارهما فوق كلّ بريق إلى يوم القيامة...!.
 وفي مقابل المرجئة والخوارج، هناك فرقة ثالثة هي المعتزلة الذين يعتقدون بأن مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا فاسق بل هو في منـزلة بين المنـزلتين، فزعموا أنهم أخذوا بالقول الوسط بين المرجئة والخوارج.
  والقول المشهور عند الإمامية - بل هو مجمعٌ عليه - بأن تارك الكبيرة مؤمن فاسق، فهو مؤمن بعقيدته لكنه فاسق بعمله .. لأن العمل شرطٌ وجزء في حقيقة الإيمان، وهذا الجزء والشرط قد أسقطه المرجؤون لإعتقادهم الفاسد بأن الله أرجأ تعذيبهم على المعاصي، أي أخرّها عنهم وأسقطها من سجل عقابه للعاصين والكافرين ...! فالعمل عند المرجئة ليس مقوِّماً للإيمان أو بعضه بل هو مجرد الإقرار باللسان، وبعض المرجئين قال: بأن الإيمان هو مجرد الإقرار باللسان بأن الله واحد ومحبة الله بالقلب ...وبالتالي لا عمل أصلاً بل يكفي الإقرار باللسان بأن الله واحد أحد.
  والخلاصة: إن الإيمان عند المرجئة يتألف من ثلاثة أمور:
  1- تقديم القول على العمل، أي الإقرار باللسان على العمل بالأركان.
  2- تأخير القول بمعنى إسقاط العقاب على ترك المعاصي.
  3- تأخير القول في حق أمير المؤمنين علي عليه السلام وعثمان وطلحة والزبير وإرجاء أمرهم إلى الله تعالى بالتوقف فيهم، وهذا ما صرّح به الصرخي في العراق حيث اعترف بأن مصير الإمام علي عليه السلام وبعض الصحابة غير معلومٍ لهم يوم القيامة .. من هنا نحن أول من أطلق عليه بالمرجئ وعلى ضوئه افتينا بكفره لشكه في إيمان أمير المؤمنين عليّ عليه السلام وميله إلى أعدائه كعمر وأبي بكر .
  (الناحية الثانية): تأسيس الفرقة المرجئية.
  هناك نظريتان رائجتان حول تأسيس الفرقة المرجئية هما الآتي:
  (النظرية الأولى): أن المؤسس لها هو الحسن بن محمد بن الحنفية، وكانت فكرة تأسيسه للإرجاء تقوم على تقديم القول في الشيخين وتصديقهما وتأخير القول في حق أمير المؤمنين علي عليه السلام وعثمان وطلحة والزبير وإرجاء أمرهم إلى الله تعالى والتوقف فيهم، ولم تكن فكرته يومذاك على تقديم القول أو الإذعان القلبي بالله وتأخير العمل ...بل كانت فكرة بترية تريد رفع صنمي قريش على الإمام الأعظم أمير المؤمنين عليه السلام، ويشهد لهذه النظرية ما رواه المخالفون من نصوص تدل على التوقف في حقِّ أمير المؤمنين الإمام الأعظم أبي الحسن عليّ عليه السلام وعثمان، منها:
1- ما رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ج5 ص328 فقال: "كان الحسن بن محمد بن الحنفية أول من تكلم بالإرجاء، وعن زاذان وميسرة أنهما دخلا على الحسن بن محمد بن الحنفية، فلاماه على الكتاب الذي وضعه على الإرجاء، فقال لزاذان: يا أبا عمرو لوددت أنّي مِتُّ ولم أكتبه، وتوفى في خلافة عمر بن عبد العزيز ....". راجع بحوث في الملل ج3 ص67.
2- ما رواه ابن كثير في البداية والنهاية ج9 ص140 فقال في ترجمة الحسن: "وكان عالماً فقيهاً، عارفاً بالاختلاف والفقه، وقال أيوب السختياني وغيره: كان أول من تكلّم في الإرجاء، وكتب في ذلك رسالة ثم ندم عليها، وقال غيرهم:كان – أي الحسن بن محمد – يتوقف في عثمان وطلحة والزبير فلا يتولاهم ولا يذمهم، فلمّا بلغ ذلك أباه محمد بن الحنفية ضربه فشجه وقال: ويحك ألا تتولّى أباك عليَّاً..؟!...".
3- ما رواه ابن عساكر في تاريخه ج4 ص246: "قال عثمان بن ابراهيم بن حاطب: أول من تكلم في الإرجاء هو الحسن بن محمد، كنت حاضراً يوم تكلم وكنت مع عمي في حلقته وكان في الحلقة جحدب وقوم معه، فتكلموا في عليّ وعثمان وطلحة والزبير فأكثروا، والحسن ساكت ثم تكلم فقال: قد سمعت مقالكم وأرى أن يرجأ عليٌّ وعثمان وطلحة والزبير فلا يتولّى ولا يتبرأ منهم ثم قال: فقمنا، فقال لي عمر: يا بني ليتخذنَّ هؤلاء هذا الكلام إماماً، فبلغ أباه محمد بن الحنفية ما قال، فضربه بعصاً فشجه وقال: ألا تتولى أباك عليّاً، ودخل ميسرة عليه فلامه على الكتاب الذي وضعه في الإرجاء، فقال: وددت أني كنت متُّ ولم أكتبه..."
  (النظرية الثانية): إن المؤسس لها هم جماعة من الشكَّاك الذين شكَّوا في خلاف أمير المؤمنين مع عثمان وما جرى على الأخير من اعتراضات من قبل المسلمين ومنهم أكابر الصحابة عند أمير المؤمنين كعمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر وغيرهما ...
  قال ابن عساكر في تاريخ دمشق ج 39 ص 496:« أما المرجئة فهم الشكاك الذين شكوا فكانوا في المغازي فلما قدموا المدينة بعد قتل عثمان وكان عهدهم بالناس وأمرهم واحد ليس فيهم اختلاف فقالوا تركناكم وأمركم واحد ليس فيكم اختلاف وقدمنا عليكم وأنتم مختلفون فبعضكم يقول قتل عثمان مظلوما وكان أولى بالعدل وأصحابه وبعضكم يقول كان علي أولى بالحق وأصحابه كلهم ثقة وعندنا مصدق فنحن لا نتبرأ منهما ولا نلعنهما ولا نشهد عليهما ونرجئ أمرهما إلى الله حتى يكون الله هو الذي يحكم بينهما وأما من لزم الجماعة
فمنهم سعد بن أبي وقاص وأبو أيوب الأنصاري وعبد الله بن عمر وأسامة بن زيد وحبيب بن مسلمة الفهري وصهيب بن سنان ومحمد بن مسلمة في أكثر من عشرة آلاف من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) والتابعين لهم بإحسان قالوا جميعا نتولى عثمان وعليا لا نتبرأ منهما ونشهد عليهما وعلى شيعتهما بالإيمان ونرجو لهم ونخاف عليهم وأما الصنف الخامس فهم الحرورية قالوا نشهد على المرجئة بالصواب ومن قولهم حيث قالوا
لا نتولى عليا ولا عثمان ثم كفروا بعد حيث لم يتبرؤوا ونشهد على أهل الجماعة بالكفر..».
 هاتان نظريتان مشهورتان حول المؤسس الأول لفرقة المرجئة لكنهما ليستا تامتين، والصحيح هو ما ظهر لنا في النظرية الثالثة وهي الآتي:
  (النظرية الثالثة): إعتقادنا بأن المؤسس لها هم جماعة من أنصار أعمدة السقيفة، ونعتمد على النصوص العامة والخاصة التي دلت على قيام فرق ومذاهب بعد أن اغتصبت خلافة امير المؤمنين علي عليه السلام ومنها فرقة الإرجاء التي أقصت أهل البيت عليهم السلام عن مكانتهم السامية وأدخلت الشك في كل من وقف بوجه أعمدة السقيفة ... ونميل إلى أن الفرقة البترية هي المؤسس لفكرة الإرجاء كما هو ملحوظ في فكر المدرسة البترية من الهوى لأبي بكر وعمر على وجه الخصوص والعداوة لأمير المؤمنين وسيدة النساء عليهما السلام، ويشهد لما نقول من روايات القوم ما رواه ابن حبان في تهذيب التهذيب ج2 ص330 قال: « علماء الناس بالاختلاف وقال سلام بن أبي مطيع عن أيوب أنا أتبرأ من الارجاء ان أول من تكلم فيه رجل من أهل المدينة يقال له الحسن بن محمد وقال عطاء بن السائب عن زاذان وميسرة أنهما دخلا على الحسن بن محمد فلاماه على الكتاب الذي وضع في الارجاء فقال لزاذان يا أبا عمرو لوددت أني كنت مت ولم أكتبه وقال خليفة مات سنة ( 99 ) أو مائة وقيل غير ذلك في وفاته . قلت : المراد بالارجاء الذي تكلم الحسن بن محمد فيه غير الارجاء الذي يعيبه أهل السنة المتعلق بالايمان وذلك أني وقفت على كتاب الحسن ابن محمد المذكور أخرجه ابن أبي عمر العدني في كتاب الايمان له في آخره قال حدثنا إبراهيم بن عيينة عن عبد الواحد بن أيمن قال كان الحسن بن محمد يأمرني أن اقرأ هذا الكتاب على الناس أما بعد فانا نوصيكم بتقوى الله فذكر كلاما كثيرا في الموعظة والوصية لكتاب الله واتباع ما فيه وذكر اعتقاده ثم قال في آخره ونوالي أبا بكر وعمر ونجاهد فيهما لأنهما لم تقتتل عليهما الأمة ولم تشك في أمرهما ونرجئ من بعدهما ممن دخل في الفتنة فنكل أمرهم إلى الله إلى آخر الكلام فمعنى الذي تكلم فيه الحسن انه كان يرى عدم القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين في الفتنة بكونه مخطئا أو مصيبا وكان يرى أنه يرجئ الامر فيهما وأمَّا الارجاء الذي يتعلق بالايمان فلم يعرج عليه فلا يلحقه بذلك عاب والله أعلم ».
 هذا النصُّ واضح الدلالة في أن أصل فكرة الإرجاء هو لأجل الولاية للصنمين والبراءة من أعدائهما، ويؤكده النصّ الذي تقدم من توبيخ محمد بن الحنفية ابنه الحسن وقوله له:«ألا تتولى أباك عليَّاً »؛ ما يعني أن الخطة كانت محبوكة من قبل أنصار أعمدة السقيفة للتبري من أمير المؤمنين عليّاً عليه السلام.
 و النص الذي اعتمدناه في النظرية الثالثة لا يتعارض مع النظريتين الأولى والثانية الدالتين على أن المؤسس للفرقة الإرجائية هو الحسن بن محمد بن الحنفية الذي تاب بعد كتابته للرسالة في الإرجاء الذي أصبح إماماً في العقيدة الإرجائية، ولولا توبيخ محمد بن الحنفية رضي الله عنه لإبنه الحسن لكان مات على غير الولاية لجده أمير المؤمنين سلام الله عليه مما يدل على عظم إيمان محمد بن الحنفية وثباته على الإيمان بشقيه(الولاية والبراءة) بالرغم من الحملات التشكيكية التي بثها عليه بنو أمية واختلقوا روايات تذمه تأثر بها ضعاف النفوس من المعممين في وقتنا الحاضر ممن ليس لديهم خبرة في تحقيق الأسانيد والمتون ورعاية قواعد الترجيح المعمول بها في الوسط العلمي الجعفري، وهي مصيبة على التشيع تتلاعب به صبيان يحسبون أنفسهم علماء وهم في الواقع عوام من العيار الثقيل...!.
  عود على بدء: لقد قامت الفرقة المرجئية - تحت تأثير الدعاية الأموية - لأجل تأسيس حالة إيمانية جديدة جلُّ همّها تبرأة عثمان من الأحداث المنسوبة إليه، كما أن همَّها هو تنزيه أعمدة السقيفة من الأحداث المؤلمة التي صبوها على عميدي البيت الهاشمي عنيت بهما: أمير المؤمنين وسيّدة نساء العالمين عليهما السلام؛ وتنزيه الناكثين بقيادة طلحة والزبير وعائشة حيث نقضوا البيعة لأمير المؤمنين (سلام الله عليه) ومن ثمّ الخروج على طاعته باعتباره إماماً مفترض الطاعة على عامة الخلق بنص الآيات والأخبار القطعية الصدور، فأكثروا الوقيعة في الإمام أمير المؤمنين عليه السلام من خلال الدعايات والروايات التي كذبوا بها على رسول الله التي أصبحت موضع جدلٍ بين المسلمين ما بين مؤيد ومستنكر، فكان لا بدّ لهم من سلوك أحد أمرين: إمَّا مواجهة المستنكرين لتلكم الأحاديث المكذوبة على رسول الله، وإمَّا أن يتوقفوا عن الكلام في حق الإمام أمير المؤمنين عليه السلام وعثمان وطلحة والزبير باختلاق فكرة الإرجاء بمعنى إرجاء الأمر إلى الله بحق هؤلاء...
  الإرجاء فكر سياسي يبتني على فكر ديني:
  إن الإرجاء - يوم تأسيسه - لم يظهر بصورة حزب سياسي لا علاقة له بالدين والمتدينين بل ظهر بصورة منهج فكري ديني التجأ إليه أصحابه ومؤسسوه خضوعاً للرغبات العقدية الفاسدة عندهم وليس لأجل الدعايات الفارغة وتسليماً لها كما صوّر ذلك الشيخ السبحاني في كتابه الملل والنحل، بل كانت الغاية من تأسيسه هو تحطيم ركني الإيمان المتمثل بمولانا أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) خليفة الرحمان؛ وإن كان للدعاية تأثير في ذلك إلا أنه تأثير جزئي يطال السذج من المسلمين الذين لا صلة لهم بواقع الأحداث ومجرياتها.
   إن الإرجاء قد تأسس على أصلين هما أصل المنهج الإرجائي لما فيه من تدعيم للسلطة الأموية والتفاف الناس حول حكامهم وحماية عروشهم؛ وهما التالي:
  (الأصل الأول): وهو التوقف وتحريم الكلام في حقّ بعض الصحابة سواء كانوا من الصف الأول عند المخالفين كأبي بكر وعمر أو كانوا من الصف الثاني كأمير المؤمنين (سلام الله عليه) وعثمان وطلحة والزبير وعائشة وحفصة؛ وقد ادّعى الشيخ السبحاني بأن:« هذا الأصل قد نسي في الآونة الأخيرة وحلّ أصلٌ آخر مكانه، بحيث لم يبقَ من الأصل الأول أثر بين المرجئة اللاحقة وفرقهم المختلفة وهو البحث عن تحديد الإيمان والكفر والمؤمن والكافر؛ فصار تحديد الإيمان بالاقرار دون العمل أو المعرفة القلبية دون القيام بالأركان، ركناً ركيناً لهذه الطائفة... ».
  دعوى الشيخ السبحاني المتقدمة مجافية للواقع والحقيقة، إذ إن المراقب للساحتين الفكريتين: الشيعية والأشعرية يرى خلاف ما ادعاه بل إن العمل بتحريم الكلام على بعض الصحابة اليوم قد أخذ حيِّزاً خطيراً من خلال تحمس بعض القيادات الدينية الشيعية ذات الميول السنية في تحريمهم القدح في بعض الصحابة والتجريح بهم ولو من باب استعراض مخازيهم ومنكراتهم وظلمهم لأهل البيت عليهم السلام...! فنحن لم ننسَ فتاوى محمد حسين فضل وتبعه الخامنئي في تحريمهما للكلام على أعمدة السقيفة، وقد عاونهما في نشر فتواهما ثلة من المعممين كالحيدري وأسد قصير والصرخي والأمين وياسر عودة والمؤيد...إلخ؛ وقد ترافق مع الفتوى الكثيرُ من الوعيد بالعقاب والتنكيل والإسقاط والتشهير، حتى صار اللاعن لبعض الصحابة المنافقين في الوسط الشيعي - من قبل من يسمَّى بالقائد - مستباح الدم وصار النظر إليه أقبح من النظر إلى فرعون ونمرود وقوم عاد وثمود وإخوان لوط، ويستحق العقاب وأليم العذاب وتستباح أمواله وتهتك عياله ويُساق إلى السجون كسوق العبيد إلى المقاصل والأعواد للصلب والإعدام...لا لشيء سوى أنه لعن ذاك الصحابي الذي سفك الدماء وهتك الأعراض وبدَّل الأحكام وابتدع البدع..بل صار الكلام بالعلم عن أولئك المنافقين جنايةً كبرى ليس بعدها جناية.. فصار الفقهاء والأعلام والعلماء كالعبيد المسجونة في الطوامير يلقون الحتوف ويتجرعون كؤوس الموت ويتمرغون في حسرات المنايا، ليس لهم من العذاب أبداً فرج إلى أن تخرج أرواحهم من أجسامهم وهي متلهفة إلى من كان العذاب لأجل رضاها أحلى من العسل وأعذب من الماء الزلال وأطيب من الغنى بعد الإقلال، أبعد هذا يقال بأن أصل التوقف عن الكلام في حق بعض الصحابة اللئام قد نسي في الآونة الأخيرة...! كلا ثم كلا بل إن الأصل الذي نفاه الشيخ السبحاني لا يزال هو الأصيل في عقيدة المرجئين.
 والمحصّلة: إن الأصل الأولي في عقيدة الإرجائيين يتناول حرمة الكلام على الصحابة بشكلٍ عام سواء كانوا منافقين أو مخلصين، ذلك لأن الإنسان – بحسب نظريتهم الفاسدة - قاصر عن تشخيص المخطئ والمصيب، فالواجب يدعوه إلى ترك الكلام والقدح في الصحابة مطلقاً، بل يترك أمر المخطئين إلى الله ويسلّم له الأمور فهو المحاسب وليس العباد، وهذا التسليم المبتني على باطل هو ما يطلبه دعاة المدرسة العمرية بمآزرة شذاذ الآفاق من عمائم شيعية بترية منحرفة حتى يجتنب الناس عن القضاء والحكم في أعمدة السقيفة ومن تلاهم من حكام بني أمية وبني العباس. 
  (الأصل الثاني): هو عقيدتهم باستقلال الاعتقاد بالله تعالى – المعرفة القلبية – وأنها كافية في دخول الإنسان في سلك المؤمنين من دون أن يكون للعمل تأثير في الصلاح والتقوى، آمرين بترك العمل بما أمر الله تعالى ونهى عنه ما يعني أنهم يبيحون الحرام وترك أقوال النبيّ وآله المعصومين (سلام الله عليهم) مما يعني الإستغناء عنها والعمل بالقاعدة التي سنَّها لهم عمر بن الخطاب« حسبنا كتاب الله » والكتاب كلُّه مجملات بحاجة إلى تفصيل من النبيّ وآله المعصومين ( سلام الله عليهم) وحبذا لعمر بن الخطاب وأعوانه وانصاره من المخالفين والبتريين من الشيعة.
  وهذا الاعتقاد المجرد عن العمل هو ما يثلج أفئدة الأمويين ومن سبقهم من أعمدة السقيفة الملعونة، باعتبار أن الإيمان المجرد الصرف كافٍ في حرمة قتال المنحرفين والظالمين لا سيما الظالمين للنبي وآله المعصومين عليهم السلام.
  (الناحية الثالثة): تحليل عقيدة المرجئة.
  لقد ادَّعى العلامة الشيخ جعفر السبحاني بأن عقيدة المرجئة خالية من نصوص المعارف الأخرى كالنبوة والإمامة، مدعياً بأنه لم يجد لها رأياً خاصاً في أبواب المعارف والعقائد سوى باب الإيمان والكفر ولم يجد في عقائدهم ما يشير من قريبٍ أو بعيدٍ رأياً حول النبوة والإمامة والوعد والوعيد ... إلخ، وهو محض الغلط والفساد؛ بل الإنصاف إن التدبر العميق في النص العقائدي الذي اعتمدوه كافٍ في إعطائنا صورة جلية حول حقيقة مذهبهم القائم على التحلل من التكاليف الشرعية ومن إنكارهم لإمامة أمير المؤمنين علي عليه السلام على وجه الخصوص .. لذا نجزم بضرسٍ قاطع بأن هذه الفرقة لا علاقة لها بالإسلام وإنما أوجدتها ظروف السقيفة، بدليل توقفهم عن الاعتقاد بإمامته المقدَّسة وإن تظاهروا بتوقفهم بخلافة عثمان، فإنه مجرد تمويه على الرأي العام الإسلامي .
  والخلاصة: إن اعتقاد المرجئة يدور حول الإيمان والكفر وما يلازمهما من أصول وفروع، فكلامهم يدور حول هذين الموضوعين وأساس نظريتهم قائم على أن الإيمان هو التصديق بالقلب أو التصديق بالقلب والإقرار باللسان، ومرادهم من التصديق هو التصديق بأن الله واحد أحد فقط، فأخرجوا العمل من حقيقة الإيمان واكتفوا بالتصديق القلبي بالعنوان الأولي وما يتفرع عليه من اللوازم الأصيلة كإنكار النبوة والإمامة وما يترتب على الإعتقاد بهما من أصول وفروع.. ولو سلّمنا جدلاً بما ادّعاه أنصار المرجئة اليوم من أن الفرقة المرجئية البترية الناصبية ليس لها رأيٌّ في أبواب المعارف سوى الإيمان والكفر فلا ريب في ترتيب آثار سلبية على اعتقادها.
 ويترتب على ذلك الأصل الأمور الآتية:
  (الأمر الأول): جمودهم على دعوى التصديق بالقلب من دون أن يكون العمل سبباً في زيادته يستلزم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص وبالتالي لا يكون العمل سبباً في زيادته وتركه سبباً في نقصانه.
  (الأمر الثاني): إن مرتكب المعصية الكبيرة لا يخلَّد في النار وإنْ لم يتب ولا يحكم عليه بالوعيد والعذاب قطعاً لاحتمال شمول عفوه سبحانه له، وهذا مخالف لآيات الكتاب الكريم وأحاديث النبيِّ الكريم صلَّى الله عليه وآله.
  (الأمر الثالث): إن مرتكب المعصية الكبيرة مؤمن حقيقة وذلك لكفاية التصديق القلبي أو الإقرار باللسان في الإتصاف بالإيمان.
  هذه أهم المحاذير المترتبة على الأصل الذي آمنوا به، وقد تأثر المخالفون بعامة مذاهبهم بهذه اللوازم المتفرعة من أصلهم الإعتقادي كالقول بعدم تخليد عصاة المؤمنين في النار وجواز تخلّف الوعيد الإلهي بالعقاب على العاصين دون الوعد بالجنَّة.
  إشكالٌ وحلٌّ:
  مفاد الإشكال: أنه إذا كانت حقيقة الإرجاء هو الإكتفاء في الحكم بأن الإيمان هو التصديق القلبي أو الإقرار باللسان، فما هو الوجه الشرعي في لعنهم والتبرّي منهم، إذ ليست هذه النظرية بمجردها سبباً للعن والتبري بهذه الدرجة ...؟!
  والجواب: إن سبب لعنهم والتبري ليس لأجل اعتقادهم بأن الإيمان هو التصديق بل ثمة سببان مهمان استلزما لعنهم والبراءة منهم هما الآتي:
  (السبب الأول): أنهم جردوا الأعمال من الإيمان ولم يعتقدوا بأنها من الفرائض ولم يتقيدوا بها في المجال العملي (الفعل والترك) ولأجل ذلك أصبح الإيمان عندهم يتلخص في التصديق القلبي والإقرار اللفظي ... وقد كشف الصاحب بن عبّاد في كتابه (الإبانة عن مذهب أهل العدل بحجج القرآن والعقل) ص23 المطبوع ضمن نفائس المخطوطات: راجع ص73-74.
  (السبب الثاني): وهو سبب رئيسي في وجوب لعنهم والبراءة منهم ويرجع إلى قولهم بالإرجاء بالمعنى الدال على التوقف في أمر الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام وعدم الحكم بشيء فيه من الإيمان وضده، وأي مصيبة واي ذنب أعظم من التوقف في إيمان أخي رسول الله صلى الله عليه وآله وصنوه ووزيره ...
  وهو الصدّيق الأكبر وأول المؤمنين وفاروق هذه الأمة وباب حطتها وسفينة نجاتها وعروته الوثقى وبابه الذي منه يؤتى ... أفي مثل هذا المجاهد يتوقف المرجئ في الحكم بإيمانه؟ قال الشاعر:
إنْ كنتَ لا تدري فتلك مصيبةٌ     وإنْ كنتَ تدري فالمصيبة أعظم.
  (الناحية الرابعة): آراء ونظريات حول تعريف الإيمان.
  اختلف علماء الخاصة والعامة في تعريفهم لحقيقة الإيمان ولهم أقوال أربعة، ولا بأس بعرضها والإيراد على الفاسد منها وهي الآتي:
  (القول الأول): الإيمان هو معرفة الله بالقلب فقط وإن أظهر صاحبه الديانة اليهودية والنصرانية وسائر أنواع الديانات المبتدعة وسائر أنواع الكفر بلسانه، فإذا عرف الله بقلبه فهو مؤمن، نُسب هذا القول إلى الجهم بن صفوان وغيره، وبات لهذا القول أنصار اليوم في الوسط الشيعي البتري ... ! .
  (القول الثاني): إن الإيمان هو إقرار باللسان بالله تعالى وشريعته وإن اعتقد صاحبه الكفر بقلبه، فإذا فعل ذلك فهو مؤمن، وهو قول محمد بن كرام السجستاني.
  (القول الثالث): الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان، وأن الأعمال ليست إيماناً ولكنها شرائع الإيمان، وهو قول جماعة من الفقهاء - بحسب تعبير الشيخ جعفر السبحاني في كتابه "الملل والنحل" - وقد اختاره من بين بقية الأقول وقال: "وهو الأقوى".
  (القول الرابع): الإيمان هو المعرفة بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح وأن كل طاعة واجبة، بل الأعم منها ومن النافلة، فهي إيمان، وكلَّما ازداد الإنسان عملاً إزداد إيماناً، وكلّما نقص نقص إيمانه.
  الصحيح من بين تلكم الأقوال هو القول الرابع ... وبقية الأقوال فاسدة من أساسها وإليكم التفصيل:
  أما القولان الأولان فهما متقابلان بين القلب واللسان، فالأول يقتصر على الإيمان في القلب وإن خالفه اللسان، والثاني يقتصر على الإيمان باللسان وإن اعتقد صاحبه بالكفر.
  الإيراد على القولين الأولين بالوجوه الآتية:
  (الوجه الأول): إن القول بأن الإيمان هو تصديق بالقلب وإن خالفه اللسان، يتعارض مع قول الله تعالى (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً) النمل14 وقوله تعالى (فلمّا جاءهم ما عرفوا كفروا به) البقرة89.
  كما أن الإيمان باللسان دون القلب يتعارض مع قوله تعالى (قالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم) الحجرات13.
  وبعبارةٍ أُخرى: إن الإيمان لغةً هو التصديق، والإيمان من الأمن بمعنى سكون النفس واطمئنانها لعدم وجود سبب الخوف، والآيات الكريمة في الكتاب كشفت عن هذه الحقيقة - حقيقة سكون النفس واطمئنانها - بقوله تعالى في مفردات متعددة نظير: آمنا بالله، آمنوا به، من آمن بالله، فآمن له لوط، وما أنت بؤمن لنا ...
  فحققية قوله (آمن به) أي أذعن به وسكنت نفسه واطمأنت بقبوله، فيؤول حرف "الباء" في الحقيقة إلى السببية، وهو تارةً يتعدى بالباء كقوله تعالى (آمنا بما أنزلت) وأخرى باللام كقوله تعالى (وما أنت بمؤمن لنا) (فآمن له لوط) ...
    فإذا كان الإيمان بمعنى التصديق لغةً فلا يكفي التصديق باللسان فقط أو بالجنان فقط بل لا بدَّ من اشتراط التصديق بالجنان واللسان، وهو ما أكد عليه الكتاب الكريم حيث دلت آياته الكريمة على أن الإيمان هو عبارة عن التصديق بالقلب الظاهر باللسان، أو ما يقوم مقامه، ولا يكفي واحدٌ منهما وحده ... فالتصديق القلبي من دون التعبير عنه باللسان غير كافٍ لقوله تعالى (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً) وقوله سبحانه (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) فأثبت لليهود المعرفة، وفي الوقت نفسه الكفر، وهذا يعرب عن أن الإستيقان النفسي لا بدَّ له من مُظهرٍ كالإقرار باللسان أو الكتابة أو الإشارة كما في الأخرس...
  وكذا الحال في عدم كفاية التصديق اللساني من دون التصديق القلبي لقوله تعالى (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ..) فالأعراب صدّقوا بألسنتهم وأنكروا بقلوبهم أو شكوا فيه، وهؤلاء الأعراب قد وصفوا أنفسهم بالإيمان على مقتضى اللغة وادعوا أنهم مصدّقون قلباً وجناناً، فردّ الله عليهم بأنهم مصدّقون لساناً لا جناناً وسمّاهم مسلمين ونفى كونهم مؤمنين.
  (الوجه الثاني): لقد أثبتت الآية14 من سورة النمل (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم..) بأن مجرد التصديق بالقلب غير كافٍ في حصول الإيمان، ذلك لأن الجحود إنَّما كان باللسان مع أنهم مستيقنون بالجنان، ما دل على وجود ترابط بين الجنان وإقرار اللسان، فإذا توفر أحدهما دون الآخر لا يسمى صاحبه مؤمناً بل دخل في سلك الكفار بنص الآية المتقدمة والآية 13 من سورة الحجرات (قالت الأعراب آمنا..) (الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم) المائدة44.
  (الوجه الثالث): إن أخبارنا الشريفة كشفت عن أن حقيقة الإيمان مربوطة بالعمل بالجوارح والأركان وإلا ارتحل الإيمان من القلب نظير قولهم عليهم السلام: (العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل عنه) (وأن الإيمان كله عمل كما كشفت عن أن الإيمان هو السكينة في الجنان (راجع الكافي ج2 ص15).
   (الخبر الأول): ما رواه الكافي بإسناده عن علي عن أبيه عن بكر بن صالح عن القاسم بن بريد عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : قلت له أيها العالم أخبرني أي الأعمال أفضل عند اللَّه قال ما لا يقبل اللَّه شيئا إلا به قلت وما هو قال الإيمان بالله الذي لا إله إلا هو أعلى الأعمال درجة وأشرفها منزلة وأسناها حظا قال قلت ألا تخبرني عن الإيمان أقول هو وعمل أم قول بلا عمل فقال الإيمان عمل كله والقول بعض ذلك العمل بفرض من اللَّه بين في كتابه واضح نوره ثابتة حجته يشهد له به الكتاب ويدعوه إليه قال قلت صفه لي جعلت فداك حتى أفهمه قال الإيمان حالات ودرجات وطبقات ومنازل فمنه التام المنتهي تمامه ومنه الناقص البين نقصانه ومنه الراجح الزائد رجحانه قلت إن الإيمان ليتم وينقص ويزيد قال نعم قلت كيف ذلك قال لأن اللَّه تعالى فرض الإيمان على جوارح ابن آدم وقسمه عليها وفرقه فيها فليس من جوارحه جارحة إلا وقد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به أختها فمنها قلبه الذي به يعقل ويفقه ويفهم وهو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح ولا تصدر إلا عن رأيه وأمره ومنها عيناه اللتان يبصر بهما وأذناه اللتان يسمع بهما ويداه اللتان يبطش بهما ورجلاه اللتان يمشي بهما وفرجه الذي الباءة من قبله ولسانه الذي ينطق به ورأسه الذي فيه وجهه 
فليس من هذه جارحة إلا وقد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به أختها بفرض من اللَّه تبارك وتعالى اسمه ينطق به الكتاب لها ويشهد به عليها ففرض على القلب غير ما فرض على السمع وفرض على السمع غير ما فرض على العينين وفرض على العينين غير ما فرض على اللسان وفرض على اللسان غير ما فرض على اليدين وفرض على اليدين غير ما فرض على الرجلين وفرض على الرجلين غير ما فرض على الفرج وفرض على الفرج غير ما فرض على الوجه . فأما ما فرض على القلب من الإيمان فالإقرار والمعرفة والعقد والرضا والتسليم بأن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له إلها واحدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأن محمدا عبده ورسوله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) والإقرار بما جاء من عند اللَّه من نبي أو كتاب فذلك ما فرض اللَّه على القلب من الإقرار والمعرفة وهو عمله وهو قول اللَّه تعالى « إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً » وقال « أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ » وقال « الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ  » وقال « إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ » فذلك ما فرض اللَّه تعالى على القلب من الإقرار والمعرفة وهو عمله وهو رأس الإيمان وفرض اللَّه تعالى على اللسان القول والتعبير عن القلب بما عقد عليه وأقر به قال اللَّه تعالى « وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً » وقال « قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ » فهذا ما فرض اللَّه تعالى على اللسان وهو عمله وفرض على السمع أن يتنزه عن الاستماع إلى ما حرمه اللَّه وأن يعرض عما لا يحل له مما نهى اللَّه تعالى عنه والإصغاء إلى ما أسخط اللَّه تعالى فقال في ذلك « وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ  » ثم استثنى اللَّه تعالى موضع النسيان فقال « وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » وقال « فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الأَلْبابِ » وقال تعالى « قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُون » وقال « إِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ » وقال « إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً » فهذا ما فرض اللَّه على السمع من الإيمان أن لا يصغى إلى ما لا يحل له وهو عمله وهو من الإيمان وفرض على البصر أن لا ينظر إلى ما حرم اللَّه عليه وأن يعرض عما نهى اللَّه عنه مما لا يحل له وهو عمله وهو من الإيمان فقال تبارك وتعالى « قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ» فنهاهم عن أن ينظروا إلى عوراتهم وأن ينظر المرء إلى فرج أخيه ويحفظ فرجه أن ينظر إليه وقال « وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ » من أن تنظر إحداهن إلى فرج أختها وتحفظ فرجها من أن ينظر إليها وقال كل شيء في القرآن من حفظ الفرج فهو من الزنا إلا هذه الآية فإنها من النظر .
ثم نظم ما فرض على القلب واللسان والسمع والبصر في آية أخرى فقال « وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ  » يعني بالجلود الفروج والأفخاذ وقال « وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا » فهذا ما فرض اللَّه على العينين من غض البصر عما حرم اللَّه وهو عملهما وهو من الإيمان وفرض على اليدين أن لا يبطش بهما إلى ما حرم اللَّه تعالى وأن يبطش بهما إلى ما أمر اللَّه عز وجل وفرض عليهما من الصدقة وصلة الرحم والجهاد في سبيل اللَّه والطهور للصلوات فقال « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤوُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ » وقال « فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها » .
فهذا ما فرض اللَّه على اليدين لأن الضرب من علاجهما وفرض على الرجلين أن لا يمشي بهما إلى شيء من معاصي اللَّه وفرض عليهما المشي إلى ما يرضى اللَّه تعالى فقال « وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا » وقال « وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ » وقال فيما شهدت الأيدي والأرجل في أنفسهما وعلى أربابهما من تضييعهما لما أمر اللَّه تعالى به وفرضه عليهما « الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ » .
فهذا أيضا مما فرض اللَّه على اليدين وعلى الرجلين وهو عملهما وهو من الإيمان وفرض على الوجه السجود بالليل والنهار في مواقيت الصلاة فقال « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  » وهذه فريضة جامعة على الوجه واليدين والرجلين وقال في موضع آخر « وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً  » وقال فيما فرض على الجوارح من الطهور والصلاة بها وذلك أن اللَّه تعالى لما صرف نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى الكعبة عن بيت المقدس فأنزل اللَّه تعالى « وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ » فسمى الصلاة إيمانا فمن لقي اللَّه تعالى حافظا لجوارحه موفيا كل جارحة من جوارحه ما فرض اللَّه تعالى عليها لقي اللَّه مستكملا لإيمانه وهو من أهل الجنة ومن خان في شيء منها أو تعدى ما أمر اللَّه عز وجل فيها لقي اللَّه عز وجل ناقص الإيمان قلت قد فهمت نقصان الإيمان وتمامه فمن أين جاءت زيادته .
فقال « قول اللَّه تعالى « وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ  » وقال « نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً » ولو كان كله واحداً لا زيادة فيه ولا نقصان لم يكن لأحد منهم فضل على الآخر ولاستوت النعم فيه ولاستوى الناس وبطل التفضيل ولكن بتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنة وبالزيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند اللَّه وبالنقصان دخل المفرطون النار » .
  (الخبر الثاني): الكليني في الكافي بإسناده عن أبي علي الأشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن صفوان أو غيره ، عن العلاء عن محمد بن مسلم ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : سألته عن الايمان فقال : شهادة
أن لا إله إلا الله [ وأن محمدا رسول الله ] والاقرار بما جاء من عند الله وما استقر في القلوب من التصديق بذلك ، قال : قلت : الشهادة أليست عملا ؟ قال : بلى ، قلت : العمل من الايمان ؟ قال : نعم الايمان لا يكون إلا بعمل والعمل منه ولا يثبت الايمان إلا بعمل .
 (الخبر الثالث): عن الكليني بإسناده عن عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى  عن عبد الله بن مسكان ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : قلت له : ما الاسلام ؟
فقال دين الله اسمه الاسلام وهو دين الله قبل أن تكونوا حيث كنتم وبعد أن تكونوا فمن أقر بدين الله فهو مسلم ومن عمل بما أمر الله عز وجل به فهو مؤمن .
 (الخبر الرابع): عنه عن أبيه عن النضر بن سويد ، عن يحيى بن عمران الحلبي ، عن أيوب ابن الحر ، عن أبي بصير قال : كنت عند أبي جعفر ( عليه السلام ) فقال له سلام : إن خيثمة ابن أبي خيثمة يحدثنا عنك أنه سألك عن الاسلام فقلت له : إن الاسلام من استقبل قبلتنا وشهد شهادتنا ونسك نسكنا ووالى ولينا وعادى عدونا فهو مسلم فقال : صدق خيثمة ، قلت : وسألك عن الايمان فقلت : الايمان بالله والتصديق بكتاب الله وأن لا يعصي الله ، فقال : صدق خيثمة .
 (الخبر الخامس): محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل بن دراج ، قال : سألت أبا عبد الله عن الايمان ، فقال : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، قال : قلت : أليس هذا عمل قال : بلى قلت : فالعمل من الايمان ؟ قال : لا يثبت له الايمان إلا بالعمل والعمل منه .
 (الخبر السادس ): عن بعض أصحابنا ، عن علي بن العباس ، عن علي بن ميسر ، عن حماد بن عمرو النصيبي قال : سأل رجل العالم ( عليه السلام ) فقال : أيها العالم أخبرني أي الأعمال أفضل عند الله ؟ قال : ما لا يقبل عمل إلا به ، فقال : وما ذلك ؟ قال : الايمان بالله ، الذي هو أعلى الأعمال درجة وأسناها حظا وأشرفها منزلة  قلت : أخبرني عن الايمان أقول وعمل أم قول بلا عمل ؟ قال الايمان عمل كله ، والقول بعض ذلك العمل
بفرض من الله بينه في كتابه ، واضح نوره ، ثابتة حجته ، يشهد به الكتاب ويدعو إليه ، قلت : صف لي ذلك حتى أفهمه ، فقال : إن الايمان حالات ودرجات وطبقات ومنازل فمنه التام المنتهى تمامه ومنه الناقص المنتهى نقصانه ومنه الزائد الراجح زيادته ، قلت : وإن الايمان ليتم ويزيد وينقص ؟ قال : نعم ، قلت : وكيف
ذلك ؟ قال : إن الله تبارك وتعالى فرض الايمان على جوارح بني آدم وقسمه عليها وفرقه عليها فليس من جوارحهم جارحة إلا وهي موكلة من الايمان بغير ما وكلت به أختها ، فمنها قلبه الذي به يعقل ويفقه ويفهم وهو أمير بدنه الذي لا تورد الجوارح ولا تصدر إلا عن رأيه وأمره ، ومنها يداه اللتان يبطش بهما ورجلاه اللتان يمشي بهما وفرجه الذي الباه من قبله ولسانه الذي ينطق به الكتاب ويشهد به عليها ، وعيناه اللتان يبصر بهما ، وأذناه اللتان يسمع بهما وفرض على القلب غير ما فرض على اللسان وفرض على اللسان غير ما فرض على العينين وفرض على العينين غير ما فرض على السمع وفرض على السمع غير ما فرض على اليدين وفرض على اليدين غير ما فرض على الرجلين وفرض على الرجلين غير ما فرض على الفرج وفرض على
الفرج غير ما فرض على الوجه ، فأما ما فرض على القلب من الايمان فالاقرار والمعرفة والتصديق والتسليم والعقد والرضا بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، أحدا ، صمدا ، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأن محمداً  صلى الله عليه وآله عبده ورسوله .
   تنبيه هام: الأخبار المتقدمة صريحة في أن الإيمان عمل كلّه، والقول بعض ذلك العمل، والمراد من القول هو التلفظ بالإيمان والإقرار به باللسان سواء أكان التلفظ بالشهادة لله ولرسوله ولأهل بيته الطاهرين سلام الله عليهم أو بالعبادات اللفظية كالصلاة والذكر والدعاء والتوسل والمناجاة... فالإيمان عقد في القلب وعمل بالأركان، وكلاهما مرتبطان ببعضهما البعض، فلا إيمان من دون عمل، ولا عمل من دون عقد قلبي...فهذه الأخبار الشريفة ردٌّ واضح على القول الثالث الذي تبناه الشيخ السبحاني القائل بأن الأعمال ليست إيماناً ولكنها شرائع الإيمان ...! إذ كيف لا تكون إيماناً مع أن الأخبار صريحة بأن الإيمان كله عمل...؟! ؛ فالصحيح هو أن الأعمال جزء مقوّم لحقيقة الإيمان على نحو جزء العلة.
  وبما تقدَّم معنا، يثبت صحة القول الرابع الذي تبنيناه والتزمنا به كعقيدةٍ ثابتةٍ كشفت عنها الأخبار الشريفة التي دلت على أن محلَّ الإيمان هو القلب، والكاشف عنه والمربوط به ارتباطاً وثيقاً هو العمل بالجوارح والأركان؛ وهل الإيمان إلا العمل بأركان الدين وبما أمر الله تعالى في كتابه الكريم؟ فالقلب هو الآمر، والجوارح هي القوى العاملة عنده والمنفذة لحكمه، والعمل حاكٍ عن طبيعة القلب ولولاه لتعطلت الجوارح عن وظائفها؛ وإليكم التفصيل في بيان أن العمل جزء من الإيمان بالوجوه الآتية:
  (الوجه الأول): آيات الكتاب الكريم:
  1- منها قوله تعالى (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم) الفتح4.
     تشير الآية الكريمة إلى وجود ترابط بين التصديق القلبي بالله تعالى وبين العمل بأوامره من خلال نبيه وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام ما يعني أن العمل بما أمروا يعتبر جزءً من الإيمان وأثراً من آثاره ...ولو كانت حقيقة الإيمان هو التصديق فقط مجرداً عن العمل، لما قبل الزيادة والنقيصة لأن التصديق أمره دائر بين الوجود والعدم، وهذا بخلاف ما لو كان العمل جزءً من الإيمان، فعندئذٍ يزيد وينقص حسب زيادة العمل ونقيصته، بمعنى أن هناك أعمالاً عبادية تزيد في إيمان المؤمن بربِّه وذلك لأن مجرد العلم بالشيء والجزم بكونه حقاً لا يكفي في حصول الإيمان واتصاف من حصل له به، بل لا بد من الإلتزام بمقتضاه وعقد القلب على مؤداه بحيث يترتب عليه آثاره العملية، فالذي حصل له العلم بأن الله تعالى لا شريك له فالتزم بمقتضاه وهو عبوديته وعبادته وحده كان مؤمناً ولو علم به ولم يلتزم فلم يأتِ بشيء من الأعمال المظهرة للعبودية كان عالماً وليس بمؤمنٍ.
  من هنا يظهر بطلان ما قيل: إن الإيمان هو مجرد العلم والتصديق وذلك لأن العلم ربما يجتمع مع الكفر، كذلك يظهر أيضاً بطلان ما قيل: إن الإيمان هو العمل المجرد من دون عقد قلبي، وذلك لأن العمل يجتمع مع النفاق، فالمنافق له عمل، ولكنّ عمله خالس من العقد القلبي وهو الإذعان والاعتقاد بالله تعالى وبما أنزل على رسوله وآله الطاهرين سلام الله عليهم، وربما كان ممن ظهر له الحق ظهوراً علمياً ولا إيمان له على أيِّ حال.
    والصحيح ما ذكرناه آنفاً: أن الإيمان هو العلم بالشيء مع الإلتزام به بحيث يترتب عليه آثاره العملية، وكلٌّ من العلم والإلتزام مما يزداد وينقص ويشتد ويضعف وبالتالي كان الإيمان المؤلف منهما قابلاً للزيادة والنقيصة والشدة والضعف، فاختلاف المراتب وتفاوت الدرجات من الضروريات التي لا يشك فيها قط.
  2- قوله تعالى (وما كان الله ليضيع إيمانكم) البقرة143 وهي آية في سياق الآيات الناسخة لقبلة بيت المقدس كما في قوله تعالى في الآية 142 (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم) ثم عرّج القرآن على الآية 143 بقوله تعالى (وكذلك جعلناكم أُمَّةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله، وما كان الله ليضيع إيمانكم...).
  فكانت صلاتهم إلى بيت المقدس إيماناً، أي: تصديقاً وعملاً، فأطلق التصديق على العمل، ما يعني أن العمل جزءٌ من الإيمان وليس شيئاً منفصلاً عنه وهو ما أكده إمامنا الصادق عليه السلام لما سئل عن الإيمان أقول هو وعمل أم قولٌ بلا عمل؟ فقال عليه السلام: الإيمان عمل كلُّه والقول بعض ذلك العمل مفترض من الله في كتابه واضح نوره ثابتة حجته ...
  فالعمل الصالح يزيد في الإيمان (والذين اهتدوا زدناهم هدى) (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) وكذلك على نقيض منه العمل السيء فإنه يضعف بالإيمان (وكان عاقبة الذين أساءوا السوءَ أن كذبوا بآيات الله).
   زبدة المخض: إن الصحيح من تلكم الأقوال هو القول الرابع القائل بأن العمل جزءٌ من الإيمان، وما عداه من أقوال تعرّف الإيمان باطلٌ ومخالف للآيات والأخبار الشريفة التي استعرض الكليني في الجزء الثاني من الكافي والمجلسي في البحار ج69 جملةً وافرة منها فلتراجع ...
  والروايات التي عرَّفت الإيمان بأنه معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان هي في الواقع ردٌّ على المرجئة التي تكتفي في الحياة الدينية بالقول والمعرفة وتؤخر العمل وترجو رحمة الله وغفرانه مع عدم القيام بالوظائف، وقد تظافر عن أئمة الهدى عليهم السلام الأخبار في لعن المرجئة، فقد روى الكليني في الصحيح  عن الإمام المعظَّم أبي عبد الله عليه السلام قال :« لعن الله القدرية ، لعن الله الخوارج ، لعن الله المرجئة، لعن الله المرجئة ، قال : قلت لعنت هؤلاء مرة مرة ولعنت هؤلاء مرتين ؟ قال : إن هؤلاء يقولون إن قتلتنا مؤمنون فدماؤنا متلطخة بثيابهم إلى يوم القيامة إن الله حكى عن قوم في كتابه لن نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ، قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين قال كان بين القاتلين والقائلين خمسمائة عام فألزمهم الله القتل برضاهم ما فعلوا ».
  وروى أيضاً عن أبي مسروق قال: سألني أبو عبد الله عليه السلام عن أهل البصرة ما هم؟ فقلت: مرجئة وقدرية وحورية ... قال: لعن الله تلك الملل الكافرة المشركة التي لا تعبد الله على شيء.
  والروايات في تكفير المرجئة كثيرة جداً باعتبارها فرقة لا تؤمن بالنصوص الشرعية وتجحد ولاية أهل البيت عليهم السلام وتثير روح العصيان والتمرد على الإمامة والأخلاق والأحكام الشرعية وتحرض المسلمين على اقتراف الذنوب والمعاصي رجاء المغفرة...وقد انتشرت الفرقة المرجئية في الوسط الشيعي في وقتنا الحاضر بشكلٍ مريع منذ أن نشأ حزب الدعوة في العراق، وهو حزب خطر على الشيعة بسبب ما يحمله من عقائد بترية توفق بين الولاء لأهل البيت عليهم السلام وبين أعدائهم من أعمدة السقيفة، وهذه الفرقة لها جذور قديمة منذ عصر الرسالة والولاية ولكنها كانت بترية ملفقة حتى عصر الإمام الباقر عليه السلام فتحولت إلى بترية استئصالية تريد بتر أمر آل محمد (عليهم السلام) من الأساس...وقد فصّلنا القول حول توجهاتهم في كتابنا الجديد حول معالم البترية الحديثة.
   والختام: الظاهر من الأخبار في المرجئة أنهم لا يكفّرون أحداً ، بل لا يخطئون محاربي أمير المؤمنين والأئمة صلوات الله عليهم ويقولون إن كلهم كانوا على الحق كما يقوله المصوبة من العامة ، لكنهم في خصوص هذه المسألة كلهم على التصويب كما يظهر من كلام علامتهم الشيرازي والتفتازاني والرازي في بيان اختلاف الملل وقالوا إن الكل حتى الغلاة ناجون في تفسير الحديث المتواتر عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه قال ستفترق أمتي على ثلاثة وسبعين فرقة ، واحدة منها ناجية والباقي هالكة وذكروا أن هذا الخبر من معجزاته صلّى الله عليه وآله وسلّم فتدبر في كفرهم .
  فقد تواترت الأخبار بكفر عامة الفرق المبتدعة التي لا عقيدة لها في أهل بيت العصمة والطهارة (سلام الله عليهم) ومن أهمها الفرقة البترية المرجئية، ففي جملة منها كما في الصحيح  عن أبي مسروق قال : سألني أبو عبد الله عليه السلام عن أهل البصرة ما هم ؟ فقلت : مرجئة وقدرية وحرورية فقال : لعن الله تلك الملل الكافرة المشركة التي لا تعبد الله على شيء.
  والمرجئة قد تطلق في مقابلة الشيعة من الإرجاء بمعنى التأخير لتأخيرهم أمير المؤمنين عليّاً عليه السّلام عن درجته وكأن تأخيره عن المرتبة التي رتبه الله تعالى فيها  هو المراد من توجهات الفرقة البترية المرجئية، وقد تطلق في مقابلة الفرقة المرجئية الوعيدية، والإرجاء على معنيين: )أحدهما)  بمعنى التأخير لأنهم يؤخرون العمل عن النية والقصد،و(ثانيهما): بمعنى إعطاء الرجاء لأنهم يعتقدون أن لا يضر مع الأيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة والسبب في شدة تقليدهم لأئمتهم وجدهم في ذلك أكثر من تقليد أصحابنا لأئمة الحق مع أن أئمتهم يدعونهم إلى اعتقادات فاسدة وأئمتنا عليهم السّلام يدعوننا إلى الحق، فأولئك يدعون أتباعهم إلى الدعة والراحة وأئمتنا الطاهرون عليه السّلام يدعوننا إلى التكليف والمشقة فتقليد اولئك لأئمة الإرجاء أهون على طباعهم .
  والظاهر من الأخبار الشريفة أن  المراد ب‍ " المرجئة " هنا مطلق المخالفين لإرجائهم أمير المؤمنين عليه السلام إلى الدرجة الرابعة أو ما يطلقون عليه بأنه خليفة رابع؛ فهم يهود هذه الأمة كما جاء في الخبر المستفيض عنه صلَّى الله عليه وآله : المرجئة يهود هذه القبلة .
  والسر في أنهم يهود هذه الأمة هو أنهم اعتقدوا بإمامة رجلٍ لم يفرضه الله عليهم فأخذوا بما أمر ونهى تاركين من افترض الله طاعته على العباد وهو أمير المؤمنين وأولاده الطاهرين (عليهم السلام) ففي الصحيح من الكافي عن علي بن محمد عن سهل عن إبراهيم بن محمد الهمداني عن محمد بن عبيدة قال : قال لي أبو الحسن عليه السّلام يا محمد أنتم أشد تقليداً أم المرجئة ؟  قال: قلت قلدنا وقلدوا، فقال: لم أسألك عن هذا فلم يكن عندي جواب أكثر من الجواب الأول فقال أبو الحسن عليه السّلام « إن المرجئة نصبت رجلا لم تفرض طاعته وقلدوه وأنتم نصبتم رجلا وفرضتم طاعته ثم لم تقلدوه فهم أشد منكم تقليدا » .
  من هنا حذّرت الأخبار الشريفة الشيعة الموالين منهم وأمرت بتأديب أولادهم بتعاليم أهل البيت عليهم السلام من خلال الإنكباب على تعلم الأحاديث والتدبر فيها، ففي الصحيح من الكافي بإسناده عن البرقي، عن محمد بن علي ، عن عمر بن عبد العزيز ، عن رجل ، عن جميل بن دراج وغيره ، عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال « بادروا أولادكم بالحديث قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة ».
بيان تفسيري في شرح الحديث المتقدم :
    يشير الخبر المتقدم إلى وجوب تعليم الآباء من الشيعة لأولادهم في شرخ شبابهم بل في أوائل إدراكهم وبلوغهم التمييز من الحديث ما يهتدون به إلى معرفة الأئمة الطاهرين عليهم السلام والتشيع قبل أن يغويهم المخالفون ويدخلوهم في ضلالتهم فيتعسر بعد ذلك صرفهم عن ذلك؛ والمرجئة في مقابلة الشيعة من الإرجاء بمعنى التأخير لتأخيرهم الإمام الأعظم مولانا أمير المؤمنين عليَّاً عليه السّلام عن مرتبته وقد يطلق في مقابلة الوعيد به إلا أن الأول هو المراد هنا.
  وورد عن إمامنا المعظم الصادق (عليه السلام) قال لصاحبه بشير الدهان:« لا خير فيمن لا يتفقه من أصحابنا يا بشير إن الرجل منهم إذا لم يستغن بفقهه احتاج إليهم فإذا احتاج إليهم أدخلوه في باب ضلالتهم وهو لا يعلم ».
وقال أمير المؤمنين الإمام الأعظم عليّ بن أبي طالب عليهما السّلام :« علَّموا صبيانكم من علمنا ما ينفعهم اللَّه به لا تغلب عليهم المرجئة برأيها ، ولا تقيسوا الدّين فإنّ من الدّين ما لا يقاس ، وسيأتي أقوام يقيسون فهم أعداء الدّين ».
     السؤال الثاني: لقد جاء في سؤالكم الكريم أن هنالك من يدعي التشيع يستدل بهذه الآية على عدم تخصيص رحمة الله :( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) .
واستدلالهم بالتالي: إذا كان من نسميهم كفاراً سيدخلون الجنَّة بصريح القرآن، فما بالنا بالصالحين من الفرق الإسلامية المختلفة؟.
   الجواب: هذه الشبهة ليست جديدة علينا، بل لها جذور قديمة في الفكر المسيحي والإسلامي، فقد اعتمدها المشككون بالديانة الإسلامية بدعوى أن العمل بأيّ دينٍ من الأديان الإلهية له أجرٌ عند الله تعالى، وليس من اللازم أن يعتنق اليهودي أو النصراني أو الصابئي الإسلامَ، بل يكفي أن يؤمن بالله واليوم الآخر ويعمل صالحاً؛ وأضاف إليها تشكيكاً آخر جماعةٌ من البتريين اليوم حيث يكتفون بالإيمان بالله تعالى واليوم الآخر من دون حاجة إلى اعتناق التشيع ديناً أصيلاً لا يرتضي الله تعالى غيره ديناً وعقيدة بمقتضى آية الإكمال التي نزلت في غدير خم إعلاءاً لكلمة ولاية أمير المؤمنين عليه السلام بقوله تعالى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ).
   إن من جملة المصائب العظمى التي ابتلت بها الطائفة اليوم هي أن يضع الجاهل نفسه موضع الفقيه العالم فيفتي بغير علمٍ، ولا يغرنَّكم عمائم السوء الذين امتلأت بهم الحوزات الشيعية اليوم - وأنتم بفضل الله ممن لا يغتر بهم - فهؤلاء لا نصيب لهم من العلم، فضلاً عن الإيمان والتقوى، وقد راج في الحوزات الشيعية اليوم - وهي حوزات بترية تمولها دول إقليمية شيعية وسنيَّة وعالمية - العمل بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة، وكلُّها أدوات استنباطية ضالة مصدرها المدرسة العمرية لإضلال الشيعة عبر عمائم تتظاهر بالتشيع وتتمظهر بجلباب العلم والولاء لأهل البيت (عليهم السلام) من دون أن يكون لها نصيب في العداوة لأعدائهم والبراءة منهم، وقد حذّرت منهم الأخبار الشريفة التي فاقت التواتر بمرات، لذا يجب الحذر منهم وتنبيه الأمة على منكراتهم وفظائع أفعالهم وفضحهم حتى لا يغتر بهم البسطاء من الموالين الشيعة، فإن جهادهم أهم من جهاد غيرهم من الملل والنحل الكافرة، فقد جاء عن مولانا الإمام المعظم الحسن العسكري عليه السلام قال:« قال : قال جعفر بن محمد ( عليه السلام ) : علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا وعن أن يتسلط عليهم إبليس وشيعته النواصب ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف مرة لأنه يدفع عن أديان محبينا وديننا وذلك يدفع عن أبدانه» .
  وقال الإمام أبو محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام : قال علي بن أبي طالب عليه السلام من قوى مسكينا في دينه ضعيفا في معرفته على ناصب مخالف فأفحمه  لقنه الله تعالى يوم يدلى في قبره أن يقول : الله ربي  ومحمد نبيي ، وعلي وليي ، والكعبة قبلتي ، والقرآن بهجتي وعدتي ، والمؤمنون إخواني ، فيقول الله : أدليت
بالحجة فوجبت لك أعالي درجات الجنة ، فعند ذلك يتحول عليه قبره أنزه رياض الجنة .
   وعنه عليه السلام قال : قالت فاطمة عليها السلام وقد اختصم إليها امرأتان فتنازعتا في شئ من أمر الدين إحداهما معاندة والأخرى مؤمنة ففتحت على المؤمنة حجتها فاستظهرت على المعاندة ففرحت فرحاً شديداً ، فقالت فاطمة (عليها السلام) : إن فرح الملائكة باستظهارك عليها أشدُّ من فرحك ، وإن حزن الشيطان ومردته بحزنها عنك أشدُّ من حزنها ، وإن الله عز وجل قال للملائكة : أوجبوا لفاطمة بما فتحت على هذه المسكينة الأسيرة من الجنان ألف ألف ضعف مما كنت أعددت لها ، واجعلوا هذه سنة في كل من يفتح على أسير مسكين فيغلب معاندا مثل ألف ألف ما كان له معداً من الجنان .
 من هذا المنطلق نجيب على الشبهة المتقدِّمة بالوجوه الآتية:
(الوجه الأول): لم يدَّعِ أحدٌ من فقهاء الامامية ولا أحدٌ من أكابر المخالفين بأن الكفار سيدخلون الجنَّة، وذلك لقيام الآيات والأخبار القطعيين بأن الكافر مخلَّدٌ في النار.. فالعجب من صاحب الشبهة كيف أقحم نفسه بشيء أجمع عليه المسلمون جميعاً معتقدين بخلود الكفار في النار، مدعيّاً دخول الكفار من اليهود والنصارى والصابئة إلى الجنَّة، ضارباً عرض الجدار النصوص الصريحة في الكتاب والسنَّة بتخليد الكفار في النار..!؟ نعم؛ بناءً على عقيدة المرجئة بإرجاء العقاب عن العاصين، فإن الجميع كفاراً ومسلمين بعامة فرقهم ونحلهم سوف يدخلون الجنّة ما يعني أن عقيدة صاحب الشبهة هي الإرجاء الذي يعني العفو والرحمة الإلهية لعامة الناس يوم القيامة حتى لو قسم لكم - صاحب الشبهة - بالنفي ألفَ قسمٍ ويمين..!.
 (الوجه الثاني): إن النصَّ القرآني الذي اعتمده صاحب الشبهة هو من المتشابهات القرآنية التي تحتاج إلى توضيحٍ وتفسير من قبل الآيات المحكمة الدالة على دخول الكفار النار وبئس القرار، وقد بلغت المئات، منها قوله تعالى: (ِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ) البقرة 162 ـ 163. وقوله تعالى (وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ )التوبة68. وقوله تعالى (فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ )النحل29. وقوله تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )البقرة39. وقوله تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ )المائدة10. وقوله تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ )الحج57. وقوله تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ )الحديد19. وقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ) الأعراف 40. وقوله تعالى (وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ )النساء14. وقوله تعالى (إِلَّا بَلَاغاً مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً }الجن23. وقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً )النساء168ـ 169.
 لقد دلت الآيات المتقدمة بكلِّ وضوح لا يعتريه شكّ بأن الكافرين مخلدون في النار وأنهم لن يخرجوا منها أبداً مما يعني بطلان ما يروّج له البتريون المرجؤون بسبب انعدام معرفتهم بعلوم القرآن أو تجاهلهم لآياته الكريمة تحريفاً وتلفيقاً وزوراً لأجل غايات رخيصة دنيوية وحباً لأعمدة السقيفة وبغضاً بأمير المؤمنين وأهل بيته المعصومين عليهم السلام..!.
  وهذه الآيات الكريمة على كثرتها لا يمكن التغاضي عنها ولا يجوز تغافلها وترك العمل بها بتقديم تلك الآية المتشابهة - التي ركن إليها صاحب الشبهة برأيه وقياسه واستحسانه - على الآيات الكثيرة المحكمة التي أشرنا إلى جملة منها آنفاً؛ وقد فسرتها النصوص الشريفة بجماعة من اليهود والنصارى والصابئة ممن ثبت على الإيمان والعمل الصالح؛ وهو ما فسّره إمامنا المعظم الحسن العسكري (سلام الله عليه) فقال:«  قال الله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) بالله ، وبما فرض الإيمان به من الولاية لعلي بن أبي طالب والطيبين من آله ( والَّذِينَ هادُوا ) يعني اليهود  ( والنَّصارى ) الذين زعموا أنهم في دين الله متناصرون ( والصَّابِئِينَ ) الذين زعموا أنهم صبؤوا إلى دين الله ، وهم بقولهم كاذبون . ( مَنْ آمَنَ بِاللَّه )  من هؤلاء الكفار ، ونزع من كفره ، ومن آمن من هؤلاء المؤمنين في مستقبل أعمارهم ، ووفى بالعهد والميثاق المأخوذين عليه لمحمد وعلي وخلفائه الطاهرين ( وعَمِلَ صالِحاً ) من هؤلاء المؤمنين ( فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ ) ثوابهم ( عِنْدَ رَبِّهِمْ ) في الآخرة  ( ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ )  هناك حين يخاف الفاسقون  ( ولا هُمْ يَحْزَنُونَ )  إذا حزن المخالفون ، لأنهم لم يعملوا من مخالفة الله ما يخاف من فعله ، ولا يحزن له» .
 ومثل التفسير المتقدم ما ذكره الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان فقال:[ لمعنى : ( إن الذين آمنوا ) اختلف في هؤلاء المؤمنين من هم ، فقال قوم : هم الذين آمنوا بعيسى ، ثم لم يتهودوا ، ولم يتنصروا ، ولم يصبأوا وانتظروا خروج محمد صلى الله عليه وآله وسلم . وقيل : هم طلاب الدين منهم : حبيب النجار ، وقس بن ساعدة ، وزيد بن عمرو بن نفيل ، وورقة بن نوفل ، والبراء الشني وأبو ذر الغفاري ، وسلمان الفارسي ، وبحيرا الراهب ، ووفد النجاشي ، آمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل مبعثه . فمنهم من أدركه وتابعه ، ومنهم من لم يدركه . وقيل : هم مؤمنو الأمم الماضية . وقيل : هم المؤمنون من هذه الأمة . وقال السدي : هو سلمان الفارسي ، وأصحابه النصارى ، الذين كان قد تنصر على أيديهم قبل مبعث رسول الله وكانوا قد
أخبروه بأنه سيبعث ، وأنهم يؤمنون به إن أدركوه .
  واختلفوا في قوله : ( من آمن بالله واليوم الآخر ) فقال قوم : هو خبر عن الذين هادوا والنصارى والصابئين،  والضمير يرجع إليهم ، لأن الذين آمنوا قد كانوا مؤمنين ، فلا معنى أن يشرط فيهم استئناف الإيمان ، فكأنه قال : إن الذين آمنوا ، ومن آمن من اليهود والنصارى والصابئين بالله واليوم الآخر ، فلهم أجرهم . وقال آخرون : من آمن منهم الضمير راجع إلى الكل ، ويكون رجوعه إلى الذين آمنوا بمعنى الثبات منهم على إيمانهم ، والاستقامة ، وترك التبديل ، وإلى الذين هادوا ، والنصارى ، والصابئين ، بمعنى استئناف الإيمان بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وما جاء به . وقال بعضهم أراد من آمن بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد الايمان بالله ، وبالكتب المتقدمة ، لأنه لا يتم أحدهما إلا بالآخر ، ونظيره قوله : ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد ) وروي عن ابن عباس أنه قال إنها منسوخة بقوله ( ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه ) . وهذا بعيد ، لأن النسخ لا يجوز أن يدخل الخبر الذي هو متضمن للوعد ، وإنما يجوز دخوله في الأحكام الشرعية التي يجوز تغيرها وتبدلها بتغير المصلحة . فالأولى أن يحمل على أنه لم يصح ، هذا القول عن ابن عباس . وقال قوم : إن حكمها ثابت والمراد بها : إن الذين آمنوا بأفواههم ، ولم تؤمن قلوبهم ، من المنافقين واليهود والنصارى والصابئين ، إذا آمنوا بعد النفاق ، وأسلموا بعد العناد ، كان لهم أجرهم عند ربهم ، كمن آمن في أول استدعائه إلى الإيمان من غير نفاق ، ولا عناد ، لأن قوما من المسلمين قالوا : إن من أسلم بعد نفاقه وعناده ، كان ثوابه أنقص ، وأجره أقل . فأخبر الله بهذه الآية أنهم سواء في الأجر والثواب . وقوله ( بالله ) أي : بتوحيد الله ، وصفاته ، وعدله . ( واليوم الآخر ) يعني : يوم القيامة والبعث والنشور ، والجنة ، والنار  ( وعمل صالحا ) أي : عمل ما أمره الله به من الطاعات ، وإنما لم يذكر ترك المعاصي ، لأن تركها من الأعمال
الصالحة . ( فلهم أجرهم ) أي : جزاؤهم وثوابهم ( عند ربهم ) أي : معد لهم عنده . وقوله : ( ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) مضى تفسيره قبل . وقيل معناه : لا خوف عليهم فيما قدموا ، ولا هم يحزنون على ما خلفوا . وقيل : لا خوف عليهم في العقبى ، ولا يحزنون على الدنيا . وفي هذه الآية دلالة على أن الإيمان هو
التصديق ، والاعتقاد بالقلب ، لأنه تعالى قال : ( من آمن بالله ) ، ثم عطف عليه بقوله ( وعمل صالحا )] انتهى كلامه .
 (الوجه الثالث): الآية موضوع البحث تشير إلى مبدأ عام في التقييم وفق المعايير الإلهية، وهذا المبدأ ينص على أن الإيمان والعمل الصالح هما أساس تقييم الأفراد ، وليس للتظاهر والتصنع قيمة في ميزان الله : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون .
    وبعبارةٍ أُخرى: إن المراد بالذين آمنوا من كلّ دين هم الذين آمنوا حقيقة بالله تعالى وبالأنبياء المرسلين في زمانهم كاليهود في زمن النبي موسى عليه السلام والنصارى في زمن النبي عيسى عليه السلام والصابئة اتباع النبي زكريا وابنه يحيى عليهما السلام، فهؤلاء المؤمنون الثابتون على إيمانهم كما علَّمهم أنبياؤهم المعارف اليقينية الحقة وأرشدوهم إلى الفلاح والصلاح..هؤلاء لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وهم يتميزون عن أقوامهم الفاسدين الضالين..تميزوا عنهم بحسن الإعتقاد بالله تعالى، فهم ليسوا بمشركين بل كانوا على الدين الحقيقي الذي جاء به هؤلاء الأنبياء العظام، فلم يغيِّروا بمعتقداتهم الحقة ولم يبدلوا أحكام الله تعالى بل ساروا على النهج الذي رسمه لهم موسى وعيسى وزكريا عليهم السلام ولو عاشوا إلى زمن نبينا محمد صلى الله عليه وآله لكانوا قطعاً من المؤمنين به وبأوصيائه من بعده عليهم السلام، وهؤلاء مثل يوسف النجار ومؤمن آل فرعون وأصحاب الكهف وغيرهم ممن آمنوا حقيقة بما نزل على أنبياء عصرهم. 
    وسياق الآية - كسياق بعض الآيات الأُخر في سورة المائدة 72 وسورة الحج الآية 17 - يشير إلى أن اليهود والنصارى فخروا بدينهم ، واعتبروا أنفسهم أفضل من الآخرين ، وادعوا بأن الجنة خاصة بهم دون غيرهم، ولعل مثل هذا التفاخر صدر عن بعض المسلمين أيضا ، ولذلك نزلت هذه الآية الكريمة لتؤكد أن الإيمان الظاهري لاقيمة له في الميزان الإلهي ، سواء في ذلك المسلمون واليهود والنصارى وأتباع الأديان الأخرى . ولتقول الآية أيضا : إن الأجر عند الله يقوم على أساس الإيمان الحقيقي بالله واليوم الآخر إضافة إلى العمل الصالح . وهذا الأساس هو الباعث الوحيد للسعادة الحقيقة والابتعاد عن كل خوف وحزن .
 والمحصلة: إن الآية مورد البحث تجيب على سؤالٍ عرض لكثير من المسلمين في بداية ظهور الإسلام ، يدور حول مصير آبائهم وأجدادهم الذين لم يدركوا عصر الإسلام ، ترى هل سيؤاخذون على عدم إسلامهم وإيمانهم؟ !
  الآية المذكورة نزلت لتقول إن كل أمة عملت في عصرها بما جاء به نبيها من تعاليم السماء وعملت صالحاً، فإنها ناجية ، ولا خوف على أفراد تلك الأمة ولا هم يحزنون ، فاليهود المؤمنون العاملون ناجون قبل ظهور المسيح ، والمسيحيون المؤمنون العاملون ناجون قبل ظهور نبي الإسلام .
 (الوجه الرابع): لو كانت دعوى صاحب الشبهة صحيحةً لما كان هناك عدل إلهيٌّ – والعياذ بالله - يعطي كلّ ذي حقٍّ حقه ويميّز المؤمن عن الكافر؛ فلا يتساوى المؤمن المطيع عنده سبحانه وتعالى بالكافر المتحلل من القيود الشرعية يعصي الله تعلى جهرةً طوال عمره، فثمة فرق بين المؤمن الحقيقي وبين الكافر والمشرك بمقتضى قوله تعالى: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ)  (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ). فمعتقد اليهودي والنصراني والصابئي اليوم كما كان في السابق هو الشرك والكفر والضلال إلا من رحم ربي من أهل الإيمان المعتقدين بما نزل على أنبيائهم وبما أخبروا عن مجيء نبي الإسلام رسول الله محمد وأهل بيته الأطهار عليهم السلام فآمنوا بالنبي وآله ورفضوا الشرك والكفر. 
  (الوجه الخامس): لقد لفق صاحبُ الشبهة بين صلاح الكافر وصلاح المخالف، فجعلهما في الصلاح سواء قياساً واستحساناً من دون الاعتماد على المدارك الشرعية، فالكافر – بنظر المدَّعي - صحيح الإعتقاد وصالح عملاً وكذلك المخالف من دون النظر إلى عقيدة الإثنين من حيث الصحة والفساد...وهذا التلفيق مخالف للكتاب الكريم والسنَّة المباركة حيث حكما على الكافر بالغض عن هويته وديانته، فالكافر هو من ينكر ضرورة من ضروريات الدين بلا فرقٍ بين اليهودي والنصراني والصابئي والمسلم، فليس للكفر حد محدود بمن أنكر رسالة الإسلام فحسب بل يشمل حتى المسلم المنكر لأصل أو فرع قام الدليل القطعي على ثبوته في الكتاب والسنَّة المطهرة، وقد فصّلنا القول حول حقيقة الكفر والكافر في كتابنا " معنى الناصبي "؛ وقلنا هناك بأن الكافر هو الجاحد لبعض الأُصول الاعتقادية والفروع الضرورية وهو أمر حاصل عند عامة الفرق المبتدعة في الإسلام ، فحكمهم حكم بقية الكفار حتى لو كانوا من أعبد العباد وأصلح الناس، فليست العبرة بالصلاح الظاهري ما دام صاحبه جاحداً لبعض الضروريات الدينية، فالمناط في الإيمان هو الإعتقاد بما نزل على رسول الله محمد صلى الله عليه وآله من دون تبعيض بالاعتقاد فيؤمن ببعض ما جاء به وينكر بعضاً آخر، لأن الإيمان هو مجموعة اعتقادات مترابطة بعضها ببعض، فإنكار واحداً منها يدخل صاحبها في الكفر وهو موضع وفاق بين عامة علماء الإسلام..فما ذهب إليه صاحب الشبهة مخالف لما هو عليه بين الأعلام، كما أنه مخالف للقرآن والسنَّة المطهرة...فلا الكافر اليهودي والنصراني وغيرهما سيدخلا الجنَّة، ولا المسلم المنكر لضرورة من ضروريات الإسلام سيدخل الجنَّة أيضاً، فكلاهما كافران يستحقان دخول النار وبئس القرار وهو مجمع عليه بين المسلمين حسبما أشرنا آنفاً، وإجماعهم مبنيٌّ على الأخبار الشريفة التي حكمت بكفر المخالفين بعامة فرقهم ومذاهبهم بسبب تركهم ما نزل على رسوله الكريم صلى الله عليه وآله من وجوب الولاية لأهل البيت عليهم السلام ووجوب البراءة من أعدائهم والتاركين للتمسك بعروتهم والآخذين من غير علومهم ومعارفهم، وهو حكم عام يشمل فرق المسلمين وغيرهم.
 ففي صحيح الكافي بإسناده عن يونس عن داود بن فرقد عن حسان الجمال عن عميرة عن الإمام أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال سمعته يقول : « أمر الناس بمعرفتنا والرد إلينا والتسليم لنا ثم قال وإن صاموا وصلوا وشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وجعلوا في أنفسهم أن لا يردوا إلينا كانوا بذلك مشركين » .
  وفي الصحيح عنه بإسناده علي عن أبيه عن البزنطي عن الكاهلي قال قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : لو أن قوما عبدوا اللَّه تعالى وحده لا شريك له وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وحجوا البيت وصاموا شهر رمضان ثم قالوا لشيء صنعه اللَّه أو صنعه رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله وسلّم ألا صنع بخلاف الذي صنع أو وجدوا ذلك في قلوبهم لكانوا بذلك مشركين ثم تلا هذه الآية « فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً » ثم قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام « فعليكم بالتسليم » .
  وبإسناده عن البرقي عن أبيه عن الكاهلي عن ابن مسكان عن أبي بصير قال : سألت أبا عبد اللَّه عليه السّلام عن قول اللَّه تعالى « اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ( 2 ) » فقال « أما واللَّه ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم ولو دعوهم إلى عبادة أنفسهم ما أجابوهم ولكن أحلوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالا فعبدوهم من حيث لا يشعرون » .
 وبإسناده عن علي بن محمد عن صالح بن أبي حماد والثلاثة عن رجل عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : « من أطاع رجلا في معصية فقد عبده » .
  وبإسناده عن أحمد بن محمد بن إبراهيم الأرمني عن ابن يقطين عن أبي جعفر عليه السّلام قال : « من أصغى إلى ناطق فقد عبده فإن كان الناطق يروي عن اللَّه فقد عبد اللَّه عز وجل وإن كان الناطق يروي عن الشيطان فقد عبد الشيطان » .
  وبإسناده عن زرارة عن الإمام أبي جعفر عليه السّلام قال : واللَّه إن الكفر لأقدم من الشرك وأخبث وأعظم
قال ثم ذكر كفر إبليس حين قال اللَّه تعالى له اسجد لآدم فأبى أن يسجد فالكفر أعظم من الشرك فمن اختار على اللَّه تعالى وأبى الطاعة وأقام على الكبائر فهو كافر ومن نصب دينا غير دين المؤمنين فهو مشرك » .
 وبإسناده أيضاً عن علي عن الاثنين قال: سمعت أبا عبد اللَّه عليه السّلام : وسئل عن الكفر والشرك أيهما أقدم فقال الكفر أقدم وذلك أن إبليس أول من كفر وكان كفره من غير شرك لأنه لم يدع إلى عبادة غير اللَّه وإنما دعا إلى ذلك بعد فأشرك » .
 وبإسناده عن علي عن العبيدي عن يونس عن ابن بكير عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال : ذكر عنده سالم بن أبي حفصة وأصحابه فقال إنهم ينكرون أن يكون من حارب عليَّاً عليه السّلام مشركين ؟ فقال أبو جعفر عليه السّلام:" فإنهم يزعمون أنهم كفار ثم قال إن الكفر أقدم من الشرك ثم ذكر كفر إبليس حين قال له اسجد فأبى أن يسجد وقال « الكفر أقدم من الشرك فمن اجترى على اللَّه وأبى الطاعة وأقام على الكبائر فهو كافر يعني مستخفا كافر » .
 وبإسناده عن علي عن العبيدي عن يونس عن العجلي عن أبي جعفر عليه السّلام قال : سألته عن أدنى ما يكون العبد به مشركا فقال « من قال للنواة أنها حصاة وللحصاة إنها ( هي ) نواة ثم دان به » .
   بيان : يراد من الحديث أن من اعتقد بقلبه بأن النواة هي حصاة والحصاة أنها نواة وجعله ديناً له فهو كافر لأنه شرّع ما أباحه الله تعالى لعباده؛ والوجه في كونه شركاً أنه يرجع إلى متابعة الهوى أو تقليد من يهوى فصاحبه وإن عبد اللَّه وأطاعه فقد أطاع هواه أو من يهواه مع اللَّه وأشركه معه ويفسره ما ورد عن ابن مسكان عن أبي العباس قال : سألت أبا عبد اللَّه عليه السّلام عن أدنى ما يكون به العبد مشركاً، فقال « من ابتدع رأياً فأحب عليه أو أبغض عليه » .
 ومن المعلوم أن المخالفين ابتدعوا آراءً مخالفة لكتاب الله وسنَّة نبيّه وآله الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين فكيف لا يكونون كفاراً بل كيف يكونون صالحين كما يزعم صاحب الشبهة لعنه الله تعالى..؟!.
 وبإسناده عن علي عن أبيه عن حماد عن اليماني عن ابن أذينة عن أبان بن أبي عياش عن سليم بن قيس قال سمعت عليَّاَّ عليه السّلام يقول : وأتاه رجل فقال له ما أدنى ما يكون به العبد مؤمناً وأدنى ما يكون به العبد كافراً وأدنى ما يكون به العبد ضالا ؟ قال له « قد سألت فافهم الجواب أما أدنى ما يكون به العبد مؤمناً أن يعرفه اللَّه تعالى نفسه فيقر له بالطاعة ويعرفه نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم فيقر له بالطاعة ويعرفه إمامه وحجته في أرضه وشاهده على خلقه فيقر له بالطاعة قلت يا أمير المؤمنين وإن جهل جميع الأشياء إلا ما وصفت قال نعم إذا أمر أطاع وإذا نهي انتهى وأدنى ما يكون به العبد كافرا من زعم أن شيئا نهى اللَّه تعالى عنه أن اللَّه تعالى أمر به ونصبه دينا يتولى عليه ويزعم أنه يعبد الذي أمره به وإنما يعبد الشيطان وأدنى ما يكون به العبد ضالا أن لا يعرف حجة اللَّه تعالى وشاهده على عباده الذي أمر اللَّه بطاعته وفرض ولايته » .
 وبإسناده عن إبراهيم بن عبد الحميد عن إسحاق بن غالب قال قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : « يا إسحاق كم ترى أهل هذه الآية (إن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون) قال: ثم قال عليه السلام: هم أكثر من ثلثي الناس » .
    إن أكثر الناس اليوم كما كانوا بالأمس في عصور الأئمة الطاهرين عليهم السلام يوالون لأجل الدنيا، ذلك لأن دينهم مبتنٍ على دنياهم إن أعطوا من الدنيا رضوا بالدين وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون، وقد حصل معنا ذلك شخصياً مع بعض الناس اللئام حيث علَّمناهم معالم دينهم وعرفناهم عقيدة آل محمد عليهم السلام، فلمّا حكمنا لهم بحكم الله تعالى في مسائل اختلفوا عليها، فلم يقبلوا به وردوه وارتدوا علينا فصاروا أشدَّ ضراوة علينا من الكلاب المستعرة على فريستها عبر المواقع الإلكترونية وهنا وهناك؛ ويؤازرهم شذاذ الآفاق من نواصب المخالفين والبتريين والمنافقين عبر مواقع ناصبية تتظاهر بالتشيع...ونحن صابرون محتسبون، ولنا أُسوة حسنة بآل محمد عليهم السلام حيث صبروا على ما أصابهم من أذى وضرر لحقهم من ثلة من المنافقين تتلمذوا على أيديهم ثم ارتدوا عليهم وصاروا يسبونهم ويشتمونهم ويلعنونهم على المنابر مع أنهم عليهم السلام قد تفضلوا عليهم بنعمة المعرفة لكنهم جحدوا شكر المنعم عليهم بها تقديماً لدنياهم على آخرتهم؛ وهؤلاء حالهم كما قال تعالى(وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ) وقال تعالى:(وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ) (إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ) (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ). فإنّ غداً لناظره قريب .
 السؤال الثالث: هل هؤلاء من المرجئة ؟
الجواب: نعم؛ إنهم من المرجئة، فكلُّ من يحسن الظنَّ بالمخالفين ويحكم عليهم بالإيمان والصلاح لا ريب في أنه من الفرقة المرجئية حسبما فصّلنا سابقاً....والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد وآله الغر الميامين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 حررها كلبهم الباسط ذراعيه بالوصيد
     محمد جميل حمود العاملي  
بيروت بتاريخ3 ذي القعدة 1436هجري. 
 

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2015/08/22   ||   القرّاء : 3637




أحدث البيانات والإعلانات :



 بيان في نعي آية الله الفقيه المجاهد السيّد محمّد تقي الطباطبائي القمّي (أعلى الله مقامه)

 بيان بتحديد يوم عيد الفطر من عام 1437 هـ

 بيان هام بمناسبة هدم قبور ائمتنا الطاهرين عليهم السلام في البقيع الشريف بالمدينة المنورة

 بيان صادر عن مكتب المرجع الديني آية الله المحقق الشيخ محمد جميل حمود العاملي (دام ظلّه الوارف) بشأن أزيز الرصاص وقنابل المفرقعات في بيروت

 بيان مقتضب في ذكرى ولادة الإمام الأعظم أسد الله الغالب مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام

 رداً على نائب رئيس المجلس الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان حول نعته لعامة الشيعة المبغضين لأبي بكر وعمر بأنهم أولاد حرام

 فوضى الحزب في الضاحية الجنوبية

البحث في القسم :


  

جديد القسم :



 بحث حول تنزيه عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه عن الفسوق والإنحراف

 المعصوم عليه السلام يعلم جميع الصناعات والعلوم الطبية والهندسية وجميع ما يحتاجه البشر

 مسائل حول التقليد الإبتدائي والعدول من الحي إلى الميت

 ما هي كفارة اليمين الكاذبة؟

 لا يجوز الزواج من المرأة الحامل إلا بعد إكمال عدتها وهي وضع الحمل

 لا يجوز التمتع بالبكر من دون إذن أبيها على الأحوط وجوباً

 هل الإمام عليه السلام ملزم بتبليغ الدين والمسائل الشرعية وأحكام الإسلام ؟

ملفات عشوائية :



 بيان في نعي آية الله الفقيه المجاهد السيّد محمّد تقي الطباطبائي القمّي (أعلى الله مقامه)

 طاعة أئمتنا الطاهرين عليهم السلام ليست مرتبطة بالخلافة الظاهريّة

 هل السفراء الأربعة معصومين بالعصمة الصغرى؟

 ــ(16)ــ صفات الشيعة[ج]

 الأحكام المتفرعة عن المطالبة بالحقوق المسلوبة من قبل الظالمين

 منع الإمام عليه السلام من التصدّي لبيان الأحكام أدّى إلى إنتشار الظلم إلى يومنا هذا

 هل سماحة آية الله الفقيه الشيخ محمَّد جميل حمُّود العامِلي دام ظله الوارف أخباريٌّ ؟

جديد الصوتيات :



 ــ(9)ــ إثبات ارتداد الصنمين من خلال الأخبار الشريفة

 ــ(8)ــ تفسير قوله تعالى ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم

 ــ(7)ــ تكفير الصنمين من خلال الآيات الدالة على كفرهما ــ(الحلقة الثانية)ـ

 ــ(6)ــ تكفير الصنمين من خلال الآيات الدالة على كفرهما

 ــ(5)ــ تفنيد دعوى السيد الخوئي حول نفي النصب والعداوة عن أعمدة السقيفة بالوجوه 9و10و11 ــ(الحلقة الخامسة)ــ

 ــ(4)ــ تفنيد دعوى السيد الخوئي حول نفي النصب والعداوة عن أعمدة السقيفة ــ(الحلقة الرابعة)ــ

 ــ(3)ــ تفنيد دعوى السيد الخوئي حول نفي النصب والعداوة عن أعمدة السقيفة ــ(الحلقة الثالثة)ــ

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 17

  • الأقسام الفرعية : 52

  • عدد المواضيع : 1453

  • التصفحات : 6894615

  • التاريخ : 17/10/2017 - 23:30

||   Web Site : www.aletra.org   ||   
 

 Designed, Programmed & Hosted by : King 4 Host . Net